أسماء معيكل: الأحداث المأساوية جعلت المرأة مجالا لتصفية الحسابات

"تل الورد" قرية روائية تفقد براءتها وهدوءها، بعد أن دمرتها الحروب والصراعات والنزاعات المذهبية والطائفية والعرقية.
الأربعاء 2018/12/19
لا يمكن الكتابة عن أحداث تقع الآن

يشهد العالم العربي اليوم طفرة روائية لا تخطئها عين تحصي عدد الروايات التي باتت تصدر سنويا، وازدهار سوق الرواية، وإن كانت أسباب ذلك كثيرة، مثل انفتاح عالم النشر وانتشار الجوائز الروائية، فإن السبب الرئيسي ربما هو الواقع العربي نفسه الذي فرض حتى على الشعراء التوجه إلى كتابة السرد، حيث هو الأقدر على الإحاطة بالواقع المتشظي والمليء بالحكايات. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائية السورية أسماء معيكل التي خيرت في روايتها توثيق الواقع العربي من خلال قرية افتراضية.

تقدم الروائية والناقدة السورية أسماء معيكل روايتها الثانية "تلّ الورد" لتضعنا في قلب المأساة السورية، وذلك من خلال رؤية ملحمية حافلة بالشخصيات والأحداث والتقلبات ترتكز على واقع البلاد وما جرى من تهدم في جسدها وجسد أبنائها، حيث تتتبع حياة عائلة السيد راغد المعرّاوي وزوجته حسيبة اللاذقاني، وأبنائه عمران وربيع وباهرة، وكنّته كافي زوجة عمران وحفيده حيّان، وكيف كانت تعيش في قرية افتراضية تدعى “تلّ الورد” حياة مطمئنة هادئة، ما لبثت أن اضطربت لتتشظى العائلة ويلقى أفرادها مصائر متقاطعة تشبه مصائر الشخصيات في الملاحم القديمة.

الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، جاءت في حدود أربعمئة صفحة موزعة على تسعة فصول لافتة بعناوينها “جنّة الورد، ربيع بلا زهور وهجرة الطيور، في بيت آل عثمان، هبّات ساخنة، الجنون والعبور إلى أرض الأحلام، الدكتور، جواز سفر إلى الجنة، العودة: هوب.. هوب، حبطراش”.

قرية افتراضية

رؤية ملحمية حافلة بالشخصيات والأحداث والتقلبات
رؤية ملحمية حافلة بالشخصيات والأحداث والتقلبات

حول فكرة الرواية والوقت الذي استغرقته معيكل في كتابتها، وبخاصة أنها وقفت على مصائر الكثير من الشخصيات التراجيدية فيها، تقول أسماء معيكل “بدأت فكرة الرواية منذ أمد بعيد، فعمرها سبع سنوات، أي يوازي عمر الحرب التي ضربت سوريا منذ ربيع 2011. لم أكن أرغب في كتابة رواية تسجيلية أو وثائقية عن الأحداث في بلادي، وهذا ما أخّر شروعي في الكتابة. حينما شعرت أنني أصبحت قادرة على الفصل بين انفعالاتي بما يجري وبين ما أريد الحديث عنه في روايتي بدأت بالكتابة، وقد استغرقت كتابتها فعليا ما يقارب السنتين”.

وتوضح معيكل “لعلي لا أكتمك سرا إن قلت لك إن هذا العنوان قد خطر لي في الحلم، ففي الوقت الذي كنت فيه مهمومة بالرواية وأحداثها وشخصياتها، صحوت ذات يوم على حلم رأيت فيه عنوان روايتي ‘تل الورد‘ ولم أكن أعلم بوجود مكان بهذا الاسم، فرحت أبحث عنه، وعثرت على قرية حقيقية تابعة لمدينة حمص في سوريا اسمها تل الورد، وقرية بالاسم نفسه تابعة لكركوك في شمالي العراق، وحينما حددت الموقع الجغرافي لهذه القرية جعلتها في شمالي سوريا، فروائيا يمكنك أن ترى هذه القرية في شمالي سوريا، ولكنها في الواقع موجودة في مكان آخر”.

وتضيف “لم تكن تعنيني حقيقة وجود هذه القرية أو عدم وجودها، بل أردت من جعل القرية الافتراضية مكانا لانطلاق الأحداث لما تحتويه القرية والريف عموما على دلالات رمزية عن النقاء والطهر والبراءة والصفاء والجمال والهدوء والدعة، والحياة البسيطة، وكيف سينقلب كل شيء رأسا على عقب بفعل الأحداث الملحمية التي ستعصف بهذا المكان لتغير ملامحه بشكل كلي. لتصبح تل الورد رمزا لسوريا والعراق وفلسطين واليمن وتونس والجزائر والسودان وكل البلدان العربية وغير العربية التي دمرتها الحروب والصراعات والنزاعات المذهبية والطائفية والعرقية، وانتهكت براءتها”.

وتؤكد معيكل أن الأحداث التي عصفت بسوريا أفرزت عددا كبيرا من الروايات التي تناولت مختلف القضايا المتعلقة بالحرب الأهلية في سوريا. إذ نشط المشهد الروائي على حساب تراجع الشعر، ولعل هذا الأمر مسوغ، فما حدث ويحدث في سوريا يحتاج إلى فن يحيط بجوانبه التفصيلية، ومن الطبيعي أن تتسع الرواية لذلك بينما يضيق الشعر عنها. لكن يمكن القول إن بعض تلك الروايات كانت متعجلة ولم تخرج عن نطاق التسجيل والتوثيق الصحافي، وبعضها الآخر كان منحازا أو متحمسا لرؤية ما، وبعضها لم تكن رؤيته واضحة، وغالبا ما يحدث هذا حينما تكون الكتابة موازية للحدث، فلا بد من وجود فاصل بين زمن الأحداث الفعلية وزمن الكتابة السردية ليصل الكاتب إلى رؤية موضوعية لما يجري، لأن “شدة القرب حجاب” كما يقول ابن عربي.

وتشير معيكل إلى أن الوضع العربي في حالة مزرية أكثر مما هو الحال عليه في التخييل والرواية.

الرواية والنقد

كل الشخصيات النسوية تعاني من القمع الذكوري
كل الشخصيات النسوية تعاني من القمع الذكوري

تلفت أسماء معيكل إلى أنها حين شرعت في كتابة “تل الورد” حاولت الانفصال عن تجربتها النقدية واهتماماتها بالدراسات النسوية، تقول “فعلت ذلك خشية أن يمسخ الحس النقدي شخصياتي فيجعلها شخصيات جامدة ومجردة بلا روح تنطق بأفكاري، وجعلتها من لحم ودم تعبر عن نفسها، وكثيرا ما كانت الشخصية هي التي تقودني لا أنا من يقودها، فهناك شخصيات نمت وسارت في خط لم أكن قد حدّدته لها، ولكن هذا لا يمنع من وجود آثار لوعيي النسوي تحديدا الذي جعل شخصياتي النسوية كلها تعاني من القمع الذكوري، بعد أن أصبحت المرأة في ظل الأحداث المأساوية مجالا لتصفية الحسابات والانتقام بين الأطراف المتصارعة، فشخصياتي النسوية كلها تعرضت للقهر والاغتصاب، ولكنها لم تستسلم وقاومت حتى النهاية، فمثلا شخصية حسيبة اللاذقاني، احتجت على قهر ابنها المتطرف لها بإجبارها على الاستتابة بمسحه من ذاكرتها وأوقفت الزمن عند مرحلة ما قبل الاستتابة. فالنساء في تل الورد حللن مكان الرجال في أعمال كثيرة بعد أن خلت تل الورد من رجالها بسبب القتل أو الخطف والاعتقال، فصرن يقمن بمختلف الأعمال التي تصنّف على أنها أعمال ذكورية”.

وترى معيكل أن اهتمامها بالنقد والنقد الروائي خصوصا بدأ مبكرا منذ كانت على مقاعد الدراسة في الجامعة، ثم جاء تخصصها في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في الدراسات السردية ونقد الرواية ليعزّز هذا الاتجاه عندها، لكن وعيها بالتناقضات والثنائيات الموجودة في المجتمع منذ كانت طفلة صغيرة ولا سيما الفروقات بين المرأة والرجل، كان يشدها إلى الدراسات الثقافية والجندرية، ولذا وجدت نفسها تغوص في هذا المجال طويلا، ونتج عن ذلك مشروعها النقدي الذي استغرق سنوات من البحث الدؤوب والحفر عميقا في أحوال المرأة والمجتمع وإعادة تمثيل هذا الواقع من منظور السرد النسوي، لتصل إلى تفكيك المركزية الاجتماعية المتعلقة بهيمنة الذكورة واستبدادها، وظهور مركزية الأنوثة في المقابل، ثم تجاوز هذه المركزية في ما بعد والوصول إلى الاعتدال في التعامل مع هذه الظاهرة والإقرار بخصوصية كل من الذكر والأنثى بعيدا عن التفاضل.

تقول الروائية السورية “لا يزال هناك الكثير ليقال، فموضوع الدراسات الجندرية والثقافية يتجدد بتجدد مجريات الواقع والتحولات التي نشهدها على الأصعدة كافة في مختلف أرجاء العالم. أما ما يخص الحراك النقدي، فمن الواضح أنه انحسر قليلا ولم يعد كما كان عليه الحال في السابق، فكمّ الدراسات النقدية لا يتناسب مع غزارة المنتوج الإبداعي ولا سيما الرواية، وباتت الدراسات النقدية لصيقة بالمختصين أو لقضايا البحث الأكاديمي”.

14