أشباح الإخوان في مصر تطارد الإخوان في تونس

حركة النهضة تخشى أن ينجح الرئيس قيس سعيد في العبور بتونس من الأزمة وهو ما يثبت أن لا تقدم للبلاد والإخوان يسيطرون على السلطة.
الخميس 2021/08/05
ردود الفعل الثأرية للإخوان تثير قلق التونسيين

لم يكن ما جرى في تونس تصحيحا لأوضاع داخلية وإزاحة لإدارة فاشلة عن سدة السلطة لتصعيد من هو أقدر منها على تحسين الأوضاع الاقتصادية والصحية المتردية فحسب، بل هو أيضا إعلان تحدّ لمشروع الإسلام السياسي الذي تمثله حركة النهضة. ويتوقع الخبراء ردود فعل ثأرية للحركة على شاكلة ما قامت به الحركة الأم في مصر التي اختارت العنف لإفشال خطة الدولة بعد يأسها من العودة إلى المشهد.

القاهرة- استدعى البعض النموذج المصري على ضوء الأحداث المتسارعة في تونس بغرض استكشاف الخطوة التالية التي تتخذها حركة النهضة بعد أن أصبحت على خط الجماعة الأم في مصر بشأن خطط الاستحواذ والفشل الإداري الذي قاد إلى ثورة شعبية عزلتها عن السلطة.

وبات سؤال هل تلجأ حركة النهضة للعنف مطروحا بقوة لأن خياراتها محدودة بعد أن حكم عليها غالبية التونسيين بالفشل وسوء الإدارة، واستهدف متظاهرون قواعدها ومكاتبها في بعض أنحاء الدولة، وهو ما يغذي ردود الأفعال الثأرية ويحيل للسيناريوهات المصرية التي آلت بالجماعة للعنف وحمل السلاح بعد اليأس من العودة للمشهد السياسي والتيقن من أن غالبية الشعب وليس النخب السياسية والأحزاب المدنية فقط صارت رافضة للإخوان.

وأطلق الرئيس سعيد تصريحا موحيا يعكس احتمالية تعرض الدولة لموجة من عمليات الإرهاب والعنف بعد قرارات إقصاء الإخوان عن السلطة عندما قال “ومن يطلق رصاصة واحدة ستجابهه قواتنا المسلحة العسكرية والأمنية بوابل من الرصاص الذي لا يحده إحصاء”.

ويشبه هذا الكلام ما ذكره الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع عقب بيان الثالث من يوليو 2013 الذي تضمن طرح خارطة طريق بعد عزل جماعة الإخوان عن السلطة عندما طلب من الشعب المصري تفويضا لمواجهة الإرهاب المحتمل.

الانتقام والفشل

تنظيم داعش يجد فرصته سانحة لطرح نفسه كبديل عن الإخوان في تونس بالترويج لعدة فرضيات طالما روجت لها التنظيمات التكفيرية المسلحة وفصائل السلفية الجهادية في أزمات شبيهة مرت بها فصائل الإسلام السياسي
تنظيم داعش يجد فرصته سانحة لطرح نفسه كبديل عن الإخوان في تونس بالترويج لعدة فرضيات طالما روجت لها التنظيمات التكفيرية المسلحة وفصائل السلفية الجهادية في أزمات شبيهة مرت بها فصائل الإسلام السياسي

لوح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بورقة العنف في مقابلته مع صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية، لافتا إلى أنه لا يضمن ما الذي سيحدث في البلاد حال عدم تراجع الرئيس سعيد عن قراراته.

ليس الانتقام في هذه الحالة هو الدافع الوحيد لفرضية انخراط خلايا داخل النهضة في مسار عنيف، وينصب التفكير أيضا في كيفية إعاقة رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة التي سيعتمد عليها وحكومته الجديدة عن الإمساك بزمام المبادرة والابتعاد بالبلاد عن هاوية الفشل والاضطراب.

وأكثر ما يخشاه قادة حركة النهضة أن ينجح الرئيس سعيد في العبور بتونس من الأزمة، لأنه يحقق ساعتها معادلة شبيهة بالمعادلة المصرية التي أثبتت أن الإخوان هم أصل المشكلة، وأن الدولة نجحت وحققت طفرة تنموية واقتصادية بعد تحجيمهم وإقصائهم عن المشهد. وإذا تكرر ذلك في تونس ستصير تلك المعادلة من البديهيات المُسَلَم بها فلا نجاح ولا تقدم والإخوان يحضرون في الساحة أو يسيطرون على السلطة أو يشاركون بها.

خطة إفشال الرئيس سعيد وعدم تمكينه من تدشين خارطة طريق وإدارة بديلة تنتشل البلاد من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والصحية مستوحاة أيضا من التجربة المصرية لتفادي المعاناة التي يكابدها إخوان مصر الذين يُعدون الآن عاملا مُعوقا بعد أن شهدت البلاد طفرة تنموية واقتصادية واستقرارا سياسيا وأمنيا إثر خروجهم من المشهد.

المعادلات الصفرية هي انعكاس آخر لآثار تجربة الإخوان في مصر، وقد يلجأ إليها إخوان تونس تحت مبرر اختلاف الأوضاع بين مصر وتونس بالنظر للدور الكبير الذي لعبته المؤسسة العسكرية المصرية اقتصاديا وأمنيا في النهوض بالدولة بعد عزل الإخوان، في حين لن تلقى الرئاسة مثل هذا المستوى من الدعم من الجيش في الحالة التونسية.

ولجأ إخوان مصر لخطة الإنهاك والإفشال ولم يفلحوا، وعلى ضوء الفروق بين الحالتين المصرية والتونسية يجد إخوان تونس أنفسهم بين خيارين، إما أن يتمكنوا عبر وضع العراقيل أمام المسار الجديد من إظهار الرئيس سعيد في مظهر العاجز عن السيطرة على الأمور من خلال خلط الأوراق وخلق أوضاع أمنية مضطربة تفرضهم على الساحة مجددا باعتبار أن وجودهم أفضل من الانفلات الأمني وحالة الفراغ المؤسسي، أو ينجح الرئيس ومؤسسات الدولة في تثبيت مسار وطني اقتصاديا وأمنيا يقصي حركة النهضة ويجعلها ضربا من الماضي عبر تعديل الدستور وجعل نظام الحكم رئاسيا.

لا تنحصر سيناريوهات الإرهاب في تونس المرحلة المقبلة في السياقات التي قد تتحرك بها حركة النهضة انتقاما أو رغبة في إفشال إدارة الرئيس سعيد وحكومته الجديدة، والتي ستعتمد في هذه الحالة على جهود جهاز حركة النهضة السري وتوابعه الناشطة بالمناطق المترامية والبعيدة داخل تونس وعلى حدودها مع دول الجوار. وحتى لو تحرك جهاز حركة النهضة السري ونجح في تنفيذ بعض العمليات لن تكون في مستوى العمليات التي تؤثر في المسار الحالي أو تعوقه وإن أحدثت بعض التشويش.

داعش كمنافس

الصراع للوصول إلى السلطة.. عبر الديمقراطية والانتخابات أم بالصواريخ والمتفجرات
الصراع للوصول إلى السلطة.. عبر الديمقراطية والانتخابات أم بالصواريخ والمتفجرات

يرجع هذا إلى عدم جاهزية خلايا النهضة السرية من جهة التدريب والتسليح والاستعداد النفسي والبدني للتحول إلى خلايا محاربة وفصائل قتالية محترفة، ما يذكر بمستويات أداء اللجان النوعية وخلايا الإخوان المسلحة في مصر، مثل حركتي حسم، ولواء الثورة.

ومن المرجح أن يتصدى الأمن التونسي مبكرا لتحركات خلايا الإخوان المسلحة السرية بعدما قُطعت عنهم المعلومات التي كانت تصلهم من الموجودين في السلطة ودعمتهم وأسبغت عليهم الغطاء السياسي والأمني.

وفي هذه الحالة يجد تنظيم داعش فرصته سانحة لطرح نفسه كبديل عن الإخوان بالترويج لعدة فرضيات طالما روجت لها التنظيمات التكفيرية المسلحة وفصائل السلفية الجهادية في أزمات شبيهة مرت بها فصائل الإسلام السياسي.

وتتمحور تلك الفرضيات حول مزاعم انسداد المسالك السياسية أمام الإسلاميين وأنه قد ثبت بالتجارب في العديد من الدول العربية لا طريق لهم للسيطرة على السلطة سوى العنف والسلاح بعيدا عن أوهام الديمقراطية.

وطرح تنظيم داعش هذا التصور بالعدد 297 من صحيفة النبأ الأسبوعية الصادرة عن ديوان الإعلام المركزي بالتنظيم تعقيبا على مجريات الأحداث في تونس، داعيا لاعتناق أسلوبه في التغيير والوصول للحكم من خلال السلاح والرصاص لا عن طريق صناديق الانتخابات التي ثبت أنها خيار فاشل أذاق الإسلاميين الذلة والهوان وجعلهم مثارا للسخرية والتندر.

ولا يتوقف قادة داعش عند تقبيح سلوك الإسلاميين وجماعة الإخوان لمسلك الانتخابات والطريق الديمقراطي للوصول إلى السلطة ترجيحا لمسلك العنف والسلاح، وفي حال لجأت جماعة الإخوان للقوة والسلاح ولتشكيل خلايا مسلحة بعد عزلها عن السلطة يعمد قادة داعش لترجيح حظوظه وإثبات تفوقه بتنفيذ عمليات نوعية تبدو بجوارها عمليات خلايا الإخوان هزيلة وضئيلة الأثر.

ويهدف داعش من وراء هذا التكتيك لتكريس نفسه كرقم مهم وطرف مؤثر في الساحة كعنصر يمتلك الرأسمال الأقوى في ميدان العنف والقتال، وهو ما يتيح له خلق فرص التنسيق والدعم والتمويل وتجنيد عناصر جدد حتى من داخل صفوف جماعة الإخوان ذاتها.

وحدث هذا السيناريو في الساحة المصرية عندما وجدت عناصر بتنظيم الإخوان ومن ضمنهم أبناء قادة بالجماعة أن التنظيم غير قادر ميدانيا وحركيا للتعامل مع أزمة إقصائه عن السلطة، فحدث أن توجهوا لداعش مبايعين خليفته الذي وجدوا فيه وفي غيره من قادة الجماعات التكفيرية المسلحة الأمل في جلب الثأر لهم، ووجدوا في داعش نموذجا مختلفا أكثر إشباعا لنزعات الكراهية والغضب عبر كيان يستعلي على الجميع ويسعى لإلغاء من سواه متسيدا مقاليد السلطة والحكم ومكفرا من لا يدين بالولاء.

إسناد خارجي

مصر وتونس تنجحان في تطويق نفوذ الإخوان
مصر وتونس تنجحان في تطويق نفوذ الإخوان

ذكرت تقارير سابقة أن الغنوشي وحركته سعيا في الماضي إلى تسهيل حركة الميليشيات من ليبيا إلى تونس وتوفير الدعم لعناصرها وقادتها بغرض الاستقواء السياسي والأمني بها وفرض أمر واقع بقوة السلاح في الداخل التونسي وتخويف وإرهاب خصوم الحركة السياسيين.

وليس مستبعدا أن يلجأ إخوان تونس إلى هذا السيناريو بعد عزلهم شعبيا وبعدما أقدم عليه الرئيس سعيد من إجراءات عزلتهم عن المشهد وسحبت منهم صلاحيات السلطة والنفوذ التي كانت بأيديهم.

ولا تقتصر الخطورة على خلايا حركة النهضة العنيفة التي قد تتشكل في الداخل بالتنسيق مع جماعات تكفيرية عنيفة مثل داعش أو القاعدة، إنما تشمل الخطر الذي تجسده الحدود التونسية مع الغرب الليبي الذي تسيطر عليه جماعة الإخوان وتنشط به الميليشيات المسلحة.

وهذا السيناريو مستوحى من التجربة الإخوانية في مصر التي شهدت تضافر جهود جماعات مسلحة منتمية للإخوان أو لفصائل السلفية الجهادية، انطلاقا من دول الجوار وهو ما مثل أكبر داعم لمسار العنف المسلح نظرا لما جرى ضخه من الحدود الشرقية والغربية من عناصر مسلحة مدربة ومن سلاح وذخيرة مكنت من تنفيذ عمليات إرهابية كبرى على مدى سنوات بالعمق المصري.

الحدث التونسي الذي تضمن في جوهره إقصاء جماعة الإخوان ممثلة في حركة النهضة عن السلطة حلقة في سلسلة إقصاءات متتالية لتلك الجماعة في بلدان الإقليم بعد عزلها عن السلطة في مصر 2013 وفي السودان 2019، ما يكشف توالي النكسات والسقوط المرحلي لقطع الدومينو التي تشكل خارطة نفوذ تركيا في المنطقة العربية.

وكانت قوى إسلامية منتمية للتنظيم الدولي للإخوان في كل من ليبيا والمغرب والجزائر قد أعلنت عن تضامنها مع حركة النهضة ووقوفها بجانب إخوان تونس ضد ما وصفته بالانقلاب الذي قاده الرئيس  سعيد على المسار الديمقراطي وفق وصف البيانات والتصريحات الصادرة عن قادة تلك القوى.

النهضة تخشى نجاح الرئيس سعيد لأنه سيحقق معادلة شبيهة بالمعادلة المصرية التي أثبتت أن الإخوان هم أصل المشكلة

ويُعد العدد الكبير من التونسيين الذين تم تجنيدهم في صفوف التنظيمات الجهادية طوال العشر سنوات الماضية خزانا يمد القوى التي تخطط للعنف والفوضى بتونس بالمقاتلين، ومن صدرهم وسهل لهم السفر لجميع بؤر الصراع الساخنة في المنطقة مكتسبين مهارات التفجير والاغتيالات والقتال من الوارد أن يستعيدهم في مهمة مصيرية لحسابه الخاص بتونس مرتبطة بمصيره ومستقبله.

يردع إخوان تونس عن سلوك طريق العنف والإرهاب ما آلت له أحوال التنظيم الأم في مصر بعد أن تحول للصراع الساخن والمواجهة الشاملة مع الدولة المصرية بعد يونيو 2013، ما أفقد الجماعة كل شيء وأدى لتصنيفها كجماعة إرهابية وحرمها من أمل العودة كلاعب سياسي أو حتى كجماعة دعوية بالساحة المصرية.

ولم يفقد إخوان تونس بعد الأمل في لعب دور سياسي والعودة للمشهد تدريجيا بعد انقضاء الأزمة وإجراء بعض التغييرات الهيكلية داخل الحركة وفي مقدمتها إقصاء الغنوشي عن القيادة، وهو ما يؤهل الحركة لنيل ثقة الشارع والنخب التونسية مجددا.

قد يعوق الانقسام داخل النهضة إجراء تلك الإصلاحات لمصلحة قادة يخشون المحاسبة الداخلية باعتبارهم سبب ما آلت إليه أوضاع الحركة، ويخشون مثولهم أمام القضاء للتورط في قضايا فساد وإرهاب وتمويل خارجي، وهو ما يقلل من فرص نجاح إخوان تونس في إزاحة ظلال وأشباح تجربة إخوان مصر الدموية القاتمة عن كاهلهم.

13