أسعد دوراكوفيتش: الشعرية العربية منذ الجاهلية شعرية أرابسك

الباحث يرسخ علم الشرق بديلا عن الاستشراق في دراسته للأدب العربي.
الأربعاء 2021/01/20
لنتجاوز الصورة النمطية للأدب العربي القديم (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

لم تفلح أغلب المقاربات النقدية للأدب العربي القديم، التي أضرت بها الإسقاطات الكثيرة التي توسلها النقاد في الأدب العربي منذ الجاهلية وما تلاها. ولعل من أبرز الأخطاء هو تناول هذا الأدب بتحقيب زمني خطي صارم، أقام فواصل مغلوطة بين مراحل تطوّر هذا الأدب، بالإضافة إلى اتسام الكثير من الدراسات بنظرة استشراقية دونية، وهو ما يتجاوزه الباحث البوسني أسعد دوراكوفيتش.

يتناول الباحث الأكاديمي البوسني الدكتور أسعد دوراكوفيتش، في كتابه “من الاستشراق إلى علم الشرق”، الأدب العربي من الداخل (الخاصّ) ليصل إلى الخارج (العامّ)، غير حافل بالتسلسل التاريخي لهذا الأدب، أو التعاطي الفيلولوجي/ الخارجي معه، الذي يشترك فيه الدارسون العرب والمستشرقون الأوروبيون.

 ويركز دوراكوفيتش على قضايا دقيقة مثل شعرية الأرابيسك، والشعرية الاستدلالية للقرآن الكريم، وتقدم النص القرآني على التراث وصولا إلى المجاز القرآني، ونضوج الشعرية ما بعد القرآنية، لينفذ من خلال هذه القضايا إلى أحكام جديدة تتصل بالمجاز والتشبيه والشعرية.

مصطلح بديل للاستشراق

يشتمل الكتاب الصادر حديثا عن “دار الآن ناشرون وموزعون” في عمّان بترجمة عدنان حسن، على جانبين، نظري وتطبيقي، وتعود نواته إلى دراسة دوراكوفيتش “الاستشراق: مشكلات المنهج والمسميات” التي نشرها عام 2000، وكانت خلاصة تجربته في التحرّر من “الاستشراق” المعبرّ عن المركزية الأوروبية في تعاملها مع العالم، وفي التطلع إلى بديل مناسب في الاسم والمنهج.

يحمّل المؤلف المسؤولية إلى الاستشراق والدراسات الشرقية، التي يعدها “ملوّثة أيديولوجيا”، ويترك للقارئ أن يلمح تأثير إدوارد سعيد هنا، ويقترح مصطلحا بديلا للاستشراق، لامركزيا أوروبيا في مقاربة هذا الحقل من البحث، هو “علم الشرق”.

الأدب الجاهلي هو مهد الأدب العربي، وتأثيره فيه لاحقا يشبه تأثير الأدب اليوناني القديم على الأدب الأوروبي

وقد يبدو للقارئ، وهو يطالع عناوين بعض الفصول في هذا الكتاب، أن المؤلف يبحث في قضايا نمطية أو مكررة كالتشبيه والإعجاز والمجاز القرآني، لكنه عندما يوغل في قراءة الفصول يجد إضاءات واكتشافات ونتائج جديدة وزوايا نظر نادرا ما تناولها من قبل، ففي فصل بعنوان “التشبيه في الشعر العربي القديم: عالمٌ على مسافة” يعرض المؤلف لمسائل دقيقة وجديدة مثل: واقعية (أو مادّية) الشعر العربي القديم، وصور الوصف ووفرة الثيمات في القصائد، وتقطيع الفضاء النصي، وتدرّج الزمن النصي، والتركيز على التسطّح الجسدي، ونمطية ما قبل الوصف، ومصدر التنميط الدائم للمخزون الثيمي للقصيدة، ومكوني التشبيه بوصفهما معمارَيْ الإيجابية، وغيرها. وهذه المسائل الدقيقة في إطار الحديث عن التشبيه في الشعر العربي القديم تكاد تكون كلها جديدة، وتدل على فطنة ونباهة ورؤية نقدية عميقة وفاحصة وذكيّة.

بعيدا عن النمطية

على الرغم من كون مؤلف الكتاب يبحث في الشعر العربي من غير توقّف عند زمن واحد أو مكان واحد، فإن منهجه ليس نمطيا ولا تقليديا، ولا يهجم على ما هجم عليه الدارسون الآخرون من موضوعات تقليدية مألوفة، ولم يأبه بالتحقيب، ولا بإعادة نبش الموضوعات العامة، ولا تقسيمات الأدب العربي المعروفة إلى شعر ونثر، وتقسيم الشعر إلى أغراض مشهورة، وإنما بحث في موضوعات غير مطروقة إلا قليلا، دون أن يحفل بالآراء والأحكام المتداولة التي تتناقلها سائر المؤلفات التي تناولت الأدب العربي عموما.

 ويأخذ دوراكوفيتش على الدارسين للأدب العربي من عرب ومستشرقين أنهم يقدمون هذا الأدب بوصفه مرتّبا ترتيبا تاريخيا وسياسيا صارما، وأنهم لا يقدرون على فهم الأدب بوصفه قيمة فنية، وتقسيمه إلى عهود أدبية لا عهود سياسية مرتبطة بأسر حاكمة، كالأدب الأموي والأدب العّباسي والأدب الفاطمي، إلخ.

كتاب يركز على قضايا دقيقة مثل شعرية الأرابيسك، والشعرية الاستدلالية للقرآن الكريم
كتاب يركز على قضايا دقيقة مثل شعرية الأرابيسك، والشعرية الاستدلالية للقرآن الكريم

وهو بذلك يسعى إلى نبذ المنهج التاريخي البحت ليتناول موضوعاته وفق المنهج الفني، ويبحث عن المسلمات الجمالية للأدب العربي القديم بواسطة المنهج العلمي المناسب الخاص بالشعرية، كما يقول دوراكوفيتش نفسه. والسبب الذي دعاه إلى نبذ منهج التحقيب وتفضيل منهج الدراسة الفنية والجمالية للشعر العربي القديم أنه يرى أن “الأدب العربي القديم هو منظومة مترابطة بشكل ملحوظ بالمصطلحات الشعرية، أي أنه يمتلك تفرده الخاصّ به”.

ومن منطلق تجنّبه للمنهج التاريخي واعتماده المنهج الفني تناول دوراكوفيتش موضوعات تمثل خصائص فنيّة في الشعر العربي القديم مثل: شعرية الأرابسك، والشعرية الاستدلالية للقرآن، والشعرية المعيارية وصعوبة التحقيب، والموتيفات الشعرية، والإلهام الشعري وغيرها من الموضوعات، معلنا بذلك مخالفته لمناهج الدارسين الذين سبقوه، بل معترضا على تلك المناهج ومفندا لها.

ومن أبرز الأدلّة على ابتعاد المؤلّف عن النمطية والتقليد، عدم تسليمه ببعض المفاهيم السائدة في دراسات الأدب العربي، إذ إنه لا يكتفي برفض تقسيم الأدب العربي إلى حقب تاريخية تعتمد الأحداث السياسية، بل يرفض أيضا كثيرا من المفاهيم والمصطلحات مثل مصطلح “الأدب الجاهلي” الذي يرى أنّ مؤرّخي الأدب أطلقوه وهو غير ملائم.

ومن المفاهيم التي يرفضها دوراكوفيتش ويثبت بطلانها القول بالطبيعة المادّية للشعر العربي القديم، وأنّ مثل هذه الأحكام نشأت عن الإخفاق في فهم المبادئ الجمالية لهذا التراث، ويقترح أن يوصف الشعر العربي القديم بأنه واقعي بدلا من ماديّ، ويقدم على ذلك أدلّة كافية. ويرى أن ثمة ظواهر كثيرة في الأدب العربي تختلف تماما عمّا جرى تقديمها به عند استخدام منهج متأصّل.

شعرية الأرابسك

مثلما كانت منطلقات المؤلّف في هذا الكتاب واعية وعميقة ورافضة للمفاهيم والمصطلحات السائدة، فقد جاءت وسائله ومنهجه في البحث جديدة أيضا، إذ نظر إلى الأدب العربي من زوايا لم يلتفت إليها كثيرون من قبل، فنظر إلى هذا الأدب بمنظار الشعرية والأرابسك والموتيفات والثيمات والإلهام الشعري والسردية والتناصّ والأسلوبية والجمالية والفضاء النصي وتقنية الشعر، وغير ذلك مع إجراء مقارنات بين الأدبين العربي والغربي، ومقارنات أخرى بين النص القرآني والنص الشعري القديم، ليصل إلى نتائج جديدة ومدهشة.

ومن أهم هذه النتائج: أنّ مهد الأدب العربي هو عصره القديم الذي يدعى الأدب الجاهلي، وأن هذا العصر قد أثر على الأدب العربي لاحقا بطريقة مشابهة لتأثير الأدب اليوناني القديم على الأدب الأوروبي في القرون الوسطى. كما استنتج الباحث أن الأدب العربي بعد القرآن الكريم قد تأثر كثيرا بالنص القرآني من زوايا مختلفة وبصور مختلفة.

ومن النتائج التي توصّل إليها المؤلف أن الشعر العربي القديم غني بالشعرية، وتقنياتها المختلفة على خلاف ما ظنه الكثير من الباحثين من العرب والمستشرقين، وقد أثبت ذلك من خلال وقوفه على ما في هذا الشعر من صور التشبيه وغيرها من التقنيات الفنية.

ويستنتج المؤلف كذلك أن شعرية التراث الجاهلي خصوصا، وشعرية مجمل التراث الشعري العربي الإسلامي عموما هي شعرية الأرابسك، فالقصائد المكوّنة من حوالي مئة بيت أو أكثر مؤلفة بطريقة يكون فيها كل بيت أو بيتين وحدة مستقلة لها معنى، وأن سلسلة هذه الوحدات تشكل وحدة معنى من مستوى أعلى في إطار الوزن الواحد والقافية الواحدة.

وقد وصف الدكتور صلاح جرار الكتاب في تقديمه له بأنه “أشبه بحركة تصحيحية في حقل الدراسات الأدبية العربية، إذ قام على تصحيح قدر كبير من المصطلحات والمفاهيم والأحكام التي انتشرت طويلا عن الأدب العربي بشعره ونثره وعن القرآن الكريم وصلته بالأدب العربي”.

يُذكر أن أسعد دوراكوفيتش تخرج في قسم الاستشراق ببلغراد عام 1976، وعمل في قسم الاستشراق في بريشتينا (1976-1991)، وانتقل الى معهد الدراسات الشرقية في ساراييفو (1991- 1994)، ثم إلى قسم الاستشراق في جامعة ساراييفو، حيث لا يزال يعمل هناك. وقد برز على مستوى الاستشراق في يوغوسلافيا السابقة بكتابته النقدية ضد النزعة المركزية الأوروبية، وتجلياتها في الاستشراق اليوغوسلافي (مدرسة بلغراد)، التي اعتمد فيها آنذاك على أطروحات إدوارد سعيد، إضافة إلى مؤلفاته المرجعية، وترجماته الرائدة لعيون الأدب العربي من امرئ القيس إلى جبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش.

14