أسماء المعيكل ونظرية التوصيل في الخطاب الروائي العربي

الأحد 2014/03/30
الأفق المفتوح: الروائيون العرب والنقد الأدبي

ثلاثة تحولات شهدتها النظرية النقدية في تاريخها، فبعد أن تمركزت حول المبدع أو المرسل في نظرية جاكوبسون، انتقلت مع البنيوية والشكلانية إلى التمركز حول النص، باعتباره أبنية مغلقة على ذاتها ومكتفية بذاتها، في حين بدأ التحول الثالث مع ظهور نظرية التلقي التي أدخلت المتلقي أو المرسل إليه، في العملية النقدية، بوصفه عنصرا فاعلا في المعادلة الأدبية ثلاثية التكوين الكاتب والنص والمتلقي.

الناقدة العراقية أسماء معيكل في كتابها “الأفق المفتوح: نظرية التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر” تتخذ من الرواية العربية المعاصرة مجالا للبحث في نظرية التوصيل، مستخدمة لتحقيق هذا الهدف المنهج التحليلي الذي ينطلق كما تشير إلى ذلك في مقدمة كتابها، من البنيات الصغرى المشكلة للخطاب، وصولا إلى البنية الكلية له، مع مراعاة العناصر التي تتدخل في عملية إنتاج الخطاب وتكوينه، والتركيز على خصوصية كل خطاب وما يختلف به عن الخطابات الأخرى، على أن تكون الأدوات المستخدمة لتحقيق هذه الغاية نابعة من داخل الخطاب، دون أي استخدام للمسلّمات النقدية الشائعة.

ونظرا إلى أن أغلب الدراسات التي ظهرت حتى الآن موضوعة كانت أم مترجمة قد ركزت على الجانب النظري، فإن الناقدة تسعى من خلال دراستها إلى إثراء الجانب التطبيقي في الدراسات النقدية على مستوى هذه النظرية.


المفاهيم النقدية


تتسم الدراسة بطابعها الأكاديمي الواضح من خلال المنهجية التي اعتمدتها المعيكل، فهي تبدأ أولا وكمدخل بتحديد للمصطلحات النقدية، التي يتكون منها العنوان الرئيس الثاني للكتاب، بدءا من نظرية التوصيل التي تركز على وظيفة اللغة المتمثلة في عملية الإيصال.

ولما كانت عملية النفاذ إلى جوهر الأثر الأدبي لا تتحقق إلا عبر صياغاته الإبلاغية، فإن الدراسات الأسلوبية التي تعنى بدراسة الخصائص اللغوية للخطاب تكتسب أهميتها من خلال تحقيق هذا الهدف.

وفي هذا السياق تنوه الناقدة إلى أن المسألة مهمة وتتعلق بنظرية التوصيل واختلافها باختلاف الأنواع الأدبية، التي تتناولها، لأن التوصيل الروائي يختلف عن التوصيل الشعري، ذلك أن الدراسة تتركز في التوصيل الشعري على الشاعر، نظرا لكون الشعر هو أكثر الأجناس الأدبية ذاتية، على عكس التوصيل الروائي.

وتحدد الناقدة ستة عناصر تقوم عليها نظرية التوصيل هي المرسل والرسالة ومستقبل الرسالة والشيفرة (اللغة) التي تستخدمها الرسالة كأداة للتوصيل، ثم السياق والأداة الوسيطة التي تتم عبرها عملية التوصيل. وبعد أن توضح وظيفة كل عنصر من هذه العناصر كما حددها جاكوبسون، تنتقل للحديث عن الخطاب أو نص الرسالة، مبينة في الآن ذاته الفرق بين مفهومي الخطاب والنص وعلاقة العمل بشخصية مبدعه.

ولما كان الخطاب الروائي هو خطاب فني أولا، فإن الحديث عن الخطاب الفني يقود حكما للحديث عنه، بوصفه خطابا لغويا وموجها من مرسل إلى متلقّ، الأمر الذي يستدعي منها الحديث عن اللغة التي هي نتاج اجتماعي، يحكم كلا من المرسل والمتلقي والرسالة في آن معا.


الخطاب الروائي


تستهل المعيكل دراستها عن الخطاب الروائي بالإشارة إلى العلاقة القوية القائمة بين لغة الخطاب والفكر، باعتبار أن اللغة هي وعاء الفكر، الأمر الذي يجعل من الصعب الفصل بين الدلالة الفكرية والأسلوب الفني، أو بين الشكل والمضمون.

إن الخطاب الروائي الذي هو بنية لغوية أولا، يمكن أن يحتوي بعدا أيديولوجيا، وذلك تبعا للغة التي يستخدمها الخطاب. على مستوى آخر تتناول مفهوم المعاصرة الذي تقرن به مصطلح الرواية وهو مصطلح ذو دلالة زمنية، تعني بها أن الخطاب الروائي المعاصر لنا، حيث تحدد المدة الزمنية التي تم إنجازه فيها بدءا من عام 1970.

أما من حيث الدلالة الفكرية فهو يقترن بمفهوم الأصالة، الذي يطرح إشكالية الثنائية التي أشبعت في الثقافة العربية بحثا ودراسة، والمتمثلة في ثنائية الأصالة والمعاصرة ذات الدلالة الزمنية والفكرية، التي تشير إلى علاقة الإبداع الروائي الراهن بالتراث وقدرته على استلهام هذا الموروث وتوظيفه في إطار الرؤية الإبداعية الجديدة للكاتب.

لكن العنوان هنا يعني عكس هذه الدلالة، ما يجعلها تلخص مفهومها الخاص للخطاب الروائي العربي المعاصر بذلك الخطاب الذي ينتمي زمنيا لنهايات القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر، في حين يتخذ مفهوم الأصالة معنى يختلف عن دلالته السلبية التي تعني التقوقع والانكماش.

هنا لا تغلق الناقدة باب النقاش حول هذه المسألة، طالما أنها تظل في إطار التوصيف العام، كما هو الحال عليه في أغلب المواقف الفكرية التي تطرحها حول معنى هذه الثنائية، والعلاقة الإشكالية القائمة بينهما، والتي لم يستطع النقاد والدارسون العرب حتى الآن الوصول إلى بلورة رؤية مشتركة وناجزة للخروج من هذا الجدل المفتوح لتجسير العلاقة بين المعاصرة والتراث.


نظرية التوصيل

محاور مختلفة متعلقة بتحليل مفهوم الخطاب الروائي العربي المعاصر في ضوء نظرية التوصيل


تعترف الناقدة بصعوبة الإحاطة بجميع النصوص الروائية العربية المعاصرة، التي صدرت خلال الحقبة الزمنية التي اختارتها للدراسة، ولذلك تتخذ من نماذج روائية مختلفة مادة للدرس، مراعية في ذلك الفوارق الزمانية والمكانية التي صدرت فيها تلك الأعمال. رغم ذلك تنحصر اختياراتها في عدد من الأسماء المعروفة التي تنتمي أيضا إلى عدد من البلدان العربية.

تحاول المعيكل في الباب الأول دراسة مفهوم المبدع الذي يمثل الطرف الأول في نظرية التوصيل، مقربة في الآن ذاته جملة من المفاهيم التي تتقاطع معه كالمؤلف والمتكلم في النص والمتكلم المبدع لتنتقل في محور آخر لدراسة مفهوم رؤيا العالم وتعدد مستوياته مشيرة إلى تعدد المصطلحات التي تشير إلى هذا المفهوم (الرؤيا والرؤية ووجهة النظر) في الدراسات النقدية، لاسيما في الدراسات المتعلقة بالسرد الروائي والمتعلقة بنظريات الاتصال والتلقي. وانطلاقا من مراعاتها للتسلسل الزمني في دراسة الأعمال الروائية تبدأ بدراسة الرؤيا في رواية الكرنك لنجيب محفوظ، وكذلك في رواية سباق المسافات الطويلة لعبدالرحمن منيف، وكذلك رواية وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر ورواية الرهينة للروائي اليمني زيد مطيع دماج والتبر لإبراهيم الكوني، ورواية قطار الصعيد ليوسف القعيد ورواية العلامة لبنسالم حميش.


المبدع الناقد


تحاول الناقدة في هذا الفصل بداية الوقوف على الاختلاف القائم بين المبدع والناقد كمقدمة للحديث عن وظيفة المبدع النقدية، كما تجلت في حديث نجيب محفوظ عن شخصيات ثلاثيته الشهيرة ورواية الكرنك، وكذلك المبدع الناقد عبدالرحمن منيف في تقديمه لروايته سباق المسافات الطويلة، حيث تبرز ذائقته النقدية التي توازي ذائقته الإبداعية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى حيدر حيدر وإبراهيم الكوني وبنسالم حميش. ما يلفت الانتباه في هذا الفصل هو سهولة الأوصاف التي تطلقها الناقدة على بعض الأسماء ربما بهدف التأكيد على ما تذهب إليه من مقولات حول شخصية المبدع النقدية، مع العلم أن تلك القراءة التي يقدمها المبدع لعمله لا تخرج عن إطار نظرية التلقي، والتي لا يمكن أن تكون سوى قراءته هو له، حيث تتعدد القراءات بتعدد القراء ومكان وأزمنة القراءة.

ابتداء من الفصل الثالث تدخل المعيكل في صلب بحثها فتتناول شخصية الراوي الخارجي والداخلي وعلاقتهما بالمؤلف، وتعدد تقسيمات الراوي وأنواعه وتصنيفاته عند النقاد، متخذة من نفس الروايات السابقة مادة للبحث. وبموازاة تلك الشخصيات تتحدث عن القارئ الداخلي والخارجي من خلال ما قدمه عدد من النقاد العرب والعالميين. كما تتحدث عن شخصية القارئ المثالي والقارئ العادي، كما ظهر أيضا في دراسات عدد من النقاد العرب لعدد من الأعمال الروائية العربية.

وتفرد الباب الثالث من الكتاب لدراسة مصطلح النص، متّبعة نفس المنهج القائم على تحديد دلالة المصطلح الذي تعرّفه بأنه الحد المكمل لثنائية المبدع والمتلقي في ضوء نظرية التوصيل، ثم تتناول مفهوم النص المفتوح لدى عدد من النقاد الغربيين، وصولا إلى استكشاف معنى هذا المفهوم من خلال الدراسة التطبيقية التي تنجزها على عدد من النصوص الروائية بغية استكشاف صورة النص متعدد الخواص، والناجم عن انفتاح النص نفسه، بعد أن تراجعت نظرية الأنواع الأدبية نتيجة لتداخل الأنواع والكتابة عبر النوعية ووحدة الفنون وتفاعل الأنواع.

في هذا الصدد تتحدث الناقدة عن علاقة تيار الوعي مع تداخل الأنواع بعد أن نجم عن تطوير تيار الوعي الكثير من الانقلابات النوعية في الأدب المعاصر، تجلت في الاهتمام المتزايد بالموضوع الداخلي للروائي وبالصور الرمزية الغامضة التي تستقر في منطقة اللاوعي عنده.

وفي نهاية الكتاب تحاول المعيكل تقديم ملخص مركز لأهم ما طرحته في محاور الكتاب المختلفة المتعلقة بتحليل مفهوم الخطاب الروائي العربي المعاصر في ضوء نظرية التوصيل.

13