أسلمة البادية المصرية تبدأ باستبدال نظم قضاء عرفية بأخرى "شرعية"

المجتمع البدوي، رغم طبيعته البشرية العصية على التطويع والتدجين، ورغم نظم الأعراف التي تتولى حل المنازعات داخل العشيرة، وكذلك بالرغم مما يقال عن ضعف الوازع الديني داخل علاقاته، فإن الفكر السلفي والعقيدة الجهادية بدآ يتسللان إلى داخله، وبقوة، كما هو الحال في مناطق مصرية، مما يستدعي البحث والدراسة لتلمس طرق المعالجة.
الاثنين 2016/10/10
الشريعة حلت محل العرف والقانون في مجلس هذه القبيلة المصرية

يسعى الباحث سعيد المصري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، في دراسته “الشرع يحكم في البادية: دراسة لعملية أسلمة المجتمع البدوي في مصر”، الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية إلى رصد أبعاد عملية أسلمة القضاء البدوي بين قبائل أولاد علي بمطروح، والتي نتج عنها تأسيس القضاء الشرعي كنمط من أنماط الحكم، والذي يقوم على فض المنازعات بتطبيق نصوص من الشريعة الإسلامية، مؤكدا أن هناك دلائل على وجود عمليات أسلمة مكثفة تتم داخل مؤسسات المجتمعات البدوية في ثلاث نقاط حدودية في مصر، وهي سيناء شرقا، ومطروح غربا، وحلايب وشلاتين جنوبا، وأن القضاء البدوي بين قبائل أولاد علي بمطروح، في الوقت الراهن، مسرح حقيقي للحضور الإسلامي الفعال في تطبيق الشريعة الإسلامية بدلا من الأعراف البدوية. حدث ذلك في ظل تعزيز قوة المجتمع البدوي على تحييد سلطة القضاء الرسمي، القائم على القوانين الوضعية.

ويوضح “صحيح أن العرف ظل قويا عبر تاريخ المجتمع البدوي في مواجهة قوة المستعمرين البريطانيين، كما ظل محافظا على تقاليده بعيدا عن سلطة الدولة والقضاء الرسمي منذ عهد محمد علي، ولم تستطع حركة السنوسية الدينية بتعاليمها أن تحل محله رغم دورها الفعال ومكانتها الروحية في حل المنازعات. ومع ذلك فإن قوة الحركة الإسلامية خلال العقدين الماضيين هي التي تمكنت من تطويق سلطة العرف، وإحلال قواعد شرعية جديدة محله، بحجة أن جوهر العرف هو الشرع. يأتي ذلك في إطار الدور الذي تطمح إليه الحركة الإسلامية، وهو دفع عمليات التحول الجارية نحو تأسيس مجتمع إسلامي جديد، ليس في البادية فحسب، وإنما في المجتمع المصري ككل.

ورغم أن تأثير الحركة الإسلامية في البعض من مظاهر الحياة الاجتماعية البدوية أعلى صخبا في تداول الخطاب والرموز، فإن الحضور الإسلامي في فض المنازعات بدا واقعا فعليا، وأمرا بديهيا يعمل بهدوء في البادية”.

ويؤكد المصري أن ظهور الحركة الإسلامية منذ أواخر السبعينات شكل تحديا كبيرا لسلطة الأعراف البدوية، والقضاء العرفي البدوي من ناحية، وسلطة الدولة في تفعيل القانون والقضاء الرسمي من ناحية أخرى.

الإسلاميون الجدد يرون في المجتمع المصري ككل، بصورته الراهنة، مجتمعا يسير في طريق مختلف عن الشرع.

عندما تتحول المساجد في البادية إلى مجالس شرعية لفض المنازعات بدلا من قواعد العرف والقانون، فهذا يعني أن صورا متخيلة حول نمط من الحكم الإسلامي أصبحت واقعا

ويضيف الباحث “وإذا كانت فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية عن طريق العنف المسلح مع الدولة قد فشلت في قلب القاهرة، معقل تركز الدولة بقوتها وهيبتها، فإن الفكرة ما زالت قائمة في نشاط الدعاة في خطبهم وفتاواهم، وتفاعلهم الحي مع الناس في أماكن مختلفة بالريف والبادية، وعبر فضاءات الإعلام الحديث وتكنولوجيا الاتصال”.

ويلفت إلى أن المجتمع البدوي لم يكن بمنأى عن هذا التيار الجارف، فالبدو الذين ينفتحون على عالم المدينة، وينخرطون في صور الحياة الحضرية المختلفة، باتوا يتفاعلون مع فضاءات إسلامية جديدة عليهم عبر مؤسسات التعليم، ووسائل الاتصال الحديثة، وأصبحوا يطالبون بحكم الشرع بدلا من العرف في شؤون حياتهم اليومية.

كان عالم البادية بين “أولاد علي” على مدى عقدين من الزمن مسرحا لعمليات إحلال نوع جديد من القضاء الشرعي، محل القضاء العرفي البدوي في فض المنازعات على يد تيار سلفي من الإسلاميين، يسعى إلى تحييد دور الدولة. وتُوج هذا التحول ببروز نخبة دينية جديدة، لها شرعية كبيرة في إحداث تحولات جديدة نحو مجتمع إسلامي، يرتكز على أسس شرعية.

وعندما تتحول المساجد الكبرى في البادية إلى مجالس شرعية لفض أغلب المنازعات البدوية، وإصدار الفتاوى، بدلا من قواعد العرف والقانون، فهذا يعني أن ثمة صورا متخيلة حول نمط من الحكم الإسلامي أصبحت واقعا تتسع قاعدته يوما بعد يوم”.

ويشير المصري إلى أن دلائل الأسلمة الجارية في المجتمع البدوي في مصر أصبحت واضحة ولا تخطئها العين. ويثير ذلك عدة تساؤلات حول طبيعة تجربة الأسلمة وحدودها، ومدى تغلغلها في الحياة البدوية، وطبيعة تفاعلها مع البداوة، وكيف استطاعت التوغل داخل نظام القضاء البدوي القائم على العرف.

ويتعين أن نسأل ما طبيعة هذه التجربة؟ وكيف نشأت؟ وإلى أي مدى أصبحت واقعا يجري التشبث به، ليس من جانب نشطاء الحركة الإسلامية فحسب، وإنما من خلال العصبية الدينية الجديدة أيضا في حياة البدو أنفسهم؟

وللإجابة عن تلك التساؤلات اعتمد الباحث في دراسته على بيانات ميدانية، حصل عليها باستخدام أدوات البحث الكيفي، كالملاحظة والمقابلات المتعمقة، وحلقات المناقشة الجماعية التي أجراها مع البعض من قبائل أولاد علي بمطروح.

ويرى المصري أن هناك أربعة مظاهر لأسلمة البدو: أولا الأسلمة بالقسر: يقصد بذلك دفع البدو إلى تغيير دينهم بفعل الغزو، والمثل التاريخي الدال على ذلك مرتبط بالأسلمة الناتجة عن الغزو التركي لمنطقة وسط آسيا في نهاية العصر البيزنطي؛ حيث قدم سبيروس فريونيس الأصغر تحليلا تاريخيا وإثنوجرافيّا لمظاهر من الأسلمة، ارتبطت بانهيار الحضارة البيزنطية، وتكوين مجتمعات إسلامية في آسيا الصغرى، يمتزج فيها الطابع الرعوي بالإسلام. وقد لخصت كتابات ابن خلدون هذه الحالة التاريخية الفريدة بقوله “الناس على دين ملوكها”.

الإسلاميون يفصلون ثوب القبيلة على مقاسهم

ثانيا الأسلمة بالتحالف السياسي: شهدت بعض المجتمعات العربية ظاهرة التحالف السياسي للنخبة البدوية مع النخبة السياسية، والدينية في نسيج النظام السياسي. ويعد نموذج تكوين الدولة السعودية في أوائل القرن العشرين أول عملية أسلمة، اعتمد تكوينها على التحالفات القبلية والدينية، ومنحها امتيازات نظير الحفاظ على وحدة المملكة، وبسط نفوذ السلطة السياسية على كامل الجزيرة العربية. وهناك أمثلة أخرى من التاريخ المعاصر حاولت تطبيق الشريعة الإسلامية بتحالفات شبيهة، كما في السودان، والصومال، ونيجيريا، وأفغانستان.

ثالثا أسلمة التحول الثوري: كانت التجربة الإيرانية نموذجا للتحول الثوري نحو بناء دولة إسلامية من خلال سيطرة رجال الدين على الحكم؛ بحيث كان لهم دور فاعل في تحويل القضاء الرسمي إلى قضاء إسلامي، يطبق على كل الإيرانيين بمن فيهم البدو.

رابعا الأسلمة في إطار حركة اجتماعية: يقصد بذلك نشاط الدعوة الإسلامية القائم على عمل دؤوب، ومنظم بين مجموعات من الناس، تعمل وفق تنظيمات محددة ذات طابع ديني، ويجمعها قاسم فكري وأيديولوجي مشترك. وتتخذ أفعال هؤلاء طابع الحركة الاجتماعية، التي تبتغي تحقيق تغيرات اجتماعية في اتجاه تكوين مجتمع مسلم، على غرار ما حققته دعوة الإسلام في بدايته. ويتسم النشاط الحركي الإسلامي وسط التجمعات البدوية عموما بالتفاعل المباشر، والكثيف وجها لوجه مع الناس، وتعبئتهم وفق أجندة سياسية غير معلنة، يجري العمل بها خلف ستائر الإصلاح، والدعوة إلى تبني القيم الحميدة والتقوى.

ويقول صاحب الكتاب “بدأ وجود الحركة الإسلامية متمثلا في الجماعات السلفية منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي في مطروح، متزامنا مع الوجود النشط للحركة الإسلامية عموما في مختلف أرجاء المجتمع المصري.

وشكّل حضور السلفيين في هذه البقعة النائية من البادية عنصرا فاعلا في إحداث تغيرات اجتماعية بعيدة المدى، رغم التواجد المؤسسي الكبير، وغير المسبوق للدولة بمطروح من ناحية، وانفتاح البدو غير المسبوق على العالم عبر وسائل الاتصال الحديثة، من ناحية أخرى. ولم تكن نشأة الحركة الإسلامية داخل البيئة البدوية من فراغ، وإنما ارتكز وجودها على رصيد تاريخي من الروابط بين الدين والبداوة. وقد ساهم ذلك في تثبيت أقدام رموز الحركة الإسلامية في مجالات مختلفة من حياة البدو، بما في ذلك القضاء البدوي”.

ويضيف “ظلت الشرعية الدينية للأعراف البدوية والقضاء العرفي البدوي قائمة بين أولاد علي حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، بدأ زلزال الحركة الإسلامية، الذي اجتاح المجتمع المصري بأسره، تصل توابعه إلى البادية في الساحل الشمالي الغربي لمصر.

وبذلك تبدأ مرحلة جديدة من العلاقة بين الدين والبداوة على يد جيل من المهاجرين من أبناء وادي النيل، نجح في إيجاد صيغة ملائمة من التعايش مع البدو، تستند إلى أرضية دينية، كما شَكَّل وجود جيل جديد من البدو المتعلمين نقطة التحول الرئيسة في تعزيز سلطة النخبة الإسلامية الجديدة، وتمكينها من إحداث تغيرات اجتماعية واسعة النطاق”.

ويتساءل سعيد المصري: كيف حدث ذلك؟ ويلفت إلى أن بعض المهاجرين لعب دورا فاعلا في تعزيز النشاط الديني بين البدو، في إطار عملية دمج الدولة للمجتمع البدوي بمطروح.

منذ السبعينات من القرن الماضي ظهر جيل جديد من المهاجرين ذو توجهات إسلامية راديكالية من بين العاملين في مجال التعليم والقطاعات الخدمية الأخرى. ولم يقف دور هؤلاء عند حدود النصح والإرشاد كما فعل الأزهريون سابقا، وإنما تعدى ذلك إلى تكوين مؤسسات دينية جديدة، وإحداث تغيرات اجتماعية بعيدة المدى.

التقت جهود الشباب البدوي المتأسلم مع جهود بعض الإسلاميين من المهاجرين ليشكلا جناحين رئيسين داخل نخبة دينية، تعمل في نشاط ديني مكثف، يسعى إلى تغيير المجتمع البدوي نحو نمط من الإسلام السلفي.

امتزاج عمليات أسلمة القضاء البدوي بالبداوة امتزاجا فريدا في سبيل استعادة صورة المجتمع الإسلامي المتخيل، الذي كانت البداوة ولا تزال واحدة من أهم مقوماته

يتركز قلب هذه الحركة الآن في مدينة مرسى مطروح، ومن خلال مسجد الفتح الذي يشكل قلعة أساسية للنخبة الإسلامية الجديدة، ومركزا لنفوذهم الروحي. ولدى المجموعة الرئيسة في مدينة مرسى مطروح علاقات وطيدة بمجموعات متعددة تعمل داخل مساجد أخرى باسم الفتح، متناثرة في أغلب المراكز الإدارية لمحافظة مطروح.

اتخذت معركة هذه النخبة ثلاثة مسارات أساسية في المجتمع البدوي: الأول: اتجه نحو التخلص من مظاهر الجاهلية البدوية المتمثلة في الدين الشعبي، والأعراف البدوية عن طريق العمل الدؤوب في مجال تعليم البدو أصول الإسلام على نحو صحيح. الثاني: اتجه نحو محاربة البعض من مظاهر الحداثة، وتحييد دور الدولة في المجتمع البدوي بقدر المستطاع. الثالث: تركز في العمل على تأسيس نمط جديد من القضاء، يعتمد على الشريعة الإسلامية، وليحل بذلك محل العرف والقضاء البدوي.

كانت حجة السلفيين تعتمد على كونهم أكثر تعليما، وبالتالي أكثر قدرة على قراءة نصوص القرآن، وكتب السيرة، ومعرفة الفقه، ومن ثم فهم الأقدر على قيادة البدو نحو مجتمع إسلامي حقيقي. وإذا كانت جهودهم في تطبيق الشرع هي الأهم، والأكثر تأثيرا على المجتمع البدوي، فإن هذا الجهد كان جزءا من عملية أكثر اتساعا تستهدف التصدي لصور الجاهلية الثلاث؛ جاهلية البداوة، وجاهلية الحداثة، وجاهلية السلطة.

ويخلص الباحث سعيد المصري إلى أن الإسلاميين استطاعوا السيطرة على جانب لا بأس به من مؤسسة القضاء البدوي، من خلال استخدام الفتوى كآلية فعالة في إعادة إنتاج قواعد جديدة شرعية كبديل للأعراف البدوية.

وبرغم قدرة الإسلاميين على فض الكثير من المنازعات بأحكام شرعية كثيرة، فإنهم أحجموا عن تنفيذ اثنين من أكثر قواعد تطبيق الشريعة وضوحا؛ وهما تطبيق حد السرقة بقطع يد السارق، وحد الزنا بالرجم؛ حيث يتطلب ذلك سلطة أكبر في ظل وجود دولة مدنية، لا تعترف قوانينها بذلك. ومن المتوقع ألا يُسمح بتطبيق هذا النوع من الحدود الشرعية؛ فهناك حضور لسلطة الدولة مهما كان ضعيفا في البادية.

وقد استطاعت جهود الإسلاميين عبر القضاء الشرعي أن تنجح حتى الآن في خلق سلطة رمزية، دون المخاطرة بالصدام مع الدولة أو العوائل، فهم يعتمدون على بسط نفوذهم من خلال السيطرة على القضاء البدوي، الذي ظل نواة صلبة مضادة لمؤسسة القضاء الرسمي، ونواة صلبة للحفاظ على تراث البداوة.

الإسلاميون حين يسيطرون على القضاء البدوي فهم لا ينشئون قضاء بديلا، وإنما تصبح الأسلمة لهذا الكيان استراتيجية سياسية للتحصن بالقبيلة ضد الدولة من ناحية، والتحصن بالشرع ضد العرف من ناحية أخرى. لهذا امتزجت عمليات أسلمة القضاء البدوي بالبداوة امتزاجا فريدا في سبيل استعادة صورة من صور المجتمع الإسلامي المتخيل، الذي كانت البداوة ولا تزال واحدة من أهم مقوماته.

13