أسوار مجتمعية غير مرئية في ألمانيا

الخميس 2017/10/05
تزايد حالات التطرف يهدد المقاربة الألمانية في مكافحة الإرهاب

برلين – تحت شعار “حسن الجوار.. مجتمع أفضل” فتحت المئات من المساجد في ألمانيا الثلاثاء الماضي، أبوابها للزائرين ضمن فعاليات “يوم المساجد المفتوحة”، الذي تم تنظيمه للمرة الحادية والعشرين على مستوى ألمانيا، ويتزامن مع الاحتفالات بيوم الوحدة الألمانية، وهو ما يؤكد على أن لا بديل عن مدّ جسور التواصل والتعارف والاحترام والتضامن، ويعزز أيضا أهمية التعايش السلمي، خصوصا في ظل حالات الاحتقان في هذه الأوقات المحتدمة على المستوى السياسي والمجتمعي، وذلك بعد علوّ صوت حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني الشعبوي، ونجاحه في الانتخابات مما جعل الجمعيات الإسلامية مضطرة إلى المزيد من بذل الجهود لإقناع المواطنين بمميزات المجتمع المتنوع، وتعزيز قيم التسامح والقبول بالمختلف لديها، وقاية من مخاطر الوقوع في فخاخ الإرهاب.

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، حذر خلال الاحتفال بالذكرى السنوية السابعة والعشرين لتوحيد شطري ألمانيا في مدينة ماينتس، من بناء أسوار جديدة في المجتمع، ودعا إلى التعامل الصادق مع مشكلة اللاجئين، وأشار إلى أن السور الكبير الذي قسم ألمانيا سقط، لكن نتائج الانتخابات التي جرت في 24 سبتمبر الماضي أظهرت أن “هناك أسوارا أخرى أقل وضوحا نشأت من دون أسلاك شائكة وممرات موت”.

وانتقد شتاينماير أيضا وجود أسوار بين الفقر والثراء والمدينة والريف والمتصلين بالإنترنت وغير المتصلين به، وقال “الأسوار تحيط بغرف ارتداد الصدى في الإنترنت، حيث يصبح الصوت دائما أكثر ارتفاعا وحدّة”.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن البرلمان الألماني قد وافق في يونيو الماضي على تشريع يتيح للسلطات تغريم شبكات التواصل الاجتماعي بما يصل إلى 50 مليون يورو إذا لم تحذف منشورات تنطوي على كراهية على الفور رغم تحذيرات من أن القانون قد يحدّ من حرية التعبير.

الجهاديون يتم تصويرهم على أنهم أبطال، والزواج من مجاهد أعظم شيء في تصور بعض الفتيات المتحدرات من هذا الوسط

وسيبدأ المحافظون بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، محادثات في الأسابيع المقبلة لتشكيل ائتلاف جديد مع أعضاء حزب الخضر الذين امتنعوا عن التصويت لصالح القانون ومع الحزب الديمقراطي الحر الذي عارضه صراحة.

وأمهل القانون الجديد الذي دخل حيّز التنفيذ الأحد الماضي شبكات التواصل الاجتماعي 24 ساعة لحذف أو حجب المحتوى الإجرامي الصريح وسبعة أيام للتعامل مع حالات أقل حدّة مع إلزام الشبكات بالعودة إلى الشخص الذي قدم الشكوى وإبلاغه بطريقة تعاملها مع البلاغ.

وقال المتحدث الرقمي باسم حزب الخضر قسطنطين فون نوتز لرويترز إن حزبه سيضغط من أجل “بداية جديدة” في الكثير من الأمور ومنها قانون خطاب الكراهية والأمن الإلكتروني.

وبالعودة إلى الأسوار التي عبر عنها الرئيس الألماني بقوله “أسوار الاغتراب وخيبة الأمل والغضب”، وهي إشارة إلى تنامي التطرف واستفحال خطابات الكراهية من جهة القوى اليمينية وحركاتها الناشطة من جهة، وكذلك الأوساط المسلمة في المجتمع الألماني من جهة أخرى، إذ أفادت تقارير حقوقية أن الهيئة الألمانية الاتحادية لشؤون الهجرة واللاجئين قد تلقت عبر خطها الساخن بلاغات متزايدة من مدرسين وأخصائيين اجتماعيين عن رصد ميول إسلامية متطرفة بين تلاميذ في المرحلة الابتدائية، وقال فلوريان أندريس، الخبير في مركز الاستشارات لمكافحة التطرف في مدينة نورنبرج، إن “أطفال السلفية” ظاهرة جديدة بدت بكثرة على مدار الأشهر الماضية.

وذكر أندريس، أن التنشئة الاجتماعية لمعظم هؤلاء الأطفال منبثقة من محيط سلفي، مشيرا إلى أن آباء هؤلاء الأطفال متطرفون بالفعل، موضحا أنه يجرى حاليا رصد هذه الظاهرة بدقة، حتى لو كان الأمر يتعلق حتى الآن بحالات فردية.

وأوضح أندريس أنه يتعين توجيه الإرشاد إلى الآباء أولا إذا أردنا مساعدة هؤلاء الأطفال، وقال “هذه مهمة صعبة للغاية”، مشيرا إلى أنه يتعين على سلطات أخرى مثل مراكز رعاية الشباب، التدخل في حال كانت مصلحة الأطفال في خطر، موضحا أن هذه الحالات لا توجد فقط بين الأسر المهاجرة، بل أيضا بين بعض الأسر الألمانية التي يعتنق فيها الأب والأم الإسلام، ويقدم أخصائيو مركز الاستشارات لمكافحة التطرف المساعدة إلى الأسر التي ينجرف فيها الأطفال والمراهقون إلى التيار الإسلامي المتشدد.

الخصوصية الألمانية في معالجة ومحاصرة أسباب التطرف معرضة لهزات وانتكاسات وتراجعات بسبب الأحداث الإرهابية، لكن الآمال مازالت كبيرة

الكثير من الحالات التي تم رصدها تتعلق بشباب وشابات كانوا يريدون السفر إلى سوريا أو العراق أو سافروا بالفعل إلى هناك، ورصد الأخصائيون انخفاضا في متوسط عمر الشباب الذين ينزلقون إلى التيار الإسلامي المتطرف خلال الأعوام الماضية، حيث أوضح أندريس، أن الأعوام الثلاثة الماضية أظهرت تراجعا ملحوظا في سن هؤلاء الشباب.

وأشار أندريس إلى تزايد ملحوظ في التطرف الإسلامي بين الفتيات حاليا، وقال إن نسبة النساء والفتيات من بين المتطرفين الإسلاميين في ارتفاع حاليا، موضحا أن نسبتهن كانت تتراوح في أول الأمر بين 10 و15 بالمئة من إجمالي الحالات التي رصدها المركز، بينما ارتفعت على مدار السنوات الثلاث الماضية إلى 30 بالمئة.

وعزا مراقبون ذلك إلى أن خطاب الأوساط السلفية صار موجها بصورة أكبر إلى النساء حاليا، موضحا بأن الدعايات مصممة لهن خصيصا، مشيرا إلى أن الجهاديين يتم تصويرهم في إطار “رومانسي” على أنهم أبطال، وقال “الزواج من مجاهد أعظم شيء في تصور الكثير من الفتيات المتحدرات من هذا الوسط”.

أما في الجهة المقابلة فإن تفاؤلا قد سجل في ما يخص إمكانية تعديل قانون خطاب الكراهية، فقد أبدى منتقدون لقانون جديد لخطاب الكراهية في ألمانيا تفاؤلهم بشأن إمكانية تعديله بعد تعهد الحزب الديمقراطي الاشتراكي المدافع عنه بالخروج من الائتلاف الحاكم عقب الانتخابات العامة التي جرت الشهر الماضي.

المراقبون يشيرون إلى أن الخصوصية الألمانية في معالجة ومحاصرة أسباب التطرف، معرضة لهزات وانتكاسات وتراجعات بسبب الأحداث الإرهابية، لكن الآمال مازالت كبيرة.

13