أسلوب التربية العنيف ينتشر داخل الأسر التونسية

إحصائيات تكشف أن أكثر من 90 بالمئة من الأطفال تعرضوا للعنف الأسري الذي يعتبره بعض الآباء ثقافة اجتماعية تبرر للعنف كوسيلة تربوية فعالة.
الجمعة 2018/11/23
حمايتي ليست شعارا

تنتظم في تونس طيلة شهر كامل (من 20 نوفمبر إلى 20 ديسمبر) فعاليات الاحتفاء بشهر حماية الطفل، وركزت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن هذا العام على حماية الطفل من العنف الأسري بسبب الأرقام الرسمية المفزعة التي كشفتها المسوحات العنقودية متعددة المؤشرات التي تنجزها الوزارة كل 4 سنوات والتي أكدت أن أكثر من 90 بالمئة من الأطفال تعرضوا للعنف الأسري، وهو ما يثير تساؤلات حول العوامل التي تجعل الأسرة تتحول من مصدر للحماية والأمان للأطفال إلى فضاء خطير يمارس عليهم شتى أنواع العنف.

تونس – كشفت إحصائيات صادرة عن مصالح وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن انطلقت من المسح المنجز عامي 2011 و2012 على عينة تمثل كل الجهات أن حوالي 93 بالمئة من الأطفال بين 2 و14 سنة تعرضوا على الأقل مرة واحدة في حياتهم إلى العنف الجسدي وأن 44 بالمئة من الأمهات والآباء والقائمين على تربية الأطفال يعتبرون أن العنف الجسدي وسيلة من وسائل التربية الصحيحة.

وأفادت الوزارة أن نسب تعرض الطفل للعنف لم تتراجع بل سجلت ارتفاعا نسبيا، إذ تلقى مندوبو حماية الطفولة عام 2017 ما يزيد عن ستة عشر ألف إشعار بتهديد للأطفال، حوالي 63 بالمئة منها في المنازل وحوالي 18 بالمئة في الشارع ونسبة 16 بالمئة بالمؤسسات التابعة للدولة.

ونظريا تعبر غالبية الجهات الرسمية وغير الرسمية والمسؤولة عن التعاطي مع الطفل وعن التربية عن الرفض المطلق للعنف المسلط على الطفل خصوصا منه ذلك الذي يتعرض له داخل الأسرة، ويجمع أرباب الأسر وجل الإطارات التربوية على ضرورة اعتماد طرق الحوار والإقناع السلمي، لكن الواقع والأرقام يكشفان أن التعامل الفعلي مع الطفل بعيد كل البعد عن الرفض النظري.

ويطغى أسلوب التربية العنيف على طرق التعامل مع الأطفال سواء عند الآباء والأمهات وداخل الأسرة عموما، أو في بقية الفضاءات التربوية بدءا من الحضانات إلى رياض الأطفال ثم المدارس وصولا إلى المعاهد، وهو ما أكدته العديد من الدراسات الاجتماعية التي لفتت الانتباه إلى تنامي العنف المسلط على الطفل حيث بات يرافقه من البيت إلى المدرسة وإلى الشارع.

التونسيون يتناسون أن تعرض الطفل للمعاملات العنيفة منذ سن مبكرة يؤدي إلى حالة من "التطبيع" مع الجريمة

واعتبرت هذه الدراسات أن العنف الأسري يرجع أساسا إلى نقص الوعي بتداعياته الخطيرة من النواحي النفسية والسلوكية والعقلية وكذلك التواصلية على الطفل بجانب اتباع معظم الآباء والأمهات على أساليب تربوية تقليدية مغلوطة تعتبر أن العنف اللفظي وحتى المادي وسيلة ناجعة للتربية ولتقويم سلوك الطفل وفق ما تستسيغه الأسرة والمجتمع.

وكثيرا ما ينصح الآباء والأمهات خصوصا منهم الجدد من قبل المحيطين بهم من أفراد العائلة والأقارب وحتى الأصدقاء والأجوار باتباع أسلوبي الحزم والصرامة مع الأبناء وعدم الوقوع تحت تأثير غرائز الأمومة أو الأبوة في أخطاء تدليل الأبناء. ويوصيهم البعض باستخدام الضرب والصراخ وغيرهما من طرق التخويف إذا كان الابن عنيدا لكي تخلق داخله مشاعر الخوف وبالتالي تسهل السيطرة عليه وتوجيهه.

 ويؤكد خبراء التربية أن هذه الأساليب التربوية غير السليمة منتشرة في الثقافة التونسية ومتجذرة في عقلية التونسي وهو ما يتطلب عملا كثيرا يمس عمق الأفكار المتجذرة في وعيه لتغييرها بأساليب التربية الصحيحة، وتكون الانطلاقة من الأسرة وصولا إلى المربين والمعلمين وكل المتعاملين مع الأطفال.

كما نبهت العديد من البحوث النفسية التي درست الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالطفولة والمراهقة مثل الانتحار والانحراف والسلوك العنيف، إلى أن تعرض الطفل منذ سنواته الأولى إلى العنف المادي والمعنوي واللفظي يعد السبب الأبرز وراء استشراء هذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة والتي تتحمل الأسرة ثم المجتمع المسؤولية الأكبر في وجودها وانتشارها.

ويقول الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد إنه بعد أن كانت الأسرة والمنزل يمثلان أكثر الفضاءات والأماكن حماية للطفل أصبحا حسب الأرقام والمعطيات الجديدة أكثر الأماكن خطورة على الأطفال. وأصبح فيها الأولياء يمثلون الخطر الأول الذي يهدد السلامة النفسية والجسدية للأطفال.

ويوضح بالحاج محمد “الطفل مازال موضوعا وضحية للعنف بمختلف أشكاله فهو مستهدف بطريقة مزدوجة: أولا لأنّه طفل لا يجد الحماية التربوية ولا يقدر في الوقت ذاته على حماية نفسه. وثانيا لأنّه يعيش في مجتمع تسلطي يبرر للعنف ويشرعه. عنف مجاله جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالوسط والمحيط العائلي ودور الحضانة ورياض الأطفال ومراكز الإيواء، حيث يعد العنف المسلط على الطفل مألوفا وعاديا وجائزا في حين أنه من المفروض أن يكون الأمر عكس ذلك حيث يفترض أن يجد الطفل الرعاية المادية والمعنوية فيشعر حينها بالأمن لتنمية ذاته وقدراته”.

الأساليب التربوية غير السليمة متجذرة في عقلية التونسي وهو ما يتطلب عملا كثيرا يمس عمق الأفكار المتجذرة في وعيه

ويشير الباحث إلى أن العنف المسلط على الطفل في تونس يتراوح بين العنف المادي والتحرش الجنسي والعنف اللفظي، الذي لا يقل خطورة عن باقي الأنواع ويأخذ أشكالا لا تقل خطورة عن بقية أنواع العنف ويجد مكانا له في استعمالات اللغة اليومية التي تستحضر قاموس الشتيمة والتشهير والتقزيم والإهانة تصب على كاهل الطفل دون شفقة أو رحمة وتستمد جذورها ومشروعيتها من ثقافة مجتمعية تعتبرها عنفا مشروعا ومبررا، في حين يفترض أن يكون مجرّما ومدعاة للعقاب ويأتيه شخص من المفترض أن يعلم الأطفال ثقافة الحياة والجمال ويزودهم بآليات الاندماج الاجتماعي.

ولا يمكن الجزم بأن هذه الظاهرة قد تفاقمت بعد الثورة في تونس، ما يمكن التأكيد عليه فقط أنها أخذت أبعادا جديدة منسجمة مع هذا السياق الاجتماعي والثقافي المستجد والمنفلت والعنيف، حيث وبحسب بالحاج محمد، تحول العنف من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص حيث بدا بيّنا إفلاس الأسرة وعدم قدرتها على مجاراة نسق الأحداث والقيام بأدوارها التقليدية.

ويقول الباحث مؤكدا “نحن عادة ما نتناسى أن تعرض الطفل لهذه الضغوط والمعاملات منذ سن مبكرة يؤدي إلى حالة من ‘التطبيع” مع الجريمة والبذاءة والتجاوز والتسلط، فتغدو مع الوقت عادية ومألوفة وبالتالي فلا نستغرب أن تنتج مؤسساتنا التربوية وعائلاتنا الجريمة والإرهاب ولذلك أصبح من الضروري التعامل معها بأكثر جرأة وأكثر رغبة في النجاعة والفاعلية من أجل التشهير بها وإنصاف ضحاياها”.

وشرعت وزارة المرأة والطفولة في استراتيجية اتصالية لمكافحة العنف داخل الأسرة، واختارت هذه السنة أن يكون شهر حماية الطفل متمركزا حول التصدي لكل أشكال العنف ضد الأطفال، تحت شعار ”حمايتي من العنف مسار مش (ليس) شعار” بغرض تفعيل حق الطفل في الوقاية والحماية من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة أو الإهمال أو الاستغلال، ونشر ثقافة اللاعنف، وذلك من خلال تمكين الطفل من أن يكون عنصرا فاعلا في هذه الخطة لمقاومة العنف الموجه ضده.

21