"أسوار القمر": الإتقان الحرفي وحده لا يكفي

يعيدنا فيلم "أسوار القمر" للمخرج المصري طارق العريان إلى التساؤل حول معنى الفن عموما، وهل يمكن الاكتفاء بعرض حالة نفسية فقط دون التعمّق في فهم دلالاتها ومحاولة البحث عما يكمن خلف الحالة الظاهرية المضطربة من أشياء تمسّنا، يكشف لنا الفيلم عنها ومن خلالها، وما يمكن أن يكون قد خفي علينا.
الجمعة 2016/04/08
امرأة حائرة في الاختيار بين حبيبين

هناك شيء ما مقتبس من الفيلم الأميركي الشهير “انتظر حتى يحل الظلام” (1967) للمخرج تيرنس يونغ، وشيء آخر من فيلم “منطقة الخوف” (طبعة مارتن سكورسيزي عام 1991)، في الفيلم المصري “أسوار القمر” للمخرج طارق العريان.

وربما تكون هناك جوانب وتفاصيل أخرى كثيرة تتعلق بالصورة، مقتبسة من أفلام المغامرات الأميركية، لكن بينما كان “انتظر حتى يحل الظلام” (بطولة أودري هيبورن) يعتمد على مسرحية بالاسم نفسه لفردريك نوت، ويبحث كيف يمكن أن تهزم الإرادة الإنسانية القوة الغاشمة، وكان “منطقة الخوف” -الذي أنتج مرتين- مأخوذا عن رواية لجون ماكدونالد يبحث في المغزى الأخلاقي لفكرة الانتقام، يعتمد فيلم “أسوار القمر” على سيناريو لمحمد حفظي، الذي يحاول تقديم دراما مجردة المعالم، لا ترتبط بالواقع المصري في زمان محدد ولا تحمل ملامح محددة، فمن الممكن أن تدور أحداث الفيلم في أي زمان ومكان.

قد تكون هذه ميزة، لو عرف كاتب السيناريو كيف يستنبط من الصراع بين الشخصيات، ما ينقل الحبكة إلى مستوى أبعد من مجرد الإثارة السطحية الخارجية التي تحاكي -في ملامحها- ما نشاهده في الكثير من الأفلام ومسلسلات التليفزيون الأميركية الاستهلاكية، ولكن هذا تحديدا ما يفشل فيه الكاتب، وبالتالي يظل الفيلم يدور حول نفسه، دون أن ينقل إلى المشاهدين فكرة فلسفية أو يوصل قيمة إنسانية، فبعد أن تضاء أنوار القــاعة، لا يبقى شيء في الذاكرة.

ثلاث شخصيات

تتركز أحداث الفيلم حول ثلاث شخصيات فقط، وهو اختيار جيد يتيح لكاتب السيناريو التركيز والاقتصاد وتجسيد التباين في الملامح والقسمات في ما بينها، لكنه رغم ذلك، لم ينجح في ذلك، فقد بدا مغرما بالتلاعب بالحبكة أكثر من تعميق الشخصيات، وبتصوير مشاهد المطاردات بالسيارات والصراع في الماء بين البطلين، أكثر من اهتمامه بمنح الصراع أبعادا أخرى تتجاوز الصراع على امرأة.

هناك أولا شخصية “زينة” (تقوم بالدور منى زكي)، وهي الشخصية المحورية التي يدور الصراع حولها بين رجلين.. يبدأ الفيلم وهي فاقدة للبصر والذاكرة، بينما يتصارع كل من أحمد ورشيد، لنعود على شكل “فلاش باك” أو استرجاعات سريعة إلى الماضي، لنعرف أنها كانت فتاة تبحث عن الحب، تعثر عليه أولا في شخص أحمد (آسر ياسين)، لكنها تمل حياة الوحدة والتكرار وتتطلع إلى علاقة حب فيها نوع من الإثارة التي تتفق مع ميل دفين لديها إلى التحرر والمرح والتمرد على السائد، فتتعرف على رشيد (عمرو سعد) وتتزوجه وتعيش معه حياة مليئة باللهو والسهر واحتساء الخمر وتعاطي المخدرات.

الفيلم يحاول تقديم دراما مجردة المعالم، لا ترتبط بالواقع المصري في زمان محدد ولا تحمل ملامح محددة

وفي المقابل، يشعر رشيد بالغيرة الشديدة إذا ما اقترب منها أي رجل، ويبدأ في معاملتها بخشونة ويضربها، ثم يبكي بين يديها، يستعطفها أن تغفر له، ومع تكرار اعتداءاته العنيفة عليها، تطلب منه الطلاق، لكنه يرفض فترفع قضية “خُلع” ضده، ثم يبدأ صراع ضار بين الرجلين على امتلاك قلب زينة، وخلال المطاردة بينهما يقع حادث تفقد زينة على إثره بصرها، كما تفقد الذاكرة.

إلى هنا والبناء يسير بشكل منطقي طبيعي، ولكن من خلال أسلوب القفز من الحاضر إلى الماضي وبالعكس، مع استعادة زينة للأحداث تدريجيا في ذاكرتها وهي تستمع إلى ما سبق لها أن قامت بتسجيله بصوتها على هاتفها المحمول، تكتشف زينة، ونكتشف معها، أن الأمر قد اختلط عليها، وأن أحمد ليس هو الرجل الوديع الذي يحبها كما كانت تتخيّل، وكما رأينا نحن، وليس هو من تزوجته، بل هو الشخص الشرير الذي يمثل خطرا شديدا عليها، وأن من كان يُفترض أنه الشرير، أي رشيد، هو في الحقيقة الرجل الطيب الشهم الذي أحبها بصدق، وهو من تزوجته فأثارت بذلك غيرة أحمد المجنونة.

عند هذه النقطة تسعى زينة إلى الهرب من أحمد وإنقاذ رشيد من بين يديه، لكنه يطاردها، ثم يدور صراع طويل عنيف بين أحمد ورشيد، وصولا إلى النهاية السعيدة بعد مشاهد عنيفة مليئة بالإثارة.

تدور معظم أحداث الفيلم على متن يخت تملكه زينة ويتناوب الرجلان عليه مع تناوب ارتباطهما بها، هذا اليخت يوجد قرب ساحل مدينة الغردقة، وهو ما أتاح الفرصة للتصوير في البحر وفي مكان صخري مهجور قرب البحر، ولكن دون أن يصبح اليخت معادلا دراميا مثلا لعالم زينة المهتز وهي التي يفترض أنها لا تعرف بالضبط ماذا تريد؟

في داخل زينة تناقض واضح ينعكس على اختيارها الأول لشخصية أحمد قبل أن تشعر بالملل من حياتها معه، لتتركه بعد خمس سنوات من الخطوبة، ثم تتزوج من رشيد المتهوّر الغيور، لينتهي الأمر إلى الطلاق منه رغما عنه بالخلع، مما يشعل ثورة غضبه، وهذا بالطبع قبل أن تنقلب الأدوار ويصبح أحمد هو رشيد ورشيد هو أحمد، دلالة على الاضطراب العقلي الذي حدث لزينة بعد الحادثة التي تعرضت لها.

مشكلة الفيلم أنه لا يمنح ذلك الصراع بين الرجلين أبعادا درامية تتجاوز السطح على عكس ما رأيناه مثلا في فيلم “منطقة الخوف” الذي نقله سكورسيزي إلى مجال فلسفي، وجعله يطرح تساؤلات حول الدوافع الأخلاقية التي يمكن أن تدفع رجلا إلى الرغبة في الانتقام بالاعتداء والتدمير ضد رجل آخر تسبب في الماضي في الحكم عليه بالسجن، بينما لم تكن هناك أدلة كافية متوفرة ضده أمام القضاء، فهل يستحق الرجل الأول، الذي هو مذنب بالفعل في ما ارتكب رغم وجود دليل قوي ضده، ما جرى له؟ أم أن المدعي الذي تسبب في سجنه 15 عاما، هو الذي أذنب عندما تلاعب بالقانون، وأصبح بالتالي يستحق أن ينزل به وبأسرته الانتقام من جانب الرجل الأول؟

صراع لا نهاية له

ولا شك أن سكورسيزي نجح أيضا في إضفاء ملامح “خاصة” على الصراع الضاري بين الرجلين، فجعله كالصراع بين الخير والشر، بين النظام والفوضى، وبين الإنسان والشيطان، أي صراعا لا نهاية له.

يستمد “أسوار القمر” عنوانه من حديث لأحمد مع زينة يذكر لها كيف أن والده كان يروي له عن مكان معزول يذهب إليه الأحياء للقاء الموتى، غير أن المشكلة لا تكمن في كون الدراما مجردة أو تحدث في ما وراء الزمان والمكان، لكن في غياب القدرة على إكسابها أبعادا فلسفية ورؤية إنسانية أكثر شمولية، فالحديث عن الأحياء والأموات، يبدو حشوا لا طائل من ورائه، فموضوع الفيلم ليس الموت، بل سوء الاختيار الذي ينتج عنه صراع وفوضى وعنف، في إطار فيلم من نوع “الأكشن”، يقوم على المبالغة في تصوير الصراع بين رجلين على قلب امرأة، وتصوير أزمة امرأة حائرة في اختيار الحبيب المناسب.

والمشكلة الثانية أن الفيلم يفشل في تجسيد التباين بين شخصيتي أحمد ورشيد، فبناء السيناريو الذي يقوم على تبادل الأدوار في ما بينهما، يسقط المتفرج في حيرة عندما يجعلنا نتساءل: وما الفرق بين الاثنين؟ فكلاهما يمكن أن يكون عنيفا، وكلاهما لم تعثر زينة على سعادتها معه، فلماذا تعود إلى من سبق لها أن رفضته؟ وهل المسألة كلها تتعلق بمن يحب زينة أكثر أم بمن تحبه زينة أكثر؟ فلا يبدو مفهوما لماذا تركت زينة الأول لتذهب إلى الثاني، ثم عادت للأول دون أن تعرف كيف تتخلص من الثاني؟

الفيلم يحاول أن يتفلسف فقط بالقول إن زينة أساءت الاختيار عندما كانت مبصرة، لكنها بدأت ترى الأشياء بشكل أفضل بعد أن فقدت البصر، وهي رؤيـة ساذجة على أي حال!

جهد في الإخراج

لا شك أن هناك محاولة جادة لصنع فيلم مختلف عما هو سائد في السينما المصرية عموما، والتطلع لطرق مناطق أكثر وعورة على الصعيد السيكولوجي، والتخلي عن التعليق الاجتماعي المباشر الساذج على الواقع.

ولا أحد يمكنه أن يشكك في الجهد الكبير الذي بذله الممثلون الثلاثة مع الممثلة الرابعة في الفيلم سلوى محمد علي، التي قامت بدور والدة زينة، ولا شك أن هناك جهدا كبيرا بُذل في التصوير والإخراج واستخدام المؤثرات الخاصة والمونتاج رغم وجود الكثير من اللقطات والمشاهد المنقولة من أفلام أميركية، إلاّ أن العامل الفني القاتل في الفيلم تمثل في الموسيقى المصاحبة التي أفسدت، بل ودمرت الكثير من المشاهد التي لم تكن في حاجة إلى الموسيقى أصلا، ومعظمها مشاهد حوارية تدور داخل سيارة من سيارات الدفع الرباعي (وما أكثر مشاهد الحوارات داخل السيارات في هذا الفيلم)، فقد طغت نغمة الكمان الحادة على أصوات الممثلين، وصنعت في الكثير من الأحيان، “نشازا” أفسد الصورة بدلا من أن تصبح الموسيقى مكمّلا لها.

كانت نغمة التشيللو تكفي تماما للتعبير عن المشاعر المتصارعة مثلا، لكن نغمة الكمان الحادة كانت تصعد فجأة لتطغى بصورة مزعجة على الصوت الطبيعي في المشهد وعلى الحوار بين الممثلين، حيث يستحيل أحيانا متابعة ما يدور.

سيظل استخدام موسيقى الأفلام في السينما المصرية عموما في حاجة إلى إعادة نظر وإلى تطور حقيقي، فليس المطلوب من مؤلف الموسيقى -وهو هنا هشام نزيه- أن يجعل الموسيقى بديلا للمعنى الذي يصل إلينا من خلال الصورة والأداء التمثيلي، كما أن هناك فرقا كبيرا بين الموسيقى التعبيرية الخافتة التي تغلف الصورة وتمنحها تعبيرا خفيا هادئا، والموسيقى الصاخبة التي تطغى على الحدث نفسه، كذلك يجب استخدام الموسيقى بحرص بالغ وليس الإفراط في جعلها تطغى على مشاهد الفيلم دون ضرورة حقيقية. تلك “الآفة” موروثة من الموسيقى “التصويرية” التي كتبها فؤاد الظاهري في الخمسينات والستينات وأفسدت العشرات من الأفلام المصرية الجيدة، ولكن لا أحد يهتم لها الآن بعد أن أضحت ثقافة الضجيج جزءا أصيلا من الثقافة السائدة!

16