أسمرة.. قطعة من إيطاليا في قلب أفريقيا

الخميس 2013/09/05
الصيدلية تبدو أقرب إلى متحف

أسمرة – تفاجئ أسمرة زائرها لأول مرة، فهي مختلفة تماما عن الصورة النمطية للمدن الأفريقية، كما أن جوها المعتدل وخضرة الجبال وشوارعها الأنيقة ومبانيها المميزة، تجعله يشعر بأنه في إحدى مدن شمال إيطاليا لا في قلب شرق أفريقيا.

أول ما يلفت انتباه السائح الأجنبي الزائر للعاصمة الإريترية أسمرة هو طرازها المعماري الفريد، فعاصمة أحدث دول القارة الأفريقية استقلالا، إريتريا، بنيت خلال فورة طراز "الأرت ديكو" في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.

ونجت أسمرة من ويلات الحروب العديدة التي شهدتها إريتريا خلال الستين عاما الماضية، عكس المدن الإريترية الأخرى التي أوشكت على الاندثار، ولذا تعتبر زيارة العاصمة الإريترية عودة إلى عهد ازدهار المستعمرة الإيطالية السابقة.

تقع أسمرة على طرف المنحدر الشرقي من الهضبة الإريترية على ارتفاع أكثر من ألفين وخمسمائة متر عن سطح البحر، وتوفر المدينة التي شرع في بنائها بداية القرن الماضي فرصة للتعرف على ثقافة هجينة متميزة ومعمار فريد. تنتشر المقاهي ذات الطراز الإيطالي في كافة أرجاء أسمرة، وتشتهر المدينة بأنها تقدم أفضل قهوة إيطالية خارج إيطاليا. نمط الحياة في المدينة ذات الأربعمائة ألف ساكن هادئ، و"التمشي" في وسط أسمرة بعد العصر من العادات التي ورثها الإريتريون عن الإيطاليين.

جادة الاستقلال هي الطريق الرئيسي بأسمرة وقلب العاصمة الإريترية النابض وتقع معظم معالم المدينة بالقرب منها، والجادة الجميلة التي شقت منذ أكثر من قرن مزدانة بأشجار نخيل استوائية وكروم زينة غير مثمرة، كما تمثل الجادة مركز التسوق الرئيسي بالمدينة، وتنتشر على جانبيها المقاهي الحديثة والكلاسيكية.

تخترق جادة الاستقلال مدينة أسمرة من الشرق إلى الغرب وتعد معرضا مفتوحا للعديد من الطرز المعمارية المتميزة، وسيستوقف السائر في الجادة ـ من الشرق إلى الغرب ـ عدد من المباني والمنشآت، أولها أعمدة قصر الحاكم العام "الكورنثية" المبني على الطراز "الكلاسيكي الجديد"، وهو مبنى جميل تحيط به حدائق غناء مدهشة، فجوّ أسمرة المعتدل سمح بجمع توليفة فريدة من النباتات التي تنمو في بيئات مناخية مختلفة، وقد تم تحويله إلى متحف وطني، وليس بإمكان أي زائر للمدينة أن تفوته مشاهدته، ويعرض المتحف لكفاح الثورة الإريترية الطويل لتحرير البلاد، إضافة إلى اللقى الأثرية التي يزيد عمرها عن ألفي سنة وآثار من مختلف الحقب التاريخية التي مرت خلالها البلاد، كما يعرض المتحف لثقافات القوميات التسع المكونة للشعب الإريتري. وتأتي بعد قصر الحاكم أروقة مبنى الأوبرا الخرافي والمبني على الطراز "الرومانطيقي" وشيد عام 1920، أما المبنى التالي وهو الكاتدرائية الكاثوليكية في أسمرة فتعتبر أفضل مثال على الطراز "اللومباردي ـ الرومانطيقي" خارج إيطاليا، وفي أقصى غرب الجادة يقع مبنى سينما امبيريو، المبني على طراز "الأرت ديكو"، ويستوقف شكله المتميز والغريب السياح الذين عادة ما يلتقطون صورا لهذا المبنى الفريد. أما مسجد المدينة الرئيسي، جامع الخلفاء الراشدين القريب من جادة الاستقلال فيمثل هو الآخر مثالا رائعا للعمارة الإسلامية المطعمة بطراز محلي وإيطالي، خصوصا وأنه بني من المرمر الإيطالي الفاخر. وتبقى كذلك الكنيسة الأرثوذكسية التي بنيت بأسلوب مبتكر، وتبدو من بعيد وكأنها قلعة، أما الكنيس اليهودي بالمدينة فيحوي أمثلة لبعض أجمل المنحوتات الخشبية بالإضافة إلى نسخ نادرة من التوراة اليهودية مكتوبة بخط اليد.

ومن النماذج المعمارية الرائعة بالعاصمة الإريترية المقر الإداري للحكومة المركزية، ومسرح أسمرة الكبير الذي شيد عام 1918 ومبنى البلدية، وجميعها تحف معمارية مدهشة. وتنتشر المباني السكنية المبنية على طراز "الأرت ديكو" في جنوب أسمرة بالأخص، وتوجد نماذج رائعة من هذا الطراز في شمال المدينة أيضا وإن كانت معظمها مباني حكومية.

الثقافة والأسواق المحلية.

النادي الرياضي.. هنا تقدم وجبات الطعام السريعة

التجول في أسواق أسمرة الشعبية يشكل متعة غريبة، فالمنتجات والمحاصيل المعروضة للبيع قد تكون غير مألوفة للزائر الغريب، ومما يجد شراءه وبسعر زهيد التحف الخشبية التقليدية، التي تصنع من أخشاب استوائية جميلة وتطعم بمواد محلية. كما يتميز الإريتريون بأدوات خزفية خاصة بهم تستخدم بالأخص للطبخ وصناعة القهوة التقليدية. ويجدر بزائر أسمرة أن يشرب عصير "الباباي" الطازج الذي تبيعه العديد من المقاصف والكافتيريات المتخصصة، كما أن شرب القهوة المحلية التي ما زالت تحضر بالطريقة التقليدية يعتبر تجربة مهمة. فالإريتريون من أوائل الشعوب التي عرفت نبتة "البن" وصنعوا من حبوبها "القهوة"، ومن قشر الحبوب مشروبا محليا آخر يعرف بـ"القشر" أو "القشير"، وما زال البن يحضر بنفس الطريقة منذ مئات القرون ويشرب قهوة أو قشرا.

أما إذا كنت ترغب في الابتعاد عن الأسواق الشعبية بأسمرة والتمتع بعصائر الفواكه الاستوائية الطازجة فعليك بمقهى "سيتي بارك" الجميل والقريب من جادة الاستقلال. وللمقهى حديقة غناء صغيرة، يقدم المشروبات الخفيفة والقهوة الإيطالية بأنواعها المختلفة.

ومن مناطق الجذب السياحي بالعاصمة الإريترية وجوارها، مقبرة الدبابات! وهي أكبر مقبرة للآليات العسكرية في العالم حيث تضم ركام آليات عسكرية من كافة الحروب التي شهدتها إريتريا، فتوجد بقايا آليات عسكرية بريطانية وإيطالية وروسية وإثيوبية ويمنية جنوبية وكوبية وغيرها. ومشاهدة الكم الهائل من العتاد الحربي، في الميدان الضخم على طريق المطار تثير الحزن والرهبة في نفس الوقت.

20