أسعد فرزات: هناك دائما ناجي العلي يولد كل يوم

الأحد 2016/03/13
مجموعة من الأعمال الجديدة للفنان: مغامرة لونية وتعبيرية تتجدد لتكون مستقبلية

لطالما كان الفن من وسائل التعبير عن خصوصية الثقافات المتعددة، وهو المرآة التي تعكس عادات الشعوب وتقاليدها، والفن التشكيلي خصوصا هو الناقل لجملة من الأفكار والتصورات والرؤى لهذا العالم وهذا الوجود، والفنان التشكيلي يظل حاملا لرسالة هادفة.

“العرب” التقت الفنان التشكيلي السوري أسعد فرزات للحديث إليه حول مسيرته الفنية، والمشهد الفني في سوريا اليوم، في خضم ما تشهده من أحداث، وعن عدة مواضيع أخرى فكان الحوار التالي.

ولد الفنان السوري أسعد فرزات في مدينة حماة العام 1959، وتخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق العام 1987، وأقام العديد من المعارض الفردية داخل سوريا وعدد من البلدان العربية والأجنبية، كما شارك في العديد من الملتقيات الفنية العربية والدولية، وهو من الفنانين الذين تم اقتناء البعض من أعمالهم من قبل المتحف الوطني، وضمن مجموعات خاصة في كلّ من لبنان والكويت وتونس وفرنسا وألمانيا وسويسرا وأميركا.

نشأ الفنان السوري أسعد فرزات في عائلة فنية تمتهن الرسم والكتابة، وهو الأمر الذي أثّر في توجهاته منذ الصغر، إلا أن ولعه بالفن اشتدّ عندما اكتشف موهبته منذ الصغر والتي صقلها بالممارسة الفعلية. والحقيقة أن هناك العديد من العائلات التي ارتبط اسمها بالفن فذاع صيتها واشتهرت.

فرزات الذي دخل مجال الفن التشكيلي حبّا فيه، طوّر موهبته لوجود عوامل عديدة، لعل أبرزها ثقته بنفسه وتوفّر الظروف الملائمة المحيطة به لنحت مسيرة إبداعية متميزة وتجربة فنية لافتة.

يتميز الفن السوري في نظر الفنان بالعديد من الخصوصيات التي اشتهر بها على مرّ العصور، فهو ضارب في التاريخ، وشكّل في العديد من محطات البشرية العلامة البارزة، وفي هذا السياق يشير فرزات إلى أن ما يميّز الفن السوري هو ارتباطه بالزمان والمكان، وذلك لتعاقب الحضارات منذ آلاف السنين، كما يعتبر الفنان السوري متجددا دائما ومنفتحا على جميع الحضارات والفنون.

كما يعيب فرزات على المؤسسات المشرفة على هذا الميدان والتي تتعامل مع الفنان بطريقة قاسية ودكتاتورية في بعض الأحيان، كما أنها تقبل الأعمال الرديئة وتعمل على إقصاء الأسماء الجادّة التي تحمل رؤى وتصورات متجددة، يقول فرزات، في هذا السياق “ما يهم أصحاب صالات العرض هو الربح، بالإضافة إلى اعتمادهم على مقتنين لا ينتمون إلى المجال الفني وتنقصهم التجربة والدراية بهذا الميدان”.

وما زاد الوضع سوءا وخطورة هو انتشار ظاهرة المحسوبية، التي شملت بقية الفنون كالدراما مثلا، الأمر الذي حدا بالفنانين الجادّين وأصحاب التجارب الهامة للابتعاد عن هذه المناطق، والذين آثروا الدخول احترقوا نتيجة تحول العملية إلى غسيل أموال فراحوا ضحية لهذه العمليات والتصرفات الرخيصة. كل هذه العوامل والظواهر التي انتشرت أصابت المشهد الفني في سوريا بالشللية وحوّلت صورة هذا القطاع إلى صورة باهتة لا ملامح فيها فلا ابتكار ولا تجديد في ظل ممارسات المسؤولين.

في لوحات فرزات يحضر الجسد الأنثوي بكثافة، وهو ما يفسر الحضور الطاغي للمرأة في ذهن الفنان، عن هذا الاختيار والتوجه يقول أنا ابن عشتار السورية وأطرب لصوت أرونينا العذب على شاطئ الفرات

الفن والعصر

مع دخول الإنترنت والتطور التكنولوجي الذي نعيشه اليوم صار من السهل نشر اللوحات الفنية على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة بدأت في الانتشار، وهو ما أكّده فرزات الذي يقول “العالم، اليوم، صار صغيرا بسبب الإنترنت، والعديد من التشكيليين السوريين كشفوا عن أعمال مهمّة تصل إلى حدّ الدهشة، هؤلاء هم من كانوا خارج الضوء والاهتمامات من قبل المشرفين على قطاع الفن في سوريا”.

لكل فنّان تشكيلي خصوصيّاته وتجاربه ومدرسته الفنية التي تساهم في تكوين وعيه وشخصيّته، وأسعد فرزات يرى أن على الرسّام أن لا يكتفي بالاطلاع على الأعمال بنظرة سطحية بل عليه تفكيكها والولوج إلى أعماق كل لوحة، يقول “الفن عبارة عن لعبة بيد طفل لا بد من تفكيكها وتحطيمها لاكتشاف ماهيتها لكي يأخذ المشهد بعدا آخر، والمسألة لا تعتمد على أفكار مسبقة، بل تتعلق بتفكيك الرموز وإعادة الصياغة”.

يرى الكثيرون أن الفن قادر على تحرير الإنسان من قيوده، ومن مآزقه الوجودية، وهو في الآن نفسه مأزق، وصراع جمالي يخوضه الفنان، في عالم تسيطر عليه فكرة القبح بمختلف أشكاله، هذا الرأي، حسب أسعد فرزات يتعلق بماهية الفكرة، يقول “الفن لم يكن يوما بمأزق فكري نتيجة القبح، فهناك أشكال من القبح تحمل موضوعا جماليا. فالمسألة تتعلق بالصّراع الفكري الذاتي والوجودي وماهية البحث للتخلص من شوائب عالقة عبارة عن طفيليات، هذه هي التي ترسم مشهدا مأزقيا يصعب التخلص منه”.

اللون والعين والفكرة، كلّها تتحد لتكوّن اللوحة، إلا أن الحكم عليها يبقى مرتبطا بالذائقة، وبإحساس المتلقّي، من هنا تبرز الشخصية الفنية التي تظلّ باحثة خصوصا إذا كان الفن حرفة، نسأل ضيفنا متى يمكننا القول عن عمل ما بأنّه عمل فني، وكيف يمكن الفصل بين الفنّ كحرفة، يمكن أن ينالها المرء بالفطرة، وبين الشخصية الفنية التي تتخبط في وجع اللون، والفكرة، وجع العين والقلب والحاسة؟

شيء عن الفنان
ولد الفنان السوري أسعد فرزات في مدينة حماة العام 1959، وتخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق العام 1987، وأقام العديد من المعارض الفردية داخل سوريا وعدد من البلدان العربية والأجنبية.

كما شارك في العديد من الملتقيات الفنية العربية والدولية، وهو من الفنانين الذين تم اقتناء البعض من أعمالهم من قبل المتحف الوطني، وضمن مجموعات خاصة في كلّ من لبنان والكويت وتونس وفرنسا وألمانيا وسويسرا وأميركا.

نشأ الفنان السوري أسعد فرزات في عائلة فنية تمتهن الرسم والكتابة، وهو الأمر الذي أثّر في توجهاته منذ الصغر، إلا أن ولعه بالفن اشتدّ عندما اكتشف موهبته منذ الصغر والتي صقلها بالممارسة الفعلية. والحقيقة أن هناك العديد من العائلات التي ارتبط اسمها بالفن فذاع صيتها واشتهرت.

فرزات الذي دخل مجال الفن التشكيلي حبّا فيه، طوّر موهبته لوجود عوامل عديدة، لعل أبرزها ثقته بنفسه وتوفّر الظروف الملائمة المحيطة به لنحت مسيرة إبداعية متميزة وتجربة فنية لافتة.

كل شيء واضح

يجيب فرزات “العين والقلب والإحساس عوامل مشتركة بالإضافة إلى ثقافة المتلقي، وهي التي تفصل ما بين الحرفة كمفهوم حرفي لقطعة جمالية تناسب الاستخدام، وما بين العمل البصري الذي يحمل بمضمونه رؤية ثقافية وتقنية بحرفية عالية. وهذا المفهوم الفنّي ينطبق على جميع الفنون من العمارة إلى الفن السابع″.

طالما هناك حلم واسع وأفق مفتوح على جميع الاتجاهات، يبقى المشهد البصري بلا حدود في اكتشافاته ورغباته الدفينة لدى الفنّان. وبين معاناة الواقع، بعلاقاته المعقدة، وضحالته، مقارنة بالحلم المفتوح على اللانهايات، يرسم أسعد فرزات عوالمه.

نسأل الفنان كيف ينظر ويقوم ما يحدث الآن في سوريا، وهو الذي مازال حتى الآن يعيش في دمشق ويشاهد عن كثب، والحدث بكل تفاصيله؟

يقول ضيفنا “المشهد في سوريا كان واضحا وصريحا لو عدنا لعام 2011، شعب أعزل انتفض لاستعادة حريته وكرامته التي سلبت منه لمدة خمسين عاما، بشعارات راقية جدا أهمها ‘سلمية سلمية’.. ‘واحد واحد الشعب السوري واحد’.

لكن على ما يبدو فإن تلك الحناجر النظيفة هي أكثر ما يخيف الأنظمة الدكتاتورية، لذا جابهتها باستخدام كلّ أنواع القمع لاقتلاعها، واتهمتها بالإرهاب، وممّا زاد الطين بلة تسهيل الطريق للمتطرّفين لتشويه تلك الحناجر. كنت أتمنّى أن نبقى بصدور عارية ونهتف بالحرية لكن للأسف مع تلك الرصاصات التي اخترقت الصدور، لم يكن هناك خيار آخر سوى السلاح للدفاع عن الأطفال الذين طالت صدورهم الرصاصات. نحن نقتل وندمر ونغرق ونختنق بالغازات السامّة أمام مرأى العالم أجمع. هذا شذوذ حقيقي إنهم يستمتعون بموتنا”.

عن رأيه بفكرة الربيع العربي ونظرته إلى مردوديّتها على أرض الواقع، يعتبر فرزات أن الربيع ليس كذبة أو وهما، كما أنه ليس له علاقة بإسرائيل كما تسوّقه لنا الأنظمة الدكتاتورية، يقول “البوعزيزي البائع التونسي الجوّال الذي أحرق نفسه من أجل الكرامة، والطفل حمزة الخطيب، كلاهما لا يعرفان ماذا تعني كلمة موساد. ربما الربيع يأتي متأخرا أحيانا، وإذا أتى بعنفوانه الجميل قد يطول مهما حاولوا إطفاء عنفوانه، فالأرض تزهر دائما”.

معادلة صعبة

وفي رد عن سؤالنا كيف يكون الفنّان حرّا، في عالمٍ ضد الفن وضد الإنسان وضد الحرية؟ يجيب الفنان “إنها معادلة صعبة حقا، وخاصة في ظل الأنظمة الدكتاتورية، فإذا أردنا الحرية فالثمن غال جدا. وكما حصل مع علي فرزات بتحطيم أصابعه، فهناك البعض مازال يقبع إلى الآن في غياهب الأقبية، والبعض الآخر دفع حياته ثمنا كما حصل مع ناجي العلي سابقا، ومؤخرا مع الصحفي والفنان ناجي الجرف. هكذا هو حال الدكتاتوريات، لكن ما لم تدركه هذه الأنظمة الدكتاتورية هو أن هناك دائما ناجي العلي ومبدعون آخرون يولدون كل يوم”.

بعد الأحداث التي شهدتها سوريا، ومنذ اندلاع ثورة مارس 2011، عاش الفنانون ظروفا صعبة أثّرت على نفسيتهم في ظل الاقتتال والحروب الدائرة، وأسعد فرزات آثر البقاء ولم يغادر وطنه رغم ما يشعر به من ألم، وهو يؤكد أنه كأيّ مواطن سوري يبحث عن ملاذ آمن يتشبث دائما بالحلم، يقول “أخاف أن تهرب منّي الحرية، أخاف أن أفتقدها، وهذا الشعور انعكس على تجاربي الفنية قبل 2011″.

يحضر في لوحات فرزات الجسد الأنثوي بكثافة، وهو ما يفسّر الحضور الطاغي للمرأة في ذهن الفنان، عن هذا الاختيار والتوجه يقول “أنا ابن عشتار السورية وأطرب لصوت أرونينا العذب على شاطئ الفرات، كيف لا تحضر الأنثى وأنا ابن تلك المرأة السورية التي تشاركني حلمي. أنا لن أنسى مشهد تلك المرأة التي كانت تحمل يافطة في إحدى الساحات بداية الثورة تقول فيها نحن أبناء فارس الخوري وسلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنان وصالح العلي، حقيقة المرأة السورية تمثلني، وستبقى تتصدر المشهد عندي”.

وعن جديد أسعد فرزات، يقول “خلال هذا العام سأقيم معرضا في عمان، لكن أعمالي ما تزال معلقة لدى الجمارك الأردنية. أتمنى أن يفرج عنها قريبا، حتى لوحاتنا أصبحت محاصرة”.

كاتبة‭ ‬من‭ ‬سوريا‭

15