أسفار ياسمينة خضرا

السبت 2016/07/16

من الصّعب الإمساك بتجربة ياسمينة خضرا (1955)، ووضعها في خانة واحدة، فقد تعددت هواجسه في السنوات الماضية، وسافرت نصوصه بين جغرافيا الشّرق والغرب، وتراكمت رواياته عاما بعد آخر، مما يجعل منه واحدا من الكتّاب العرب الأكثر نتاجا، وواحدا من الكتّاب الفرنكفونيين القلائل الذين تترجم أعمالهم باستمرار من الفرنسية إلى العربية، وتلاقي في كلّ مرّة رواجا في أوساط القراء.

من الجزائر إلى كابول، من بغداد إلى مقديشو، من القدس إلى باريس، تنوّعت ثيمات الرّوائي، فياسمينة خضرا يختزل نفسه عادة في تعريف مقتضب بأنه «جسر بين شرق ممزّق وغرب نرجسي»، لكن بالاطلاع على أعماله نجد أن الكاتب يحفر بعمق، يزاوج بين قراءات متخيّلة للحاضر وتأويلات لما مضى، يحاول، في كلّ مرّة، استنطاق شخصيات مختلفة، ويرسم مصائر غير متوقّعة لأبطال رواياته، من عرب وغير عرب، ويبدو، في الفترة الأخيرة، أنه يملّ التكرار، فكلّ واحدة من رواياته تختلف عن سابقاتها.

برأيي، يمكن تقسيم حياة ياسمينة خضرا الأدبية إلى مرحلتين: ما قبل 1997 وما بعد 1997، أي حين كان يوقّع رواياته باسمه الحقيقي: محمد مولسهول، ثم مرحلة الانتقال إلى اسمه المستعار. قبل 1997، صدرت له سبع روايات، في الجزائر (بين 1984 و1993، اثنان منها باسم مستعار آخر: كوميسار لوب)، وظلّ طويلا اسما مغمورا، فكتاباته آنذاك لم تخرج عن «حمّى الاشتراكية الحالمة»، كما أن رواياته الأولى يمكن تصنيفها في باب «القصّة المطوّلة» فنيا وليست روايات مكتملة (على غرار روايتي القاهرة وحظوة الفينيق)، وقد صدرت في مرحلة شهدت صعود أسماء مهمّة في الكتابة بالفرنسية، في الجزائر، يتقدّمهم رشيد بوجدرة، وانتظر ياسمينة خضرا أو محمد مولسهول (ضابط سابق في الجيش)، احتدام الصّراع بين السّلطة والجماعات الإسلامية، ودخول البلاد حربا أهلية (كان طرفا فيها، من موقعه في الجيش)، ليكتب رواية من عمق الأزمة: موريتوري (صدرت عام 1997، واقتبست لاحقا سينمائيا)، ليكتشف جمهور القراء ومعهم النّقاد هذا «الوافد»، الذي سيصير لاحقا من أهمّ الكتّاب في الجزائر وفي الفضاء الفرنكفوني، ومن أكثر الأسماء مبيعا، وحضورا وإثارة للجدل، فبدءا من 1997، سيستمر في الكتابة والنشر سنويا بشكل منتظم مع دار نشر واحدة ارتبط بعقد مطوّل معها: منشورات «جوليار» بباريس.

في رواياته «موريتوري»، «خريف الأوهام» و«بم تحلم الذّئاب؟» مثلا، لعب خضرا دورا مزدوجا: شاهدا على الحرب وساردا لها، لكنه لم يستطع أن يلتزم «الحياد»، فقد اتّخذ، دائما، في كتاباته عن سنوات الحرب في الجزائر، موقفا متناغما مع السّلطة، معاديا للإسلامويين، ربما يرجع الأمر إلى تكوين الكاتب العسكري، أو لتضرّره هو أيضا من سنوات العنف والدّم، ورغم أن الكثير من الكتّاب الجزائريين كتبوا عن عشرية التسعينات السّوداء، على غرار آسيا جبّار، رشيد بوجدرة، رشيد ميموني، أمين الزّاوي، وغيرهم، فإن أعمال ياسمينة خضرا تمثّل «الأرشيف» الأدبي الأهمّ لفهم ما حصل، وفي توثيق وقائع وحالات بلد كان يعيش على وقع التّفجيرات والمجازر اليومية.

بعدما هدأت الحرب، نسبيا، في الجزائر (عام 2000)، شرعت كتابات ياسمينة خضرا في التّجوال في مناطق العالم الأخرى، راح يكتب عما يحصل في أفغانستان، عن الصّراع العربي–الإسرائيلي، عن اختطاف السّفن في سواحل الصّومال، ووصل أخيرا في روايته الجديدة «الربّ لا يعيش في هافانا»(2016) إلى كوبا، بعد انفراج أزمتها الدبلوماسية مع الجار الأميركي، من دون أن يغفل، من حين إلى آخر، عن مساءلة الماضي، خصوصا التّاريخ الكولونيالي في الجزائر، مع رواية «فضل الليل على النّهار»(2008) نموذجا.

من الممكن أن نختلف مع ياسمينة خضرا، كشخص بسبب «مزاجيته»، ومع نصّه بسبب «عدم حياديته» الواضحة، لكن سنتّفق على أهمية أن نقرأ له، باعتباره صوتا مختلفا، لعربي قادم من القاع، من صحراء الجزائر، استطاع أن يحكي عن الإنسان في حالاته المختلفة، في لحظات الحرب وما بعدها، والأهم أنه استطاع أن ينقل حكايات محلية إلى قارئ غربي، فأرقام مبيعات رواياته وترجماتها تتفوّق على أرقام كتّاب عرب مكرّسين آخرين، أمثال أمين معلوف أو الطّاهر بنجلون.

كاتب من الجزائر

15