أسيمي غويتا ضابط يعيد لأفريقيا عصرها الذهبي مع الانقلابات

الضابط الشاب يقود انقلابا من داخل الانقلاب سيكون الخامس من نوعه في سجل مالي.
السبت 2021/06/05
رأس الحربة في حرب المحاور والصراع على مالي

يعيد أسيمي غويتا الذي لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره العصر “الذهبي” للانقلابات في أفريقيا، وكأنه في ستينات أو سبعينات القرن الماضي. ويكشف للعالم أن الانقلاب العسكري وليد بيئته ونتاج للواقع الاجتماعي والسياسي والأمني في أي بلد، ولاسيما إذا كان يعاني من حالة فوضى كتلك التي تواجهها جمهورية مالي، وهي دولة تشكلت كإرث استعماري غير متجانس المكونات، ما جعلها ممزقة الأوصال بين النزعات الانفصالية والانقلابية، وبين تطلعات الجماعات الإرهابية للسيطرة عليها كمنطلق لمشروعها في منطقة الساحل والصحراء بالاستفادة من التناقضات الثقافية والحضارية والصراعات العرقية. وخاصة في ظل إصرار الطوارق على تحقيق الاستقلال لإقليم أزواد الشمالي الذي تحول إلى مرتع للجماعات الإرهابية، وهي بالأساس تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الدين، وحركة الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا.

ولد غويتا عام 1983 واسمه “أسيمي” ينطق باللغة العربية “عاصمي”، ويوصف في دوائر عمله بالمثابر الذي لا يدع شيئا يمر، والقاسي القادر على حسم المسائل دون النظر إلى نتائجها، وبأنه متأثر بوالده الذي كان بدوره ضابطا عسكريا في الجيش المالي.

حضور لافت لروسيا يبدو أن ملامحه تتشكل اليوم في مالي، فقد رفضت موسكو مؤخراً أن يفرض مجلس الأمن أي عقوبات على السلطات الجديدة

تخرج في مدرسة كوليكورو العسكرية المتخصصة في الأسلحة المدرعة وسلاح الفرسان، وشارك في العديد من التدريبات في عدد من الدول مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وتم تكليفه بقيادة قوات الجيش في شمال البلاد، حيث عمل في أكثر من منطقة مثل غاو وكيدال وميناكا وتاساليت وتمبكتو، ولاسيما ضمن جهود مكافحة الجماعات الإرهابية والتصدي لقوات الانفصاليين. ثم التحق بالقوات الخاصة، وكلف بالإشراف على تنسيق العمليات الخاصة بوزارة الدفاع بعد تفجير فندق راديسون بلو في باماكو. وبعدها عين رئيسا للقوات الخاصة في مالي، وقاد العمليات في شمال ووسط مالي وكذلك خارج البلاد ضمن وحدات دولية في دارفور.

تخريب العملية الانتقالية

في أواخر مايو الماضي أعلنت المحكمة الدستورية في مالي الكولونيل غويتا رئيسا انتقاليا للبلاد، في استكمال للانقلاب الذي بدأه قبل أربعة أيام على الرئيس الانتقالي باه نداو ورئيس وزرائه مختار عواني اللذين كان من المفترض أن يقودا البلاد حتى عام 2022، حيث ستجرى انتخابات جديدة وظهور السلطة المدنية.

اتهم غويتا رئيسي الدولة والحكومة الانتقاليين بتشكيل حكومة جديدة دون التشاور معه، معتبرا أن “هذا الإجراء يدل على الإرادة الواضحة لرئيس الحركة الانتقالية. المرحلة الانتقالية ورئيس الوزراء يخالف الميثاق الانتقالي، حيث ثبت أن هناك نية لتخريب العملية الانتقالية”.

أطاح بالرجلين ودفع بهما إلى المعتقل، ليضطر بعد يومين فقط إلى الإفراج عنهما حتى لا يضع نفسه تحت المزيد من الضغوط الدولية، لكنه في نفس الوقت كان يرى في الحالة التشادية نموذجا مهمّا، ففي 19 أبريل الماضي، تشكل مجلس عسكري بقيادة الجنرال محمد إدريس ديبي الذي تصدر الحكم بعد مقتل والده الماريشال في مواجهات مع متمردين قادمين من جنوب ليبيا، دون أن يواجه عقوبات من الاتحاد الأفريقي أو من مجلس الأمن.

الانقلاب الخامس

العديد من اللاعبين المتخفين في معادلة مالي، من بينهم الشيخ ديكو الذي حرك الشارع بقوة، ودعم الانقلاب الذي نفذ مطلبه الصيف الماضي بقيادة غويتا.
العديد من اللاعبين المتخفين في معادلة مالي، من بينهم الشيخ ديكو الذي حرك الشارع بقوة، ودعم الانقلاب الذي نفذ مطلبه الصيف الماضي بقيادة غويتا

قاد غويتا انقلابا من داخل الانقلاب سيكون الخامس من نوعه في سجل البلاد. ففي 19 نوفمبر 1968 تمت الإطاحة بحكم أول رئيس للبلاد وهو موديبو كايتا من قبل الجنرال موسى تراوري الذي حكم البلاد لمدة 23 عاما، ممسكا بمقاليد الدولة والحكومة، قبل أن يطيح به في 26 مارس 1991 الجنرال أمادو توماني توري الذي شكل مجلسا عسكريا مؤقتا لإدارة البلاد لفترة انتقالية، قاد خلاله البلاد إلى إجماع وطني حول أول دستور يكرس التعددية الحزبية والنظام الرئاسي، وأول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخها فاز فيها ألفا عمر كوناري كأول رئيس مالي ينتخب ديمقراطيا في 8 يوليو 1992 لفترتين رئاسيتين.

كان الجنرال توماني توري قد أعلن تقاعده من الجيش بعد أن سلم السلطة لكوناري، وهو ما جعله يحظى بشعبية كبيرة لدى الماليين، دفعت به للعودة إلى صدارة المشهد السياسي بعد ترشحه للانتخابات الرئاسية التي فاز بها من الدور الثاني في مايو 2002. وتواصل حكمه عشر سنوات كاملة، قبل أن يطيح به متمردون من الحرس في ثالث انقلاب عسكري تشهده البلاد في 22 مارس 2012، متهمين إياه بـ”الفشل في التصدي لتمرد الطوارق والجماعات الإرهابية المتمركزة في شمال البلاد”، ومعلنين حل جميع المؤسسات الدستورية وإغلاق كافة حدود البلاد، وتعيين النقيب أمادو سانوغو رئيسا للجنة الوطنية لاستعادة الديمقراطية وإعمار الدولة المكلفة بقيادة البلاد.

رغم خروج الماليين في مسيرات شعبية ضخمة تدعم توري، فقد أصر المجلس العسكري على موقفه، وصولا إلى انتخابات الـ28 من يوليو 2013 التي تنافس فيها 27 مرشحا وشهدت إقبالا قياسيا بالنسبة لمالي بلغ 53.5 في المئة. وفاز بها المرشح المدني إبراهيم أبوبكر كايتا الذي سبق أن شغل منصب رئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية ليصبح سادس رئيس في تاريخ مالي قبل أن يطاح به في رابع انقلاب عرفته البلاد في صيف العام الماضي.

جاءت الإطاحة بكويتا بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية في مختلف أرجاء البلاد، وكانت تنسيقية الحركات والكتل أبرز القوى التي وقفت وراءها، ويتزعمها الزعيم الديني السلفي محمود ديكو، صاحب الأصول العربية والمتحدّر من منطقة تمبكتو التاريخية وسط مالي، والذي يتولى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، واستطاع أن يؤثر في المشهد السياسي بشكل كبير، فقد قاد منذ توليه المنصب الديني المهم، احتجاجات شعبية دفعت برئيس البلاد آنذاك إلى تخفيف قانون الأسرة الذي كان من شأنه أن يعزز حقوق المرأة، وحاول فتح باب للحوار مع الإرهابيين في الشمال، ولكن فشله في ذلك، جعله يدعم التدخل الفرنسي في العام 2013، قبل أن يستقيل من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، ويبدي موقفا متشددا ضد فرنسا يتناسق مع الحملة العدائية التي تواجهها في منطقة الساحل والصحراء تحت تأثير المحور الإخواني المدعوم من قطر وتركيا والذي يتهم باريس بالحؤول دون وصول قوى الإسلام السياسي إلى تحقيق مشروعها.

استطاع الشيخ ديكو أن يحرّك الشارع بقوة، حيث نجح في الإطاحة برئيس الوزراء السابق سوميلو بوبي مايغا في أقل من شهر، عبر دعوته إلى تظاهرات حاشدة لإسقاط رئيس الوزراء على خلفية مقتل 157 مدنيا على الأقل في أوغوساغو بمنطقة موبتي وسط البلاد، ومن هناك انطلق في الدعوة لإسقاط الرئيس كايتا، ثم لدعم الانقلاب العسكري الذي نفذ مطلبه في الـ18 من أغسطس 2020 بقيادة غويتا ذاته.

مالي لم تعد تتحمّل السياسيين

فرنسا التي تشارك بنحو 5100 عنصر في قوة برخان لدعم مالي، حمّلت في يناير الماضي الرئيس الانتقالي نداو مشروع تشكيل حكومة جديدة، لكن غويتا رفضه.
فرنسا التي تشارك بنحو 5100 عنصر في قوة برخان لدعم مالي، حمّلت في يناير الماضي الرئيس الانتقالي نداو مشروع تشكيل حكومة جديدة، لكن غويتا رفضه

بعد يوم واحد من الإطاحة بالرئيس المنتخب كايتا قدم الجنرال غويتا نفسه على رأس المجلس العسكري، وقال في كلمة للشعب إن مالي لم تعد تتحمّل أخطاء من جانب السياسيين. وأضاف “أقدم نفسي: أنا العقيد أسيمي غويتا رئيس اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب”، وأدى الكولونيل المتقاعد ووزير الدفاع الأسبق باه نداو الذي اختاره الانقلابيون اليمين رئيسا مؤقتا لمالي، ليشرف على فترة انتقالية مدتها 18 شهرا، تعود بعدها البلاد للحكم المدني.

كما وعد نداو بالوفاء بالتزامات مالي الدولية، وبأن الفترة الانتقالية التي تبدأ لن تتعارض مع أي تعهد دولي من جانب مالي أو الاتفاقيات الموقعة من قبل الحكومة، وبمواصلة “حرب بلا رحمة” ضد “القوى الإرهابية والجريمة المنظمة”.

بدوره أدى غويتا اليمين نائبا للرئيس خلال الفترة الانتقالية، وبينما تم تجميد الحياة السياسية والحزبية، كان الجنرال الشاب يطمح إلى القيام بدور أهم، ولاسيما مع بداية بوادر الضغط الزمني، فتعهداته الأولى كانت تشير إلى تنظيم انتخابات حرة وتعددية في يناير 2022، ولكن ذلك قد يبدو أمرا ثانويا إذا عرفنا أن الرئيس المؤقت المطاح به يعتبر من الموالين لفرنسا في ظل الصراعات الجيوسياسية المتفاقمة في مالي والمنطقة، وبداية تشكل ملامح حضور مهم لروسيا التي رفضت في الـ26 من مايو الماضي أن يفرض مجلس الأمن أي عقوبات على السلطات العسكرية الجديدة، فيما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ستسحب قواتها من مالي في حال سارت باتجاه ما أسماه الإسلام الراديكالي وبعث رسالة إلى زعماء دول غرب أفريقيا مفادها أنه “لن يبقى إلى جانب بلد لم تعد فيه شرعية ديمقراطية أو عملية انتقال” للسلطة. وحينها ندّدت باريس على غرار الاتّحاد الأوروبي، بما سمّي بـ”انقلاب غير مقبول”.

وتشارك فرنسا بنحو 5100 عنصر في قوّة برخان التي تُقدّم الدعم لمالي في مواجهة هجمات مسلحة منذ العام 2012، والتي أغرقت البلاد في أزمة أمنية وانتشرت إلى وسطها. وفي يناير الماضي عاد الرئيس الانتقالي نداو من باريس بمشروع تشكيل حكومة جديدة، وهو الذي قدم نفسه على أنه رئيس مدني ويحمل لواء الديمقراطية ولكن بخلفية عسكرية.

غويتا كان ضد تلك المبادرة، فكان سبّاقا للانقلاب على فكرة الانقلاب من داخل الانقلاب، ووجد دعما خفيا من أطراف داخلية وخارجية أول أهدافها استبعاد فرنسا من المشهد المالي. كما نظر إلى أي عقوبات قد تفرض على بلاده على أنها لن تزيد الوضع ترديا أكثر مما هو عليه، ولن تعرضها لعزلة أكثر من عزلتها الحالية في ظل الصراعات والحروب والانقسامات بين الإرهاب والنزعات الانفصالية وحكم العسكريين الذي قد يستمر وقد لا يستمر.

12