أسعد ذبيان: بيروت مدينة موغلة في الحداثة وعصية على الفهم

الخميس 2014/02/27
ذبيان: أتمنى أن أقرأ نصوصي بعد أعوام فلا أخجل منها

بيروت - الشاعر أسعد ذبيان هو صحفي ومدوّن وخبير في مجال الإعلام والتسويق الإلكتروني. حائز على جائزة مؤتمر “عرب نت” لأفضل فكرة تسويقيّة للعام 2013 وترشحت مدونته “خربشات بيروتيّة” لجائزة أفضل مدونة عربيّة للعام 2010 من قبل مجلة “دوتنشيه فيلا” الألمانيّة. شارك في فيلم “74″ للمخرجين رانيا ورائد الرافعي وأنتج ومثّل في عدة أفلام قصيرة. له ديوانان شعريان منهما “اللهو أكبر”. حول كتابه الأخير كان لنا معه هذا الحوار.

“عندما ولدتني أمّي، لم أختر اسمي. وعندما بعثوني إلى المدرسة، فرض المجتمع عليّ العربيّة، وتولّت المعلمات تعليمي الأنكليزيّة. حين انطلق والدي ليضع اسمي في القيد (لاحظوا الاسم)، لم يسألني عن اسم العائلة، ولا عن الطائفة. وعندما طُلب منّي تأدية النشيد الوطني، لم أكن قبلها أعرف لأيّ وطن أتبع، أصلا لم يكن لي خيارُ الانتماء أو التعلّق “بهذا القول افتتح الشاعر اللبناني أسعد ذبيان إصداره الشعري الجديد “اللهو أكبر”.

تحرير الذات


عن تسمية ديوانه ودلالته يقول ذبيان: “إن كنت تقصدين المعنى الحرفي لعنوان الكتاب، فـ”اللهو أكبر” هو كتاب يتضمن قصائد فلسفيّة تتحدّث عن أقانيم الزمان والمكان وعن الإنسان وعن التوق للتحرر منها، ومن القيود التي يفرضها المجتمع وتفرضها اللغة ويفرضها الوقت.. أمّا أين؟ فهي قصائد كتبت في العديد من الدول من ضمنها بيروت، إسطنبول، القاهرة، ستوكهولم، تونس، باريس، وغيرها.. في حين أنّ الـ”متى؟! فهي على مدى أربعة أعوام”.

ويضيف قائلا: “عندما خرج ملايين العرب ليهتفوا الله أكبر.. الله أكبر.. من أجل تحرير الوطن، والأنظمة، والسياسة، والبلاد.. قلّة قليلة منهم كان يهمّها تحرير النفس من عبوديّة الطائفة، والدين، الأيديولوجيا، والمجتمع، والقبيلة. ولهذا كان “اللهو أكبر”. كما أنّ العديد من الأشخاص يؤمنون الآن بسبيل الشهادة عبر الجهاد، ولكنّهم يتناسون أنّ الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، هو تهذيبها، تشذيبها، والرقي بها، ولكي يتسنّى لشخص أن يقوم بهذا الأمر عليه أن يقتل في نفسه كل شعور بالكبرياء والفخر لأشياء لم يفعلها كنسبه ومكتسبات الدنيا وغيرها”.

خارج المربعات


عن لحظة الكتابة وتجلياتها، يقول ذبيان:” قلت في الكتاب بأنّ الكتابة هي عندما يتبادل رأسي والورقة الألوان. أي أنّ الكتابة هي تعبير عمّا في داخل عقلي، في اللاوعي.. بالنسبة إليّ الكتابة ليست الغاية، إنّما وسيلة. أنا لا أكتب لأنشر كتباً، أو لأصبح كاتباً أم شاعراً.. أنا أكتب لأتحرر، لأتخلّص من فكرة او صورة تطاردني وتسألني أن تخرج على الملإ.. لا أؤمن بالكتاب أصحاب الأقلام الجاهزة والأوراق المعدّة لقصيدة، لا أؤمن بشعراء البلاط والمدح والرثاء القادرين على أن ينصّوا قصيدة عن أي موضوع للإبهار أم لطلب الرضى. الكتابة بالنسبة إليّ عمليّة حميميّة وهذا لا يعني أنّه لا يمكن أن تحصل على الملإ في مقهى مكتظ بالناس. الكتابة هي اعتراف بعجز الفعل، هي الاعتراف بأننا لو استطعنا أن نفعل ما نريد أن نقوله لما كنّا نكتبه”.

في هذا الإصدار نقرأ تمرّد الكاتب على الواقع وعلى ما هو مفروض فيه عليه، وعن الخلفية التي نبع منها كل هذا التمرد، يقول ذبيان: ”أنا لا أتمرّد. أنا ببساطة أسمح لنفسي بالتفكير خارج إطار المربّعات المرسومة والمعدّة سلفا.

أنا أسمح لنفسي أن أرفض أن تملى عليّ خيارات لم أنتقها بنفسي. كتبت في مقدّمة الكتاب: “عندما ولدتني أمّي، لم أختر اسمي. وعندما بعثوني إلى المدرسة، لم يخيّرني أحد أي لغة أتعلمها، فرض المجتمع عليّ العربيّة، وتولّت المعلمات تعليمي الأنكليزيّة. حين انطلق والدي ليضع اسمي في القيد -لاحظوا الاسم-، لم يسألني عن اسم العائلة، ولا عن الطائفة.

بيروت حاضرة في جل قصائد الشاعر

وعندما طُلب منّي تأدية النشيد الوطني، لم أكن قبلها أعرف لأيّ وطن أتبع، أصلا لم يكن لي خيارُ الانتماء أو التعلّق. الأنكى، إنني لم أختر لا لون بشرتي، ولا طولي، ولا لون عيني، ولا حتّى جنسي.

هنا أعذر الجينات التي ساهمت في التفاصيل الأخيرة، أمّا ما سبق فهو أمرٌ لا ناقة لي فيه ولا جمل. هذه هي دعوتي، ألا أكون فخورا بشيء لم أنجزه. هذا لا يعني أبدا نكران الأصل، بل على العكس هو الاعتراف بما أنا عليه دون الشعور بالتفوّق على أحد. ألم تدع كل الأديان والأيديولوجيّات للمساواة بين البشر، ولكن كيف نفسّر ما يحصل اليوم من تنافس وصراعات واستغلال للأديان والأيديولوجيّات في قتل بعضنا بعضا”.


مدينة لا تركع

تحضر بيروت في قصائد جلّ الشعراء، وذبيان ذكر هذه المدينة في قصيدة بعنوان “بيروت الأنثى”، ولكن بيروت بالنسبة إلى ذبيان لها بعد آخر وشعور يفيض بالذكرى، إذ يقول عنها:” بيروت مدينة عصيّة على الفهم. هي موغلة في الحداثة ولكنّها لا تتخلّى أبدا عن ردائها الشرقيّ. هي مدينة متحررة ليلا، قاسية وعصاميّة صباحا.

هي مدينة التناقضات، الخرسانات والأبنية الشاهقة في بعض شوارعها، والبيوت القديمة المحاطة بأشجار الليمون والأكيدنيا في أحيائها القديمة. بيروت مقسّمة طائفيا، اقتصاديا، واجتماعيا. ولكنّها في الوقت عينه تحب أبناءها جميعهم، وتوزع عليهم خيراتها بالتساوي. بيروت تغازل البحر يوميا، ولكنّك تخالها مدينة بين الجبال لم تبلل قدميها بالماء يوما. بيروت تعطي زائرها وهما بأنّها عصيّة، أنّها لا تركع، أنّها لا تكتشف، ولكنّها سرعان ما تذعن وتفتح أبوابها أمام الغرباء فيصبحون أبناءها.
بيروت هدمت وبنيت أكثر من مرّة، ولكنّها لم تستسلم يوما.. لعلّ هذه الأسباب كافية ان تكون بيروت حاضنة المثقفين والشعراء في ستينات وسبعينات القرن الماضي زادا يوميا ووحيا دائما في قصائد الشعراء. ولكن بالنسبة إليّ بيروت كانت فتاة عرفتها في المدينة، وذقت طعم الحب وإيّاها في المدينة. بيروت بالنسبة إليّ فتاة عربيّة تحاول التمرّد على العائلة والطائفة والقبيلة فتخفق، فتاة تحب من كل قلبها ولكنّها لا تقوى على البوح بمشاعرها.
الكتابة هي اعتراف بعجز الفعل وهي الاعتراف بأننا لو استطعنا أن نفعل ما نريد أن نقوله لما كنا نكتبه


قصيدة فلسفية


لكل إنسان فلسفته في هذه الحياة، ولكن فلسفة الشعراء لها معان أخرى، قد يشوبها الالتباس وقد تراها جلية، ذبيان الإنسان قبل أن يكون شاعرا، ما هي فلسفته، في هذا الشأن يقول:” لا أعرف من الذي أثّر على الآخر.. الشاب العشرينيّ الذي يزاول مهنتي الصحافة والتسويق، أم صاحب النص الفلسفيّ الذي يدعو الأوّل للتفكر بالحياة؟! أعتقد أنني لطالما أردت ان يكون نصّي صادقا، أن أقرأه بعد أعوام فلا أخجل من رأيي حينها ولو كان قد تغيّر. أردت قصيدتي ألا تحكي قصّة شاب عربيّ صاحب الاسم الفلانيّ ورقم بطاقته هو أردت أن تكون قصيدتي كلام سيّدة في زيمبابوي، أو فتاة في أوتاوا، أو شاب في ساوباولو.. ولهذا ذهبت للقصيدة الفلسفيّة التي تحكي عن الروح”.

15