أسماء الفيومي تمنح لوحاتها بعضا من الهدوء في عين العاصفة

الدخول إلى صالة "أيام الفنية" في بيروت يشبه الدخول إلى قلب سفينة فضائية تكثر فيها النوافذ الدائرية المُطلة على الكون الفسيح. النوافذ تلك هي سلسلة من اللوحات للفنانة التشكيلية السورية أسماء الفيومي، وهي من أهم الفنانين الذين بدأوا حياتهم الفنية في الستينات من القرن الماضي، واستطاعوا أن يبتكروا نصا خاصا بهم بمعزل عن التأثيرات الغربية المباشرة.
الخميس 2015/07/09
وجوه أسماء فيومي دعوة إلى الغوص من العميق إلى الأعمق

بيروت - تقدم الفنانة السورية أسماء الفيومي آخر أعمالها في الصالة البيروتية “أيام الفنية” تحت عنوان “الشاهد”، أما الكون الذي تطل عليه هذه اللوحات-النوافذ، فهو العالم الداخلي للناس -خاصة النساء- ممن يعايشون الألم السوري، فيجترحون منه سهاما ضوئية تخترق “زجاجية” اللوحة، المشغولة في أغلبها بمادة الأكريليك، وصولا إلى الناظر إليها.

الأعمال المعروضة مشغولة بنبض حيّ تعتريه شتى أنواع التقلبات، وهو على تماس دائم مع العاطفة التي تكنها الفنانة تجاه ما تريد أن تودعه في لوحتها. لكن ذلك لا يضعف من جمالية التوازن القائم ما بين عصف الشعور والأخذ التام بشروط التأليف الفني الذي يخدم مضمون اللوحة.

لوحة تعجّ بالخطوط المتشابكة التي تغور لتظهر من جديد على سطح اللوحات حتى تخترقها خطوط أخرى عمودية في أغلبها تهشم وضوح الوجوه، وتقيم الفراغ ما بين العناصر التشكيلية المتماسكة.

أما اللون فله حضور خاص ومُلتبس، فهو حينا يبدو وكأنه قطع صغيرة من شاش شرب حتى التخمة من جراح ناس اللوحة، أو هو نقطة التقاء لتكسرات لونية أو خطيّة تمنع المشهد من الانهيار التام، وحينا آخر يبدو اللون وكأنه جزء من العدائية التي تتربص بالشخوص، وعنصرا من العناصر الوحشية التي تتهددهم.

في وسط هذا العالم المجنون الذي ترسمه أسماء الفيومي توجد محطات ارتكاز واحدة تتكرر في معظم اللوحات، ولا تغرق العمل العام في الرتابة، بل تجعله في شموليته أشبه بنوافذ عديدة تطل على مشهد واحد: مشهد الألم المتكرر.

محطات الارتكاز تلك هي الوجوه البشرية المخضبة بألم صامت، إنها الوجوه-النوافذ التي يطل منها المشاهد على هول العالم المحيط، وهي الشاهد عليه في الآن ذاته.

تمتلك الشخوص المتمركزة في وسط اللوحة قوة جاذبة، إذ تستدرج كيان المشاهد المتمثل بنظره إلى ما هو خلف الطبقات “الزجاجية” المتعددة والمتراكمة التي تتألف منها لوحاتها. وما خلفها إلاّ الشعور بالفقد والقلق، ولكن أيضا بالحب والرجاء.

مجمل المواصفات البصرية التي تتميز بها المرايا والزجاج على السواء، من شفافية وكثافة وقابلية للتكسّر حاضرة في اللوحات، بيد أن أسماء الفيومي لا تُدخل لوحتها في متاهة الأسلوب التكعيبي المنغمس في شكلانيته، بل تحرص على إنشاء نص بصري يملك أبعادا إنسانية يستقي من الزجاج شفافيته، ومن المرايا قدرتها على عكس الأعماق.

الرسامة تحرص على إنشاء نص بصري بأبعاد إنسانية يستقي من الزجاج شفافيته، ومن المرايا قدرتها على عكس الأعماق

وجوه أسماء فيومي دعوة إلى الغوص من العميق إلى الأعمق من خلال شبكة من الخطوط وتدرجات الألوان، لا تنفك تتعاظم وتتضاعف حتى تشكل حقلا مغنطيسيا لا يمكن للمشاهد إلاّ الانجذاب إليه.

كما أنه أمام رقة تجريح السكين الذي استعملته في لوحاتها، وصفاء ريشتها التي لونت بها طبقات اللوحة الواحدة، لا يشعر المشاهد بأنه يدخل إلى عالم موبوء بالألم تزداد حرقته كلما نفذ إلى الأعمق، بل يشعر بأنه ثمة خلاص أكيد من هذا الموت العارم انطلاقا من الأعماق، إذ أن في وسط وعمق معظم لوحاتها التي يحيط بها العالم العدواني أودعت الفنانة “شحنة” من الحب متمثلة بوجوه لعشاق، وأخوة، وأصدقاء، وأمهات يحتضن أطفالهن.

نذكر من تلك اللوحات، اللوحة التي يغلب عليها لون وردي وتظهر فيها أم تحتضن طفلها، ولوحة أخرى يظهر فيها عاشقان نائمان لا يضهر منهما إلاّ الوجه واليد التي تحتضنه. وجوه هادئة وقدرية تمرست على كيفية البقاء خارج الألم القاتل والوحشية اللانهائية.
16