"أسود فاتح".. حكايا اجتماعية ركّزت على الهوامش فضاع النسق الدرامي

الأحداث الساذجة للمسلسل تفشل في توليد الصراعات.
الخميس 2020/11/05
تعبيرات شاحبة عن المأساة والملهاة

بعد أن أثبتت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي جدارتها في مسلسلات سابقة، ها هي تعود عبر عملها الجديد “أسود فاتح” الذي يدور حول فكرة الصراع والانتقام بين شخصياته الرئيسية. لكنه بدا منذ عرض حلقاته الأولى فاقدا لبوصلته من خلال الأحداث الساذجة والجمل الحوارية الضعيفة والأداء التمثيلي الباهت لعدد من الممثلين.

تتحاشى الكثير من الأعمال الدرامية الاهتمام بلغة الجسد، مع أنها من العناصر الأساسية في صناعة دراما جيدة، وتجعل الممثلين وسيطا معلوماتيا لنقل الحوار المنطوق فقط، دون دمجه بتعبيرات للوجه، والتي تكشف عن الصراع النفسي الداخلي، وتتجنّب توظيف حركات الأعين التي تشي بذكاء في المشاعر والمكنونات النفسية.

ويُعاني مسلسل “أسود فاتح” من بطولة الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي، المعروض حاليا على منصة شاهد الرقمية، من تلك الإشكالية التمثيلية بوضوح، فرغم خصوبة أنماط الصراع التي يتضمنها، جاء أداء بعض ممثليه “بلاستيكيا”، كما لو كانوا يقدّمون شرحا بيانيا لشخصياتهم الجامدة، بعيدا عن ردود الأفعال الواضحة، حتى لو ارتبطت أدوارهم بمقدار كبير من المأساة والمعاناة.

حاول العمل الاشتغال على المتع الرئيسية للحياة (المال والنساء والبنون) كمحور رئيسي لقصته، وربطها بأصحاب الأعمال المفتونين بحسابات الربح والخسارة والمتصارعين في حلبات الأموال، والأزواج الذين يخونون زوجاتهم بحثا عن المتعة حتى لو كانوا مقترنين بنماذج حية للجمال والأناقة، أو مُطلقّين يتنازعون على حضانة أبناء دون النظر لمصلحتهم تحت نزعة الرغبة في الامتلاك والانتقام فقط.

صراعات مكرّرة

أداء بعض الممثلين جاء "بلاستيكيا" كما لو كانوا يقدّمون شرحا بيانيا لشخصياتهم، بعيدا عن ردود الأفعال الواضحة
أداء بعض الممثلين جاء "بلاستيكيا" كما لو كانوا يقدّمون شرحا بيانيا لشخصياتهم، بعيدا عن ردود الأفعال الواضحة

يدور المسلسل حول رانيا خطاب (هيفاء وهبي) سيدة الأعمال التي تتعرّض لأنماط من الخيانة من زوجها راغب (الفنان معتصم النهار) وشقيقها سيف (الفنان شريف سلامة)، فالأول لم يخجل من أن يقيم علاقات جنسية مع عشيقاته في مركب فاخر أهدته إليه زوجته، والثاني لم يعبأ بروابط الدم ودخل في معركة تكسير عظام معها، وورّطها في قضايا لا تقل عقوبتها حال ثبوت التهمة، عن الوصول إلى حبل المشنقة.

ويناقش “أسود فاتح” سلسلة من القضايا الاجتماعية المعقدة، كالإجهاض وذكورية المجتمع، ومشكلات الحضانة، والزواج دون موافقة الأهل، ومعاناة الأسر مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، دون انغماس في التفاصيل، واللجوء إلى طريقة تقليدية خطابية، بعيدة عن ارتكازات فنية عصرية.

يحشر العمل جميع أنماط الصراع المعتادة في عالم “البيزنس” سواء الربح أو اقتناص التوكيلات التجارية من الخارج، أو حتى توظيف القنوات الفضائية في المعارك، وينتقل إلى التنافس غير الشريف بين الإعلاميين على الشهرة، ولو بتشويه الخصوم، ويمتد الأمر إلى نمط غريب من التنازع بين الآباء والأبناء يصل حد الإيذاء.

ويعاني المسلسل، الذي كتب قصته أمين جمال وكتبت السيناريو الخاص به ورشة من ثلاثة كتاب بقيادة شريف يسري، من السذاجة في تقديم أحداثه، المتعلقة بالمذيعة الشهيرة نجلاء سعد (الفنانة روجينا)، بداية من خيانتها لزوجها مع زوج صديقتها.

وتمضي عدم المنطقية في حمل المذيعة سفاحا من عشيقها واحتفاظها باختبار الحمل وسط علبة فرشاة الأسنان حتى يكتشفها الزوج بعد وقوع العلبة على الأرض، ويمتد تبريرها إلى تخليها عن ابنها المتوحد والزجّ به في دار للرعاية، بحجة أنها لا تتحمل أن تراه بجسد إنسان كبير ومخ طفل صغير.

يتكرّر الأمر مع شهدي الجيار (الفنان فراس سعيد) رجل الأعمال وصاحب قناة فضائية تحمل اسمه، وهو يتناول مخدر الحشيش في مكتبه أمام مذيعة شهيرة لا تربطه بها صداقة، ويتولى بنفسه نزع اعترافات مُجرم يريد حرق شركته، ليركل ويضرب رغم وقوف طاقم كامل من الحراس الشخصيين خلفه.

وقدّم الفنان أحمد فهمي دورا متوازنا، يجمع بين الاجتهاد في العمل، والحفاظ على حبه القديم، وجاء أداؤه متقنا إلى حد بعيد، بصرف النظر عن الثغرات التي ظهرت في المعالجة الدرامية للتشابكات التي أدخلت الدور في متاهات فنية.

شخصيات رمادية

أحمد فهمي قدّم دورا متوازنا، يجمع بين الاجتهاد في العمل، والحفاظ على حبه القديم، وجاء أداؤه متقنا إلى حد بعيد
أحمد فهمي قدّم دورا متوازنا، يجمع بين الاجتهاد في العمل، والحفاظ على حبه القديم، وجاء أداؤه متقنا إلى حد بعيد

يتضمن العمل ميزة فريدة بجعل شخصياته رمادية بعيدا عن نموذجي الأبيض والأسود المعتاد فكل شخصياته تتضمن قدرا من الشر والخير، والذكاء والمكر، ولا تتردّد في الاستئساد حال شعورها بوجود الخطر أو تعرّض مصالحها للضرر، فالصداقة مستمرة فقط طالما يوجد ما يدعم بقاءها من المنفعة، ربما في إسقاط على المادية التي باتت تسيطر على الحياة العصرية واختلال منظومة قيمها.

ووسّع المسلسل دائرة الانتقام المعتادة في الأعمال الدرامية لتمتد إلى 13 شخصية رئيسية ليثير حيرة المشاهدين حول تحديد هوية المتورّطين في سلسلة الجرائم التي يتضمنها العمل، مع التطرّق من وقت لآخر إلى عشق البشر، مهما كانت فضائلهم للفضائح، أو استعداد البعض للتورّط فيها بهدف تحقيق الشهرة وتصدر “ترند” مواقع التواصل الاجتماعي، واتسامهم بطابع النسيان السريع في الوقت ذاته الذي يجعل بعض الشخصيات تخلع جلدها، وتعود إلى الظهور من جديد في أثواب أخرى.

ويفتح الباب للمقارنة بين أداء هيفاء وهبي والفنان أحمد فهمي وأحمد الشامي، وكلهم قادمون من عالم الغناء إلى حلبة التمثيل الواسعة كممثلين فقط دون فقرات غنائية، فجاء الشامي متواضعا في أداء دور الأب المحروم من ابنته الوحيدة، بينما كان فهمي مقبولا في لعب دور الزوج المشغول دائما بعمله، مهملا في الوقت ذاته زوجته (الفنانة رانيا منصور) المريضة بالسرطان وطفلته الصغيرة وأمه العجوز، التي تقف في صف زوجة ابنها لشعورها بالغبن الذي تعاني منه.

ويتجسّد الأداء الباهت في هيفاء وهبي، الثرية التي تتعرّض لكم متزايد من المصائب فتنتقل إلى عالم الفقراء ورغم تصنيف الدور على الورق كشخصية مركّبة تتطلب الانتقال من الحزن إلى الفرح ومن اليأس إلى الرجاء، كان  فعل البطلة واحدا تقريبا في مواقف صعبة ومتباينة بين ضبط زوجها مع أخرى، وتعرّض مصانعها للحريق، وفقدان بضائع بملايين الجنيهات، واتهامها بالتسبب في تسمّم 300 طفل بالمدارس في حادثة بضائع فاسدة، خرجت من مخازنها.

وقال الناقد الفني أحمد سعدالدين لـ”العرب”، إن الهدف من الزجّ بالمطربين في الأعمال الدرامية تسويقي بحت لاستغلال شعبيتهم وجذب جمهورهم، وبعضهم احترف التمثيل ولديه قدرات جيدة مثل أحمد فهمي وعمرو دياب، لكن يظل المعيار الأساسي هو طبيعة الدور ومدى قدرة الممثل على تجسيده.

ولجأ العمل إلى حبكة تجعل هيفاء وهبي محور أحداثه، فالجميع يعشقها من مختلف الأعمار والمستويات، بداية من محامي والدها الذي يجيد اللعب على أوتار القانون ولا يخجل من الزجّ بشخص في السجن والتطوّع في الدفاع عنه مجدّدا لتبرئته، وصاحب شركات الشحن الذي ينقل لها بضائعها، وحتى “البلطجي” الذي تعتمد عليه في الانتقام ممّن دمّروا حياتها.

وأضاف سعدالدين، أن بعض الممثلين يدفعهم الغرور إلى انتقاء أدوار معقدة ومركّبة تحتاج إلى ممثلين مخضرمين من العيار الثقيل بمجرد المشاركة في عمل أو اثنين، فتنكشف قدراتهم ويظهر ضعفهم حال مقارنتهم بأداء باقي الفريق في العمل.

وينتقل الفنان شريف سلامة بأدائه التمثيلي في العمل لمنطقة مختلفة تجعله ربما يقوم بالعمل الأفضل له، عبر إظهاره لتعقيدات شخصية سيف المأزومة، كرجل فقد حب عمره أثناء الولادة فيُدمن المخدرات، ويسعى إلى الانتقام ممّن آذوها، بدءا من عائلته وجميع المرتبطين بها، عبر الانضمام إلى الشركة المنافسة لها بالسوق.

ويعتبر مسلسل “أسود فاتح” من الأعمال الدرامية التي تتضمن قدرا كبيرا من مؤهلات النجاح بكم التشويق والصراع اللذين يضمهما، لكنه انتقص بسبب التحرش بمشكلات اجتماعية لا تتعلق بأحداثه بصورة رئيسية، والمط والتطويل في التعريف بشخصياته الرئيسية التي استغرقت قرابة الثلاث حلقات، وافتقار بعض ممثليه للقدرات التمثيلية أو عدم توجيههم من قبل المخرج كريم العدل بالشكل الصحيح.

16