أسماء الأموات تقض مضجع الأحياء

الثلاثاء 2014/08/26
الاسم يحدد ملامح مستقبل الطفل

يخير بعض الآباء تسمية مواليدهم بأسماء أجدادهم المتوفين تخليدا لذكراهم، ويطلق الكثيرون على صغارهم أسماء غريبة رغبة منهم في أن يكونوا متميزين بين أقرانهم، فيما تتأثر العديد من العائلات الأخرى بالمرجعيات التاريخية والاجتماعية والثقافية والدينية، ومهما تكن غاية الآباء من مختلف تلك التسميات، فإنها لا يمكن أن تحد من حجم المعاناة التي قد تلحقها بعض الأسماء بأبنائهم.

وأكد الخبراء أن الاسم، وإن كان لا يعكس الجوهر الحقيقي للذات البشرية، ولا يعدو كونه مجرد وصف يطلق على الأشخاص يوم ولادتهم، فإنه من الناحية الاجتماعية يمثل العلامة المميزة لهم والمؤثرة في حياتهم وفي أحكام الآخرين عليهم، لذلك فإن عملية انتقائه لابد أن تكون مدروسة بكيفية عالية.

وأشاروا إلى أن هويتنا تتشكل جزئيا انطلاقا من الطريقة التي يتعامل بها المحيطون بنا معنا، وهو ما اصطلحوا على تسميته بـ”مظهر الأنا الزجاجي”، أي أن الأسماء هي التي لديها القدرة على تحديد مدى تفاعل الفرد مع المجتمع.

وعادة ما تجلب انتباه الطفل ردود الأفعال التي تحدث من الآخرين، ويعد اسمه أحد أهم المؤثرات في شخصيته، فإذا كان محببا من قبل الآخرين أحبه هو واستمتع به، فكان محفزا له على النجاح والتميز، أما إذا كان اسمه مدعاة للتهكم من قبل المحيطين به، فإنه يمكن أن يتسبب له في الكثير من المواقف المحرجة، مما يدفعه إلى العزلة والانطواء على نفسه والفشل في حياته المستقبلية.

وبالرغم من أن الخبراء يصنفون الحكم على الأشخاص من خلال أسمائهم على أنه من السلوكات المرفوضة اجتماعيا، إلا أنهم يشيرون أيضا إلى أن الكثير من الناس يشعرون بالضيق والحرج من مجرد لفظ أسمائهم، وقد ينتهي الحال بالعديد منهم إلى العزلة والإصابة بالإمراض النفسية جراء السخرية من تسمياتهم.

هوية الإنسان تتشكل انطلاقا من الطريقة التي يتعامل بها المحيطون به معه وهو ما اصطلحوا على تسميته بـ"مظهر الأنا الزجاجي"

ويؤكدون أن هناك صلة مباشرة بين السخرية وتدهور الحالة العقلية للإنسان، حيث تسهم السخرية في زيادة معدلات المادة الرمادية في المخ، والتي تساهم بدورها في زيادة فرص الإصابة بـ “خرف الشيخوخة” في سن مبكرة.

وأوضح الباحث الأميركي دافيد فيغليو في إحدى دراساته أن أسماء الأشخاص لا تؤثر فقط على الطريقة التي ينظرون بها إلى أنفسهم بل وأيضا إلى الطريقة التي ينظر بها الناس إليهم، ودعا المجتمع إلى ضرورة الانتباه إلى هذه الناحية لتجنب ما قد ينعكس عليهم سلبا.

وحذر من إطلاق اسم يوحي بأنه لأنثى على الطفل الذكر، لأن ذلك من شأنه أن يتسبب له في مشاكل سلوكية ويعرضه للكثير من المتاعب التي من الممكن تجنبها.

وأشار إلى أن الآباء الذين يطلقون على بناتهم أسماء أكثر “أنوثة” من غيرها يمكن أن يساهموا بصفة غير مباشرة في الحد من طموحاتهن في التخصص في مجال الأبحاث والعلوم، والسبب، من وجهة نظره، يعود إلى التصور الخاطئ والمُسبق الذي يربط بين كفاءات هؤلاء الطالبات وقدراتهن العملية وبين أسمائهن مقارنة بغيرهن.

تقرير حديث للشبكة الأوروبية لمناهضة الميز العنصري يكشف أن حالات التمييز في الحصول على وظائف تبرز أيضا في عملية الانتقاء القائمة على الاسم

وأجرى فيلغيو بحثه على حوالي 1700 حرف وصوت لمعرفة ارتباط ذلك بمسألة الجنس بمعناها الذكوري أو الأنثوي، وحلل أيضا أسماء لنحو 55 ألف فتاة، فتبين له أن الأسماء الأنثوية جدا مرتبطة بمفاهيم تقليدية ونمطية لا تعكس قدرات أولئك الفتيات.

واللافت للنظر اليوم في بعض الدول الأوروبية أن الاسم يلعب دورا كبيرا في تقليل فرص صاحبه في سوق العمل. وقد كشف تقرير حديث للشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، أن حالات التمييز في الحصول على وظائف تبرز أيضا في عملية الانتقاء القائمة على الاسم.

وأوضح التقرير أن الأشخاص الذين يحملون أسماء تبدو أجنبية في بريطانيا على سبيل المثال تنخفض حظوظهم في الحصول على وظيفة بثلاث مرات مقارنة بالحاملين لأسماء بريطانية، والأمر نفسه في هولندا. وتجهل الكثير من الأسر إلى اليوم الدور الذي تلعبه الأسمـاء في حياة الأبناء بالرغم من أن الأبحــاث العلمية أكدت في أكثر مـن مناسبة أن غالبية الذين يترددون على العيـادة النفسية يحملــون أسماء غريبة استقاهـا أهلهم إمـا مـن تسميات أجدادهم المتوفين أو من مرجعيـات أخرى مختلفة لا تمت إلى حاضرهم بصلــة.

ولتجنيب الأطفال العقد النفسية والحيلولة دون ما من شأنه أن يعيق نجاحهم مستقبلا، تنصح نانسي إروين المختصة في علم النفس الأهل الذين يودون إطلاق أسماء غريبة على أطفالهم بضرورة إعطائهم أسماء وسطية عادية حتى يتمكنوا من اختيارها لمناداتهم بها إن شاؤوا.

21