أسلمة المسلمين.. اختبار البذور قبل لعن الثمرة

هل يحتاج المسلم المعاصر إلى من يدعوه للدخول إلى الإسلام، ومن خول للفقهاء والدعاة والوعاظ ورموز الإسلام السياسي بأن يتصدوا لأداء هذا الدور. مواجهة الحاضر بمسلمات الماضي والسعي لأسلمة المسلمين والحرص على إقامة الحواجز بين المسلم وغير المسلم، كلها تمثل مقدمات خفية لأسلمة المجتمع ولزرع بذور الإرهاب في آن.
الأربعاء 2017/08/02
إسلام الناس الذي يريد الإسلاميون تحويل وجهته

خطباء الجمعة ونجوم الفضائيات وجيوش المشتغلين بدعوة المسلمين إلى الإسلام لا يملون إقناع المسلمين بمسلّمات حسمتها المرحلة المكية من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. نادرا ما تخلو خطبة من الاحتجاج بما يسمونه الإعجاز العلمي في القرآن إثباتا لوجود الله، ومن تقصّي معجزات دليلا على صحة النبوة، وتسويغ سلوك بعض الصحابة، ثم الغزاة/ الفاتحين، كأن اجتهاداتهم البشرية حجة على الدين. وأصبح الإسلام هو الدين الوحيد الذي ينشغل أهله بالدفاع عنه، على الرغم من أنه “متين” بنص الحديث.

متانة الدين أجل وأسمى من هشاشة المتحدثين باسمه، هشاشة لا تصمد لأي جدل عن أحوال المسلمين، وما تمثله الظاهرة الدينية بتجلياتها السياسية والاجتماعية من وباء جاهز لإصابة من “يوغل فيه”، ثم لا تلبث عدوى الغلظة والتكفير أن تصيب المحيطين بالفظ غليظ القلب، إذ يراهم عصاة ولو كانوا “أولي قربى”، حتى يسهل على المغرض أن يتهم الإسلام بأنه “دين العالم المريض”، فلا يقوى المريض إلا على تذكر ما ينتقيه من الماضي، وإذا لم يجده فلا يتردد في اصطناعه تعويضا عن العجز.

في الطريق إلى اكتساب مساحات في ميادين الحداثة، تجاوزت المسيحية عصورا من محاربة العقل، كان الثمن الدامي باهظا قبل القطيعة مع فقه “تاريخي” أمد الطغاة بغطاء أخلاقي حبب إليهم الغزو والاستلاب والاستعباد، ولم يعد رجال الدين يجنّدون أنفسهم وأجيالا من دارسي اللاهوت للدفاع عن خطايا ليسوا مسؤولين عنها، فلا تزر وزارة وزر أخرى، وكل نفس بما كسبت رهينة.

أما الباحث في التاريخ الإسلامي فيظل مشغولا بالدفاع عن الدين أكثر من حرصه على تفسير وقائع بشرية، بعضها كان مقبولا في سياقه. على سبيل المثال، لن يجد تحققا للديمقراطية التي حملت اسم الشورى، ولكن الدراسات “الأكاديمية” والكتب لدى كافة أطياف المشتغلين بما يظنوننه علوم التاريخ الإسلامي، من اليمين التقليدي إلى الجماعات التكفيرية، تتناسل محتشدة بالحنين إلى عصور كان فيها الدين غالبا، ويتم استدعاء تلك الفترات الآن، فتبدو نشازا أخلاقيا وحضاريا.

لا فرق بين زهو الأزهريين وغيرهم من جماعات الإسلام السياسي إذا تعلق الأمر بقراءة حاضر المجتمعات الإسلامية

لا فرق كبيرا بين زهو الأزهريين وغيرهم من جماعات الإسلام السياسي إذا تعلق الأمر بقراءة حاضر المجتمعات الإسلامية، أغلبهم تحكمهم القبور، ولا يسلتهمون تجربة تاريخية، وإنما يستنسخونها حرفيا. في سن الثانية والتسعين أصدر فريد عبدالخالق، الذي كان عضوا بالهيئة التأسيسية للإخوان وعضوا بمكتب الإرشاد، كتاب “في الفقه السياسي الإسلامي” (في العام 2007)، وكالعادة بدأ بالمرحلة المكية التي نسختها التجربة الإسلامية نفسها، مشددا على “أدلة حجية الشورى”، ودلائل التزام الحاكم في الإسلام بمشاورة “أهل الحل والعقد”، وغير ذلك من قضايا تجافي روح العصر، وتنقب عن ملامح “الدولة الإسلامية”، التي تنهى “عن إيذاء أهل الذمة”.

ويجد في “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” للماوردي ما يعزز كفالة الإسلام لحقوق “رعايا الدولة الإسلامية”، وأن “هناك إجماعا على أن بعض الوظائف العليا لا يُقلدها غير المسلمين وذلك لاقتضاء اشتراط الإسلام في شاغلها”، ويقفز من القرن الحادي عشر حيث عاش الماوردي إلى القرن الحادي والعشرين حيث يعيش أحمد كمال أبوالمجد فينقل من كتابه “رؤية إسلامية معاصرة.. إعلان مبادئ” أن مبدأ المساواة في الحقوق “لا ينفي المبدأ المعمول به في الدنيا كلها من أن يكون حق الإدارة العليا للأغلبية وتظل حقوق الأقلية مصونة ومحفوظة”. وهذه مغالطة تخفي تمييزا دينيا؛ لأن للأقلية هنا مفهوما طائفيا، ولا يقصد بها المعارضة التي من حقها السعي إلى السلطة.

لا يختلف الأمر كثيرا بين الإسلام السياسي الحركي والإسلام التقليدي المؤسسي الرسمي. أمامي صورة من فتوى أصدرتها لجنة الفتوى بالأزهر في 23 سبتمبر 1978، ردا على سؤال يخص مسلما مصريا تزوج ألمانية مسيحية، ثم دخل “في الديانة المسيحية وانضم إلى الاعتقاد المسيحي”، فما حكم الإسلام في الرجل؟ وماذا عن دين أولاده؟ وجاءت الإجابة “بما أنه قد ارتد بعد إسلامه فيستتاب وإذا لم يتب يقتل شرعا. أما بالنسبة لأولاده فما داموا صغارا فهم مسلمون، وبعد بلوغهم فإن بقوا على الإسلام فهم مسلمون، وإن خرجوا عنه فيستتابون فإن لم يتوبوا يقتلون”.

الباحث في التاريخ الإسلامي يظل مشغولا بالدفاع عن الدين أكثر من حرصه على تفسير وقائع بشرية، بعضها كان مقبولا في سياقه

ولم توضح الفتوى هل يؤتى بالرجل إلى “دار الإسلام” لكي يستتاب، ثم يستدعى أولاده في وقت لاحق للاستتابة؟ وفي أي ساحة تقام المشانق إذا اختاروا المسيحية؟ ومن سيوكل إليه في ألمانيا بتنفيذ عقوبة خرافة “الردة” التي تنزّه القرآن وترفع عن الدعوة إليها فلم ينص عليها.

صدرت الفتوى في عهد شيخ للأزهر مشهور بالاعتدال والتصوف عبدالحليم محمود، وله مؤلفات منها “المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبوالحسن الشاذلي”، وتولى عمادة كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وكان أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية، ووكيلا للأزهر، ووزيرا للأوقاف، فشيخا للأزهر حتى وفاته في أكتوبر 1978.

شيخ الأزهر الذي نال الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من فرنسا عاد إلى مصر لكي يدعو إلى مجافاة العقل، ففي كتابه “الإسلام والعقل” يذكر عبدالحليم محمود هذه الواقعة “وحدث في عهد سيدنا عمر أن حاول صبيغ (على وزن أمير) أن يثير بعض المسائل الدينية، معتمدا على عقله في الجدل والنقاش، فضربه أمير المؤمنين بعراجين النخل حتى سال الدم من رأسه، وزالت مع سيلان الدم هواجسه وأهواؤه”.

ربما رأى أمير المؤمنين أن المرحلة لا تحتمل جدلا قد يثير بلبلة في العقيدة، وبدلا من التماس شيخ الأزهر العذر لعمر، أهان العقل قائلا إن “الجري وراء الفكر البشري- لسان أرسطو- قاد المسلمين إلى الجهل، لأن الانصراف عن الوحي إلى الفكر الإنساني: إنما هو انصراف عن علم إلى جهل. وقاد الأمة الإسلامية إلى الاختلاف والتفرق بعد الوحدة في العقيدة والتماسك: لأن الانصراف عن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الوحي، إلى ما يخطئ وينحرف ويضل، وهو الفكر، إنما هو انصراف عن مصدر وحدة إلى مبعث تشعب”.

كلام عجيب ومحيّر إذا قاله دارس للفلسفة، ويدعوننا إلى مراجعة حصاد الفقه الإسلامي قديمه وحديثه، في ضوء العقل الذي حثه القرآن على التفكر. فمن هذه البذور المنثورة في الكتب والمحاضرات والمناهج الدراسية والخطب والبرامج الفضائية يأتي الحصاد، تتنوع البذور وتتشابه الثمرة، تتعدد معامل الإعداد ويتوحد نوع الثمرة، ولا يختلف من يحملها، لا يهم أن يكون أسامة بن لادن أو أيمن الظواهري أو أبا بكر البغدادي.

13