أسلمة التعليم يُعيد المدارس التركية الى عصر الكتاتيب

الثلاثاء 2015/02/17
رفض شعبي واسع لسياسات أردوغان في قطاع التعليم

أنقرة - يتواصل احتدام الجدل في تركيا حول السياسات التعليمية لنظام رجب طيب أردوغان، ويتهم خصوم النظام التركي وعدد كبير من منظمات المجتمع المدني حزب العدالة والتنمية الحاكم بضرب القيم الأتاتوركية وذلك بإصراره على أسلمة قطاع التعليم.

دشنت نقابة المعلمين في تركيا حملة لمقاطعة المدارس احتجاجا على التطبيقات التي أدخلتها الحكومة على نظام التعليم مؤخرا، بما في ذلك التدريس الإجباري للمواد الدينية.

وتجمع المحتجون أواخر الأسبوع الماضي، من أعضاء النقابات والمعلمين وأولياء الأمور والطلبة، أمام المدارس وقاموا بمسيرة في عدة مدن في جميع أنحاء تركيا بما في ذلك إسطنبول وأنقرة واسكي شهير وأزمير وادرين وارتفين وأنطاليا، بحسب تقارير صحفية محلية. وأوردت وسائل إعلام محلية تركية أن الشرطة استخدمت مدافع المياه في مدينة أزمير الساحلية بغرب البلاد لتفريق عشرات المتظاهرين الذين يقاطعون المدارس احتجاجا على التأثير الديني المتزايد في قاعات التدريس.

وأصبح قطاع التعليم أحدث ميدان للمواجهة بين حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والأتراك العلمانيين، الذين يتهمونه بالإشراف على ما يسمونه أسلمة تزحف ببطء في الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي.

ونشرت وكالة دوغان التركية الخاصة صورا لانتشار أعداد كبيرة من عناصر شرطة مكافحة الشغب في شوارع أزمير واستخدامهم مدافع المياه لتفريق المتظاهرين الذين يلوحون باللافتات بعد أن تجمعوا في وسط المدينة.

وتم تخصيص فصول في بعض المدارس النظامية لإيجاد مزيد من الأماكن لطلاب مدارس “الإمام الخطيب” الدينية التي يناصرها أردوغان والتي يجري فيها الفصل بين الذكور والإناث.

والتحق نحو مليون تلميذ بتلك المدارس بعد أن كان عددهم 65 ألفا، وذلك عندما جاء حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة عام 2002. وذكرت صحيفة “حريت” اليومية في موقعها الإلكتروني أن مقاطعة المدارس في مدن من أرجاء البلاد نظمتها نقابة للمعلمين وجمعيات من الأقلية العلوية.

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أدانت دروس الدين الإجبارية في تركيا واعتبرتها انتهاكا لحرية المعتقد

ووفقا لشهود عيان فإن مئات الأشخاص، معظمهم من تلاميذ المدارس، شاركوا في إحدى التظاهرات في أزمير.

وتم إرسال قوات الشرطة إلى المدارس التي إما تجمع أمامها المحتجون مقاطعة لدراسة أو قامت بعض إداراتها بغلق الأبواب منعا للمدرسين والطلبة من المغادرة.

وقال تورجوت يوكوش، وهو مسوؤل بنقابة المعلمين، إنهم لن يسمحوا أبدا أن يخضع نظام التعليم للسيطرة الكاملة للحكومة، داعيا السلطات إلى إنهاء السياسيات التي تتسبب في استقطاب المجتمع ووقف الممارسات التي تكون “ضد التعليم العلمي والعلماني”.

وتعمل الحكومة التركية على تعميم مناهج التعليم الإسلامي، حيث تجبر طلاّب المدارس والجامعات مهما كان انتماؤهم الطائفي، على حضور الدروس الدينية القائمة أساسا على تحفيظ القرآن وتعلم السيرة النبوية. ورغم احتجاج الأقليات الدينية في تركيا على التعليم الديني الإجباري إلاّ أن السلطات تتجاهل كلّ الأصوات المعارضة لسياستها التربوية والتعليمية.

ودعت جمعيات مدنية، ونقابة معلمين الجمعة إلى مقاطعة المدارس الرسمية للمطالبة “بتعليم علماني” في بلد غالبيته من المسلمين السنة.

وصرح أحمد الموظف الحكومي المقيم في وسط أنقره “لم أرسل ابني إلى المدرسة اليوم تنديدا بالأسلمة المتزايدة في التعليم الرسمي الذي بات تعليما إسلاميا”.

وأدانت شخصيات مدنية دروس الدين الإسلامي الإلزامية في المدارس والثانويات العامة التي أدرجت مؤخرا بموجب تعديل أقرته الحكومة الإسلامية المحافظة الحاكمة منذ 2002.

اتهامات لأردوغان بالعمل على'أخونة' البلاد، ففي عهده تم السماح بالحجاب في الجامعات وفرضت قيود على بيع الكحول

ويعتبر مثقفون أتراك أن هذه الدروس الجديدة تمنح أفضلية فقط للمقاربة السنية للإسلام، وتحط من تدريس العلوم. وأضاف أحمد “يمكن للأطفال تعلم الدين في المنزل، فمن المجحف فرضه عليهم في المدرسة”.وفي قرار صدر في سبتمبر، اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن دروس الدين الإجبارية في تركيا تنتهك حرية المعتقد لدى الأهل وطلبت من السلطات التركية إصلاح النظام “في أسرع وقت”.

ويعفى التلاميذ المسيحيون واليهود، فحسب، من هذه الدروس، باعتبارهم من الأقليات الدينية المعترف بها في تركيا.

وأدان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو قرار المحكمة الأوروبية، معتبرا أن تعليم الأديان الإلزامي يشكل حصنا ضد “تشدد الجماعات الجهادية في سوريا والعراق على الأخص”. ويتهم المعارضون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يحكم تركيا منذ 2003، بالعمل على “أسلمة” البلاد. ففي أثناء حكمه تم السماح بالحجاب في الجامعات والمدارس والوظائف الرسمية وفرضت قيود واسعة على بيع الكحول.

وفي سبتمبر الماضي، أقر تعديلا في البطاقة المدرسية أرغم الآلاف من تلاميذ المدارس الرسمية على التسجيل في مدارس “الإمام الخطيب” الدينية، ما أثار انتقادات إضافية.ووصفت عدة منظمات في المجتمع المدني التركي المواد الدينية الإجبارية على أنها دمج إجباري لا يحترم الخصوصيات الدينية والحضارية المتنوعة في تركيا.

ويتهم حقوقيون أردوغان، بخيانة المبادئ العلمانية التي أرساها مؤسس جمهورية تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، الذي فصل بين الدين والدولة بشكل واضح، وقد اشتهر أردوغان بقوله مرة إنه يريد أن يربي جيلا من “الشباب المتدين” وبذل جهودا لحظر الاختلاط في السكن في الجامعات الحكومية.

ويعمل إسلاميو تركيا على النفذ في مختلف دواليب الدولة التركية بما فيها قطاع التعليم لفرض رؤيتهم المجتمعية على جميع أطياف المجتمع التركي بما فيهم الأقليات غير المسلمة، وهو ما يجابه برفض واسع من أبناء تلك الأقليات رغبة منهم في الحفاظ على خصوصياتهم العقائدية والثقافية وبالتالي الحفاظ على التنوع والاختلاف.

17