أشباح المتوسط

الأحد 2015/05/24

ثمة حكايات لن يقصها علينا أحد، لن نصادف شخصا في مكان ليقول لنا شيئا عنها، لن نعثر في صحيفة قديمة على رواية مفصلة ترويها، ولن تمدنا كل هذه التكنولوجيا ألرقمية بأدوات استحضارها غدا.

لا قوة تملك القدرة على استرجاعها، تفتيشها، وتفكيك مفرداتها. لا قوة هناك تعيدها وتبنيها، إلّا ما امتلك المخيال الشعبي من طاقات موروثة ومجربة تعيد إنتاجها ومدها بأسباب الحياة؛ تستعير لها الحياة. تحييها بمنطق: “ربما سارت الأمور على هذا النحو…”. وليس بمنطق: “هذا ما حدث فعلا”. إذ لا منطق آخر عند المخيلة الشعبية لتعود إليه غير منطقها الأثير: ربما سارت الأمور على هذا النحو ألذي نرويه. وهو المنطق المقبول طبعا والمطلوب أيضا، فحين تغيب الثوابت والمراجع والوثائق والشواهد والشهود.. كل تلك التفاصيل التي نسميها الحقائق، يحل الدور الفاتن للمخيلة، يجيء دور الشاعر، الكاتب، الرسام، أصحاب الفنون جميعها، ليقصوا علينا الحكاية من جديد. الحكايات التي لن يقصها علينا من أهلها أحد، تلك الحكايات غير الممهورة بأختام رجال الشرطة أو شهادات من ظل على قيد الحياة من شخوصها، هي الحكايات الأكثر سطوة وحضورا في الوعي الجمعي، وفي اللاوعي الجمعي، لسكان هذا الكوكب. هي التي تستمر ويبنى دائما عليها.

وهي التي تعطي الفنون سحرها الأبدي وجاذبيتها ألمعمدة، ولكنها، من سوء حظ الآدمي، هي الحكايات الأكثر ألما وإيلاما وبشاعة على الأغلب. هي التي تفوق قسوتها طاقاتنا على التخييل، هي التي تدعونا، رغما عنا، لتفكيك أسرارها، وهي التي تأخذنا إلى طرح السؤال التقليدي الهادر والمطروح أبدا: هل يمكن للبشرية أن تسقط إلى هذا الحدّ غير المرئي في قاع كهوف البؤس واليأس والانحطاط؟

لا تعيد السطور القليلة هذه التفتيش عن الحكاية الطروادية الغامضة، أو رسم لوحة لحصانها الشهير. ولا تنبش في التفاصيل اللئيمة للمجازر القديمة التي ارتكبها البشر في حق بعضهم البعض عبر تاريخهم الأسود. ولا تسعى إلى استحضار أشباح من رحلوا قهرا قبل موعدهم؛ أولئك الذين قصت كتب التاريخ والآداب حكاياتهم علينا، أو عرفناهم بألسنة من سبقونا وأودعونا مآثرهم. لا شيء من هذا الشغف الطبيعي بالأساطير والحكايات التي وصلتنا يقود هذه السطور، فتلك حكاية أخرى قيلت كثيرا وأشبعت بحثا وتصورات ولم تصل، على الرغم من كل الهوس البحثي بها، إلى نهايات قاطعة وأكيدة! ما يحرك هذه السطور هو الإحساس الشخصي بفقدان العقل أمام المأساة، المأساة التي تحدث الآن وتتناقلها وسائل الإعلام لحظة بلحظة، ولا تنقل أو تستطيع حكايات أبطالها، ضحاياها، وكيف لها أن تنقل، والأبطال/ الضحايا رحلوا، أخذهم المتوسط إلى جوفه وأسدل عليهم وعلى حكاياتهم ستار الموت.

من يقص علينا، نحن شهود العار وحراس الصمت، تفاصيل رحلتهم؟ لا أحد. من سيخبرنا بحكاية كل منهم.. حكاية حكاية.. رغبة رغبة.. وحلما بحلم؟ لا أحد، فكلهم هناك، في قاع المتوسط، وكل ما نعرفه الآن عنهم هو ما تقوله وسائل الإعلام أو تشي به الأرقام، والأرقام باردة وموجعة وثقيلة الوقع أيضا: 700 إنسان، وربما أكثر، ابتلعهم البحر قبالة السواحل الليبية المصّدرة للضحايا، وعلى مرمى حجر من الشواطئ المالطية أو الإيطالية المستهدفة كبوابات عبور إلى جنان أرضية موعودة ومنتظرة! 300 ضحية أخرى قبالة السواحل اليونانية في اليوم التالي! و150 قبل هؤلاء وأولئك. ليكون ألمجموع حين تضاف إليه أرقام الذين غرقوا أمام لامبادوزا الإيطالية مطلع العام 2015 هو، حسب جميع المصادر، 1500 إنسان!؟

1500 آدمي يضافون هذه السنة التي لم تقترب من نهايتها بعد إلى قائمة الموت التي وصلت، خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، إلى حدود الرقم 10000 غريق!

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

11