أسلوب التربية محدد رئيسي لتمرد الأبناء على الآباء

أخصائيو التربية يؤكدون أن أطفال اليوم يتمتعون بقوة لم يعهدها الأطفال في الماضي، ويجدون متعة في عدم الاستجابة لطلبات آبائهم.
الجمعة 2020/10/16
خطاب الحب داخل الأسرة يقلل من تمرد الأبناء

يُرجع علماء النفس سوءَ سلوك الأبناء وتمرّدهم وعدم انصياعهم لأوامر آبائهم إلى أمرين؛ إما الإفراط في التدليل أو غياب خطاب الحب داخل الأسرة. ويبرر علماء الاجتماع ذلك بتغير تركيبة الأسرة التي شهدت تحولات هيكلية أثرت على نمط تربية الأبناء، حيث اضمحل نموذج العائلة التقليدية وغاب عنها الواعظ والموجه الذي غالبا ما يكون الجد.

يؤكد الكثير من الآباء والأمهات على أنهم أصبحوا يعانون من عدم طاعة أبنائهم لهم، حيث باتوا يستخدمون أساليب المراوغة للتخلص من المهمات المطلوبة منهم تجاه العائلة والمدرسة على حد السواء، وبذلك أصبحت تربية الطفل على الطاعة تتطلب جهدا متواصلا.

وأكدت سامية حمدي، أم لطفلين، أن أطفال اليوم يرفضون التعليمات لأنهم يحبذون مسايرة رغباتهم الشخصية ولا يريدون الامتثال للأوامر، وذلك بسبب ضيق مساحة الاستقلالية التي يمنحها لهم آباؤهم وأمهاتهم.

وأفادت “العرب” بأن “جيل اليوم يتسم بالعجلة والتسرع؛ اعتاد على تلبية رغباته فكبرت لديه الأنانية وتضخمت أناه بشكل مفرط، ويعود ذلك إلى مبالغة الأبوين في تدليل الطفل وعدم تربيته على الصبر والانتظار”.

وأضافت أن تعويد الأبناء على الاستجابة لجميع طلباتهم يجعل الآباء والأمهات عاجزين عن تعديل سلوكياتهم. وأشارت إلى أن شيم الصبر والإصغاء والطاعة، إن لم يتدرب عليها الأبناء وهم صغار لن يتقنوها عندما يصبحون مراهقين، وبالتالي يميلون إلى التمرد على القوالب الجاهزة.

وعبرت حليمة عياري عن معاناتها هي الأخرى من وقاحة ابنها وعدم استجابته لتعليماتها، مشيرة إلى أنه بدأ يتبنى أسلوب الرفض والتمرد وعدم الامتثال لأوامرها.

وتفاجأت الأم برد ابنها عندما طلبت منه ترك الهاتف المحمول والقيام بواجباته المنزلية، حيث قال لها بصريح العبارة “اتركيني أعِشْ الحرية”.

تركيز العائلة أصبح يتمحور حول الطفل وكيفية توفير سبل الراحة والرفاهية له، مما غذى الأنانية لديه

وأشارت حليمة إلى عدم انصياع ابنها لتعليمات والده أيضا والتمرد على كل أوامره وطلباته بأسلوب التهكم والسخرية والوقاحة. وترى أن الأطفال اليوم أصبحت لديهم سلوكيات مختلفة عن سلوكيات الأطفال في الماضي. وأوضحت لـ”العرب” “أسلوب التربية أصبح مختلفا كما أن طريقة معاملة الأبناء في الوقت الحالي تعتمد على التدليل المفرط والاهتمام المبالغ فيه، مما يعطي رسالة للطفل تفيد بأنه مركز كل شيء، ما يعلي من الأنا عنده وينمي مشاعر الأنانية لديه ويفقده الصبر في تحقيق طلباته ورغباته”.

كما أشارت إلى أنها لاحظت أن جميع الأطفال يتمتعون بنفس القدر من العناية الأبوية والحرص على حمايتهم وتلبية رغباتهم، وتقابل هذه المعاملة بعزوف الطفل عن الاستجابة لأوامر والديه وفقدانه الصبر.

ونبه أخصائيو التربية إلى أن أطفال اليوم أصبحوا يتمتعون بقوة لم يعهدها الأطفال في الماضي، مؤكدين أن بعض الأطفال يجدون متعة في عدم الاستجابة لطلبات آبائهم وإثارة غضبهم. وذكر الخبراء أن الآباء والأمهات يواجهون في كل مرحلة من مراحل نمو أطفالهم أوقاتا يكون فيها الطفل ثائرا أو عنيدا أو متمردا. وأشاروا إلى أنه من الطبيعي أن يواجه الآباء قائمة لا نهاية لها على ما يبدو من المشكلات المتجددة. ولكن يمكن أن تسهم معرفة الأسباب العميقة التي تقف خلف سلوك أطفالهم المتمردين، وكذلك معرفة كيفية التعامل معهم، في منع تفاقم تلك المشاكل.

وقالت دراسة حديثة إن تهدئة الأطفال اليوم صارت تتم من خلال إعطائهم أشياء ممتعة وجميلة ومنها الألعاب، أي إبعادهم عن أي نوع من أنواع الانتظار، مشيرة إلى أن تعليم الأطفال الصبر والانتظار أمر صحّي على الصعيد النفسي، واعتبرت أن الأطفال بحاجة إلى بعض الضغط والإحباط لتنمية قوتهم الداخلية من أجل الشعور بفرحة النجاح في تجاربهم المستقبلية. ولفتت إلى أنه إذا لم يعرف الطفل معنى الانتظار، فإن هذا الأمر قد يؤدّي إلى تحوّله إلى شخص عديم الصبر.

وأكد أستاذ علم الاجتماع ممدوح عزالدين أن التحولات التي تعرضت لها الأسر التونسية منذ الاستقلال، حيث شهدت التحول من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النواة، أثرت على سلوكيات الأطفال. وأضاف موضحا لـ”العرب” أن تركيبة الأسرة التونسية شهدت تحولات هيكلية وعميقة أثرت على نمط تربية الأبناء، حيث اضمحل نموذج العائلة التقليدية التي تعطي لرئيس العائلة دور المسير والمربي والواعظ والموجه والذي غالبا ما يكون الجد.

وأشار إلى أن الثقافة السائدة في ذلك الوقت كانت الثقافة الأبوية الذكورية التي يسودها التسلط، وكان الأبناء ينصاعون انصياعا تاما لتعليمات آبائهم وبذلك يتربى الأطفال على الخضوع للأوامر دون القدرة على التمرد والخروج عن السائد.

وتابع “بعد خروج المرأة إلى سوق العمل وحصولها على هامش من الحرية والاستقلالية المالية، برزت الفردانية في اتخاذ القرار. وأصبح تركيز العائلة يتمحور في مجمله حول الطفل وتوفير سبل الراحة والرفاهية له، وتراجع دور كبار العائلة وقيمتهم داخل الأسرة”.

وأفاد عزالدين بأن “العائلات الحديثة أصبحت تفسح مجالا للطفل للمشاركة في اتخاذ القرارات الخاصة به والقرارات الأسرية بصفة عامة”، مشيرا إلى تغير العقلية التي تعطي قيمة كبيرة للطفل مما أدى إلى تغير مفهوم الطاعة وسبب توتر العلاقات الأسرية.

وذكر أن “المجتمعات الحديثة تشهد تحولات سريعة وحادة كما أنها تشهد أزمة قيم أثرت على العلاقات، وأصبح الأطفال أكثر احتجاجا وتمردا على واقعهم، نظرا إلى أن السياق العام قائم على اللايقين، ولا توجد مراجع ثابتة، وأصبحت العلاقات الأسرية تبنى على المصلحة والمنفعة الفردية ولا توجد مصلحة مشتركة على عكس ما كان عليه الامر في العائلة التقليدية”.

وتابع “من المفروض أن تكون الأسرة النواة أكثر ترابطا، إلا أنها في المجتمعات الاستهلاكية تتحكم المادة على حساب العواطف فتغيب القيم الثابتة، ويكتسب الأبناء سلوكيات جديدة يسعون من خلالها إلى إعلان تمردهم وعصيانهم للأوامر الأبوية”.

الإفراط في التدليل يجعل الأبناء يرفضون تعليمات الوالدين
الإفراط في التدليل يجعل الأبناء يرفضون تعليمات الوالدين

ويرى المختص التونسي أن أولياء الأمور أصبحوا يفتقدون للوقت الكافي الذي يقضونه مع أبنائهم، ويحرصون كل الحرص على تلبية حاجياتهم المادية على حساب الحاجيات العاطفية، واستنادا إلى هذه التغيّرات أصبح الطفل واعيا بمكانته داخل الأسرة وقدرته على السيطرة وتجنب الانصياع إلى أوامر والديه.

ونصح عزالدين الأولياء بتجنب العنف والنقد اللاذع والابتعاد عن الهيمنة والتعسف في استعمال سلطة الأبوة، ودعا إلى اتباع أسلوب الحوار لتصحيح سلوكيات الأبناء.

وأكد علماء نفس الطفل أن أطفال اليوم باتوا يرفضون الانصياع لأوامر آبائهم، ولفتوا إلى أن الكثير من الآباء والأمهات يلاحظون أن أطفالهم توقفوا عن الاستماع إليهم أو الامتثال لأوامرهم، وهو ما يسهم عادة في إحراجهم وإحباطهم.

وفسر أحمد الأبيض المختص في علم النفس ذلك السلوك بغياب خطاب الحب داخل البيوت مقابل حضور خطاب العنف. وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن 80 في المئة من الرسائل التي يتلقاها الأطفال من الأفلام الكرتونية رسائل عنف.

كما بين أن طريقة عناية الآباء بالأطفال ليست دائما ناجحة، ذلك أن الآباء اليوم يكتفون بتقديم كل ما يطلبه الأبناء ويسعون إلى إرضائهم دون مبرر.

وقال علماء النفس إن صراعات السيطرة والنفوذ في المنزل بين الكبار والصغار أمر منتشر في العديد من الأسر، ومن السهل على الأولياء أن يقعوا في هذا الفخ ويدخلوا في مواجهة مباشرة وعقيمة مع أبنائهم، يكون فيها كل طرف مصرا على فرض رأيه واتباع غروره، ولكن كلما طالت هذه الحالة، ساءت الأوضاع في المنزل.

وأشار الخبراء إلى أن طفل اليوم لا يرضى بالقليل من الفرص المتاحة له، ولا يتعامل مع المسؤوليات بجدية، ولا يتكيّف مع الظروف المحيطة، ويتبع أسلوب الصراخ لأنه يعتقد أن هذا الأسلوب يمهّد لتلبية رغباته، ويمارس حريات كثيرة بموجب قوانين واتفاقيات وليس بموجب العلاقات الإنسانية الطبيعية في مجتمع متكامل، حيث تلتصق عيناه في شاشات افتراضية بشكل يومي، ولا يخرج إلى الشارع لاكتشافه، ولا يريد أن يسمع من حوله وينصت فقط إلى ذاته.

دراسات حديثة:

سلوكيات الأطفال في العصر الراهن تغيرت عما كانت عليه في الماضي، حيث أنهم أصبحوا أكثر رفضا لتعليمات الآباء والأمهات وأقل صبرا

وأفادوا بأن الآباء والأمهات يضطرون إلى نقد الأبناء بشكل متواصل لمواجهة عصيان أوامرهم، إلا أن هذا النقد ربما يتحول من تقويم إلى تدمير للطفل إذا كان جارحا.

وكشفت دراسات حديثة أن سلوكيات الأطفال في العصر الراهن تغيرت عما كانت عليه في الماضي، حيث أنهم أصبحوا أكثر رفضا لتعليمات الآباء والأمهات وأقل صبرا، واقل احتراما مما يجعل الآباء والأمهات ينتقدونهم بشدة، موضحة أن الأطفال أصبحوا مشاغبين ولا يعاملون الكبار بأسلوب لائق ومحترم.

وفي كتابها “الآداب الحديثة من أجل حياة أفضل”، أكدت ديان غوتسمان، خبيرة آداب السلوك، أن الطفل مهما حصل على نصائح حول الأخلاق من الوالدين لن يتعلم غير الذي يراه أمامه لأنه يقلد السلوك، وأول الذين يتم تقليدهم الأب والأم.

وذكرت أن الوالدين يظنان أن الطفل لا ينتبه لهما ولكن الأمر عكس ذلك، لأن الأطفال يراقبون البالغين في كل الأوقات وبتركيز شديد، ناصحة بتعليم الأطفال السلوك الجيد بشكل غير مباشر من خلال دفعهم إلى التقليد حتى لا يشعروا بأنهم يتلقون أوامر.

21