أسيل المنفية إلى جزيرة الأشرار تبحث بينهم عن حب عذري

تشكل القصص العاطفية محورا أساسيا في الرواية العربية، حيث تبرز ثيمة الحب في الكثير من الأعمال الأدبية لتسيطر على مجريات الأحداث، التي تبدو واقعية على شاكلة سير ذاتية وتجارب حقيقية، وقد تظهر متخيلة بعيدة عن الواقع لتكوّن سردا مثيرا وعجيبا عندما يقترب النص من عالم مليء بالظلم والقهر، في مكان تنتشر فيه القسوة حيث لا قانون ولا أمان، وفي عالم متجرّد من الإنسانية ولا يعرف معنى الحب.
الأربعاء 2016/11/30
أنثى الأمل رغم المعاناة (لوحة للفنانة منيرة العبادي)

بيروت - تحكي رواية “حكاية أسيل” للكاتبة عائشة سالم الشحي، قصة فتاة تعاني الأمرّين من كل من حولها، ثم تسقط في بركة موحلة من الظلم، تُنفى إثرها إلى جزيرة يغيب فيها القانون، فيما الجرائم مباحة للجميع وعليها أن تكون بقوة تسمح لها بأن تقاوم حتى تعيش وحتى لا تنغمس في متاهات الشر والفساد.

المؤلفة والبطلة

تطرح الرواية العديد من الأسئلة مثل، هل فكرت يوما كيف تكون الحياة في مكان لا يحكمه القانون؟ هل تخيّلت كيف يصبح الوضع في مكان يباح فيه القتل والإجرام والسرقة وجميع معاني العدوان؟ وهل تأملت الجانب الآخر المظلم للحياة، حين يتجرّد العالم من إنسانيته ويفقد الجميع روح الحب والأمان والسلام؟، وهذا هو حال أسيل.

وتبرز داخل الرواية قصة حب عاصفة بين أسيل وعدنان، فقد مثل هذا الأخير الحضن الدافئ والأمل في حياة أسيل، ولكنه حب صامت من طرف واحد، حب استطاع أن يرمم قلبها وإعادة تشكيله من جديد.

كانت أغصان شرايين أسيل يابسة مسدودة إلى أن جاء عدنان وأعاد الخضرة إليها وفتح ما انغلق منها، فأزهرت وأثمرت حياة وتفاؤلا. وتقول الشحي “ما أجمل الحب حين يزورنا في أقسى ظروف حياتنا وأصعبها”.

ومن بين العبارات التي تلجأ الشحي إلى استخدامها “جميل هذا القفص ذو اللون الذهبي، ولكن الحرية أجمل”، و”ما أصعب الشوق حين يكون إلى النفس”، و”من يحظى بكلمة أحبك لن يخاف قلبُه أبدا”، و”هي من تُحوِّل ثاني أكسيد الكراهية إلى أكسجين المحبة”، و”أحيانا حينما نحب بقوة، نقسو لدرجة الجنون”، وهي كلها عبارات ذات نفس حكمي يلامس وجدان القارئ ويغرس فيه حب الحياة رغم صعوبتها وخيانتها وغدرها في الكثير من الأحيان.

بين ليلة وضحاها تتفاجأ أسيل، بطلة الرواية الصادرة عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” في بيروت، بوجودها في مكان كهذا بلا قانون ولا عدالة ولا رحمة، كالغابة تماما ينهش القوي فيها لحم الضعيف.

ويبدو التساؤل ملحّا هنا كيف سيكون الوضع، هل ستتكيّف أسيل مع هذا الحال وتصبح مجرمة كالآخرين، أم أنها ستحارب وتقاوم من أجل التغيير؟ وهل يستطيع الحب الكامن في قلبها أن يحررها من وحل الضياع، أم سيكون السبب في تدميرها أكثر فأكثر؟ هذه هي إذن أسيل وهذه حكايتها.

البطلة تجد نفسها في مكان بلا قانون ولا عدالة ولا رحمة، كالغابة تماما ينهش القوي فيها لحم الضعيف

وما يميّز قلم الكاتبة أنها تملك قدرة فائقة على وصف مشاعر الشخصيات بطريقة متقنة، تجعل القارئ يتفاعل مع أفكار الشخصية ومشاعرها، ما يجعله يتقمص دورها في الكثير من الأحيان.

ومن جهة أخرى تبدو اللغة في الرواية مفعمة بلمحة انسيابية أتاحت للكاتبة استخدام تصاوير لغوية توصل المعنى بطريقة غير مباشرة، لكنها في نفس الوقت واضحة للقارئ ومفهومة وليست كالمتنطعين باللغة، أسلوبا وبلاغة وكلاما جميلا، ثم نخرج دون أن نستوعب المكتوب! كما تملك الكاتبة أيضا القدرة على التلاعب بمشاعر الشخصيات، فمرة ترفعها إلى سماء السعادة ومرة أخرى تحطمها وتجعلها في تعاسة لا توصف.

وتبرز لمحات الذكاء في الرواية بوضوح تام وتدل على مهارة في حبك الأحداث، مثل اختيار مهنة نورهان، وقد أثر ذلك في مجرى الأحداث بطريقة جذرية. فقد وظفت هذه المهارة في إثبات الأدلة ضد أسيل، كما وُظِّفت لصنع جراح وهمية في جزيرة اللاقوانين. نورهان نفسها كان دورها محبوكا بطريقة ذكية، خاصة بعد مرض أمها الذي أرغمها على التعامل مع العصابة، ثم موتها الذي جعلها تتوب ثم نفيها إلى الجزيرة كي يكون لها دور مؤثر في الأحداث.

من يحظى بكلمة أحبك لن يخاف قلبُه أبدا

جزيرة الأشرار

الإطار المكاني للرواية هو جزيرة موبوءة بالأشرار من جميع الأصناف والفئات، أشرار على مستوى رفيع من الإجرام، وقد تحدثت الكاتبة عن هذا الأمر وقالت إن رشا “بجلالة قدرها” تعرضت لأصناف متعددة من هذه الشرور، لكن الشحي لم تبرز كثيرا هذه الشرور، فتذكر مكسيم، وهو الشرير الذي أظهر العنف، أما ما سواه فالكل مسالم وحنون وعطوف، وقلبه يتأثر بسرعة..

ليس فقط المحيطون بأسيل، لكن الجميع في الجزيرة كلهم طيبون، حتى حينما طمعوا في “المحلول السحري”، كانت أهدافهم أنانية في البداية وصاروا طيبين لأنهم طمعوا في الخروج من الجزيرة، لكن بمجرد أن أسيل قالت لهم إنها خدعتهم كي تنشر الحب بينهم، رقَّت قلوبهم مباشرة وعلى الفور صاروا في صفها. ولم تكن هناك ردة فعل تدل على طبيعتهم الشريرة، فأغلب شخصيات الرواية بدت مسالمة، فقط الكاتبة ربما هي الشريرة.

ومن أجواء الرواية نقرأ “يقال إن الحب الصامت هو أسْمى وأرقى أنواع الحب، من يحب ويعشق بصمت يصل إلى أبعد درجات الغرام، وهذا ما تشعر به أسيل نحو عدنان. فهي سعيدة بقربه، تفرح لوجوده بجانبها وقلبها يناديه دائما في صمت، ولا تعرف كيف ومتى بدأ نبضها يشهد على إحساسها، كيف مع الحب فجأة في براعم فؤادها المتعطش للسعادة؟

نظرتها إلى الحياة اختلفت وأصبحت أفكارها أكثر هدوءا.. نهضت مشاعرها من غيبوبتها العميقة وأجهضت شتّى الأحاسيس المتجمدة والتي لا طائل منها، لذلك هبطت روحها أخيرا في ميناء الهوى والسلام.

أصبح عدنان كنزا ثمينا في حياتها، هو الأمل والنور والمستقبل، هو البلسم لجراحها الدامية. إلى الآن لم تجرؤ على البوح بمشاعرها الخجولة، ولكن إيماءات عينيها حين تصادفه أكبر دليل على حبها الكبير له”.

ويشار إلى أن عائشة سالم الشحي كاتبة وروائية إماراتية سبق أن صدرت لها رواية بوليسية اجتماعية بعنوان “صراع الكواكب”.

14