أسوار بغداد أبعد اليوم من أسوار دمشق

الأحد 2015/10/18

إذا كان الرئيس فلاديمير بوتين قد قال فعلا إن الأميركان قد خططوا لتدريب 12 ألفا ضمن برنامج الجيش الحر، وانخفض العدد إلى ستة آلاف، وفي النهاية دربوا 60 شخصا لم يقاتل منهم سوى أربعة أو خمسة، لكنهم أنفقوا على ذلك 50 مليون دولار، وكان من الأفضل لو أعطونا هذه الملايين لكنا استثمرناها بشكل أفضل في مكافحة الإرهاب، فهذا يعني أن الرجل أصبح خطرا حقيقيا على هيبة الولايات المتحدة ومصداقيتها.

حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم في حكومة بغداد يصرحون علنا أنهم يرحبون بالتدخل الروسي في العراق. ويقول كريم النوري رئيس الحشد الشعبي العراقي إن الضربات الروسية على داعش أكثر جدية من تلك التي تقوم بها الولايات المتحدة، وقد يتطور التحالف الرباعي إلى طلب رسمي بتدخل بري للقوات الروسية. محلل سياسي عراقي يقول إذا كنا نرحب بمستشارين عسكريين من 60 دولة ما الضرر إذا أصبحوا 61 دولة بعد تدخل الجيش الروسي؟

على الولايات المتحدة البحث عن حليف جديد بعد انتقال شيعة العراق بقوة إلى الحاضنة الإيرانية والروسية بشكل علني

رئيس تشخيص مصلحة النظام الإيراني السيد رضائي يصرح بأن العراق وسوريا يتحولان إلى مقبرة لداعش، وأنباء عن زحف 1500 جندي إيراني إلى الأراضي السورية للمشاركة في المعارك، كما شوهد مؤخراً الجنرال قاسم سليماني يلقي خطابا في سوريا على الجنود الجدد، وطهران تعلن رسميا استعدادها التدخل العلني المباشر إذا طلبت الحكومة في دمشق ذلك.

القادة الشيعة في العراق -من جهتهم- قد تمكنوا الآن وعندهم أصدقاء أقوياء بالمنطقة وربما سيتخلصون من أميركا، فهم لا يثقون بها ويعتبرونها حليفة الوهابيين والخليج. إنهم يعلمون جيدا أن مصادفة الصراع الـ”سني- سني” بين صدام حسين والخليج هي التي جلبتهم إلى الحكم في بغداد، وهم فعلا يخافون الغدر الأميركي.

إن مصير كل من صدام حسين والشاه وحسني مبارك ماثل أمامهم فلا أمان مع أميركا؟ إيران أقرب لهم ولا تتخلى عن حلفائها بسهولة.

يمكنهم الفرار بعوائلهم إلى طهران مع ثرواتهم إذا حدث انقلاب أو احتلال جديد، فلا يحدث لأولادهم ما حدث لأولاد صدام حسين الذين ذبحوا كالخراف، وتم عرض جثامينهم في خيمة لعدة أيام. والقادة الشيعة أنفسهم يخافون مصير القادة العراقيين السابقين بعد كل خدماتهم الجليلة للولايات المتحدة.

وبسبب القوات الروسية المنافسة لواشنطن سيتحتم على الولايات المتحدة البحث عن حليف جديد بعد انتقال شيعة العراق بقوة إلى الحاضنة الإيرانية والروسية بشكل علني. إلقاء الأسلحة الأميركية الحديثة من الجو على الأكراد سيعقد المشكلة مع أردوغان وتركيا، وإلقاؤها بشكل عشوائي على المسلحين السوريين سيجعل من احتمال بيعها للإرهابيين أو خسارتها في المواجهات أمرا ممكنا.

الأحزاب الشيعية جلبت الاحتلال الأميركي بتصميم، فهم أصحاب الأرض، ويستطيعون جلب الروس بدلا من الأميركان إذا أرادوا. شيعة العراق يحملون ذكريات مريرة عن إخلاصهم للدولة العثمانية وقتالهم للإنكليز في ثورة العشرين ومقاومتهم للاحتلال البريطاني الأمر الذي فوّت عليهم فرصة الحكم لسبعين سنة منذ تأسيس الدولة العراقية. لهذا هم اليوم يحكمون من خلال غرفة عمليات شيعية مشتركة تجمع خبراء إيران والعراق وسوريا وحزب الله اللبناني. قلقهم من فقدان العرش ببغداد لا حدود له.

ربما الولايات المتحدة مضطرة إلى التعاون مع سنة العراق الذين كانوا أصدقاء قدامى للإنكليز وهم الوجه العلماني والقومي للعراق السابق قبل سنة 2003.

كان السنة دائما محبين للوظائف والشهادات العلمية والجندية، يمتازون بالانضباط والطاعة العمياء للدولة. هذه الطبقة من الإداريين والموظفين والتجار مازالت موجودة في العراق، وكانت في حالة سبات بسبب قوة الأحزاب الشيعية وكذلك بسبب رفض الأجنبي لهم وتحالفه مع السيستاني.

الآن هذه الطبقة تزحف بحنين لا يوصف نحو فرصتها التاريخية التي تلوح في الأفق مع وصول القيصر الروسي للمنطقة وبوادر فراق شيعة العراق للأميركان بشكل علني.

المشكلة الوحيدة هي أن إيران قد استثمرت الزمن منذ اليوم الأول لاحتلال العراق بشكل جيد، وحوّلت السنة بالقمع الثقافي والديني والجسدي إلى حاضنة للإرهاب والتطرف الديني. لقد تهشمت العقيدة الوطنية التي تميّز بها هؤلاء الناس كل تلك العقود. سيتحتم على الوطنيين قتال الدواعش والسلفيين، حرب ضروس بين “سنة أميركا” و”سنة داعش” لغرض الفوز بثقة الولايات المتحدة والإنكليز.

مجرد حرب في سبيل إقليم محطم ومدمّر وفقير. لن يستعيد سنة العراق التاج والملك ومجدهم الغابر الذي فقدوه ببغداد أبدا، والإقليم لن يأتي إلا على جماجم وثارات وأحقاد. الإقليم الشيعي -من جهته- سينأى بنفسه في تحالف مع إيران وروسيا يضمن مكتسباته في الحكم. وفي النهاية أسوار بغداد أصبحت بعد الغزو الروسي أبعد على السنة من أسوار دمشق.

رُزِقْتُ مُلْكاً فَلَمْ أٰحْسِنْ سياستهُ

وكلُّ مَنْ لا يسوسُ المُلكَ يخلعَهُ

ابن زريق البغدادي

كاتب عراقي

6