أسلوب خلايا الموت الجهادية يكشف خطورة الإسلام الحركي في أوروبا

الأربعاء 2015/01/28
الأسلوب الدعائي للإسلاميين في أوروبا يقدم صورة مغلوطة عن الإسلام

لاهاي- مميزات الآلة الدعائية للخلايا الجهادية في أوروبا تتجلى دائما عبر ثنائية جريئة وخبيثة، فخلايا الموت المتطرفة دائما ما تمهد لبعض عملياتها الإرهابية بتظاهرات علنية لبعض مريديها والموالين لها تعنى بقضايا هامشية ترتكز أساسا على نقد قوانين الحريات التي وضعها جهاز الدولة والتي تتعارض، بشكل موهوم، مع الخيارات الدينية التي يتبعونها من ناحية.

ومن ناحية أخرى، تعمل أجهزة دعائية خفية داخل تلك الخلايا على تضخيم حجم تلك التفاصيل وجعلها قضايا كبرى تنال من أمن المسلمين وحياتهم في أوروبا، وهو أمر مخالف للواقع ولو بشكل نسبي.

تعد عملية شارلي إيبدو الأخيرة التي راح ضحيتها 12 شخصا من المؤشرات الهامة على طرق عمل الخلايا الجهادية الناشطة في أوروبا، وأسلوب الدعاية الذي تنتهجه.

ففي هولندا، قامت مجموعة من الإسلاميين بالتظاهر أمام مقر الحكومة للمطالبة بحقوق غير معقولة ولا تتماشى مع طبيعة المجتمع والقوانين المفروضة في البلاد.

ولعل أهم الشعارات التي رفعوها والتي تعكس مدى المفارقة التي يعيشها هؤلاء هي “ساعدونا، فهم يضطهدوننا”، “إيّاكم والاقتراب من نقابي، إنّ الدعارة جريمة”، “الله غالب على أمره”، “الحرية لا توزّع على المسلمين بالتساوي”.

وتعبّر هذه الشعارات عن مطالبة النساء المتنقبات بلباس النقاب في المؤسسات الرسمية للدولة مثل المدارس والجامعات والإدارات، وهذا الأمر ممنوع في أغلب دول أوروبا، وقد أثار جدلا واسعا في وسائل الإعلام خاصة في فرنسا.

ومن الملاحظ أن تحركات تلك الخلايا في ما يتعلق بالدعوة وتظاهرات الشوارع لا تكون في إطار ضيّق بين الناشطين الجهاديين في تلك الدولة فقط، بل إن دعما كبيرا يأتي من دول أوروبية أخرى عديدة.

الشعارات التي يرفعها الإسلاميون في أوروبا تتناقض مع طبيعة الثقافة والمجتمع وهي غطاء دعائي لعنفهم

فقد شهدت العديد من التحركات الميدانية لهؤلاء في هولندا، مثلا، حضور التنظيم السلفي المتطرف والمحظور في بلجيكا “الشريعة فور بلجيوم” (الشريعة من أجل بلجيكا) وأيضا تنظيم مماثل وهو “الشريعة من أجل فرنسا” وحركة “ستريت دعوة” (أي الدعوة في الشوارع) التي تنشط في ألمانيا والسويد.

ولكن الإشكال الذي زاد من حدة تعصّب هذه الجماعات، هو أن وسائل الإعلام الغربية تتعاطى معهم كمنظمات لها آراء وأفكار يمكن الاستماع إليها وإعطاؤها مجالا لتعبر عن أفكارها، فجذبت بذلك الانتباه واعتقد العديد من المسلمين أن تلك المنظمات قوية ويمكن أن تدافع عنهم.

ومن ناحية أخرى، لم تفسح تلك المنظمات المتطرفة المجال أمام الجاليات المسلمة للتعرف على حقيقة الشريعة الإسلامية المنفتحة، ولكنها احتكرت الحديث باسم الدين لتصور الإسلام كما تريده وتقدمه للشباب المغترب، فيعتقد أن أصوله الدينية هي تلك الصور التي يستهلكها وفي حقيقة الأمر، فإن المسألة مختلفة تماما.

وتشير دراسات ميدانية قام بها باحثون في السوسيولوجيا بجامعة أمستردام الهولندية إلى أن الجماعات الإسلامية المتطرفة في هولندا تقوم “بحسابات دقيقة في تحديد طبيعة تحركاتها واستغلال كافة الوسائل للوصول إلى الجمهور والهدف السياسي”.

إذ توجد جماعات سلفية عدة في هولندا لها نشاطات مكثّفة بين عامي 2008 و2009، حيث كانَ السلفيون يتابعون الساحة السياسية الهولندية عن بعد، ولكن بشكل عام لم يتعدَّ نشاطهم المناظرات المتلفزة، وبعض المقالات المنشورة عبر مواقعهم على الإنترنت.

أولى جماعات السلفية الجهادية في هولندا تحمل اسم “هوفتادكروب”، وهي شبكة من المتطرفين الشباب يديرها محمد بويري، الشاب الهولندي من أصول مغربية

ولكن بعض الجماعات السلفية كانت ترفض حتى هذا المستوى المحدود من النشاط السياسي وكان أصحابها يسعون إلى الابتعاد عن الحياة السياسية والتظاهرات قدر المستطاع رغم كونهم جزءاً من النقاش السياسي في هولندا، فباستثناء بعض المناظرات مع رجال دين مسيحيين، كانت معظم نشاطات الدعوة التي يقومون بها موجّهة إلى الجالية المسلمة ضمن فضاءاتهم الخاصة أو في المساجد.

ولمْ يكن السلفيون في هولندا قد شاركوا أو نظموا أي تظاهرة من قبل، كما أنّ المزيج المتكون من التفسير السلفي المتطرّف للإسلام ودعواتهم لتطبيق الشريعة، كانَ ظاهرة مستحدثة.

وقد نشرت صحف هولندية العديد من التقارير التي كانت أجهزة الأمن تتداولها في فترات سابقة، وقد أكدت ملخصات تلك التقارير أنه كان لهجرة النشطاء الإسلاميين من الشرق الأوسط إلى هولندا دور في نشوء الشبكات والمنظمات السلفية والإسلامية في مطلع ثمانينات القرن المنصرم.

وقد بدأت أجهزة الأمن والاستخبارات الهولندية بمراقبة هذه الجماعات أواخر التسعينات، وهي خاضعة منذ ذلك الحين إلى الرقابة المستمرة لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول 2001).

ومع حلول العام 2004 أخذ السياسيون الهولنديون وأجهزة الأمن يصنّفون هذا التيار كتهديد للنظام الديمقراطي بسبب النهج العنفي لتفرعاته الأيديولوجية حول العالم.

وتحمل أولى جماعات السلفية الجهادية في هولندا اسم “هوفتادكروب”، وهي شبكة من المتطرفين الشباب يديرها محمد بويري، الشاب الهولندي من أصول مغربية الذي اغتال المنتج السينمائي ثيو فان غوخ في العام 2004.

ولكن الجماعات غير العنيفة كانت تشكّل معضلة أيضا، حيث أنّ تقرير جهاز المخابرات المُعَنْوَن “المقاومة والمكافحة” أخضع السلفية إلى الرقابة الشديدة من قبل الأمن والصحافة وحتى الباحثين الأكاديميين، وقد كشفت تقارير الرقابة عن وجود خيوط ناظمة بين الجماعات السرية العنيفة وبين بعض النشطاء العلنيين الذي يقومون بتحركات ميدانية ضد القوانين.

المهام موزعة بين الخلايا المتطرفة، فالبعض يقوم بالاستقطاب والبعض الآخر بغسل الدماغ وآخرون يمولون

ويؤكد مراقبون أن شباب الإخوان المسلمين في تلك الفترة كانوا هم من يخططون للتحركات الميدانية، وفي المقابل وقعَ على عاتق القائمين على المساجد من أئمة ورجال الدين، مسؤولية الوقوف علنا ضد التطرّف العنيف، وبالفعل قامت الجالية المسلمة في هولندا بحملة ضد التطرّف إلى جانب الحكومة الهولندية.

وفي هذه الفترة كانت توجد أربع شبكات سلفية نشطة في هولندا، وهي مسجد “التوحيد” في أمستردام ومسجد “السنّة” في لاهاي والشبكة التي تتمحور حول عائلة “سلام” في تيلبيرغ، ومسجد “الأوقاف/ الفرقان” في إيندهوفن.

كما كانت هناك شبكة محيطة بالواعظ الديني عبدالله بوشتي، بالإضافة إلى منظمات سلفية صغيرة عدّة ومجموعة من الواعظين الذين لا يمتّون بصلة إلى أيِ منظمة.

وقد كان، ولا يزال، دور هذه المساجد والعناصر والجماعات هو استقطاب الشباب المسلم إلى صفوفهم والقيام بتحضيرهم إما ليسفروا كجهاديين إلى مناطق التوتر أو القيام بوظائف داخل تلك الخلايا على المستوى الأوروبي.

وقد أكدت التقارير الأمنية والحكومية في هولندا أن أعداد المسافرين إلى سوريا والعراق وليبيا وأماكن أخرى قد ازداد بشكل لافت للانتباه، فقد سجلت 160 حالة سفر للالتحاق بصفوف الدولة الإسلامية في 2014 فقط، وهذا يعود حسب خبراء إلى تلك المنظمات المتطرفة الناشطة في أوروبا بشكل عام.

13