أشباح جهادية تقلق السلطات الأمنية المصرية

الجمعة 2016/08/26
خلايا صغيرة ومجهولة تهدد باستمرار العمليات الإرهابية

القاهرة- تقلّصت العمليات الإرهابية في مصر، في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، مقارنة بالسنوات التي أعقبت ثورتي 25 يناير و30 يونيو، إلا أن ذلك لا يعني أن التهديد تراجع والضغط تقلص على قوات الأمن، فتاريخ مصر مع الإرهاب يحفل بتجارب عديدة والخطر يبقى قائما، لأن مصدره الرئيسي ليس الرؤوس الكبيرة، التي سينتهي الخطر بقطافها، بل الخلايا السرية غير المرئية والتنظيمات الصغيرة والعنقودية.

وتؤكّد جدية هذا الخطر عمليتان نوعيتان، شهدتهما مصر بداية شهر أغسطس الجاري، وأعادتا الجدل مرة أخرى حول قوة تلك الخلايا ومدى تمكّنها من الضرب في عمق الدولة المصرية عبر استهداف شخصيات وأماكن ذات أهمية قصوى، في وقت تبحث فيه الدولة عن الاستقرار، أملا في تحسن الأوضاع الاقتصادية.

استهدفت العملية الأولى الشيخ علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، أمام أحد المساجد بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، ونفذتها خلية أطلقت على نفسها اسم “حسم” نجحت في الوصول إليه لكن تعامل الحرس الشخصي أنقذه من محاولة الاغتيال. ووقعت العملية الثانية في محافظة المنوفية (شمال القاهرة) الأحد الماضي، بعدما استهدفت خلية إرهابية حديثة النشأة تطلق على نفسها ‘لواء الثورة’ أحد الكمائن الأمنية، ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين.

ولئن أتى توسّع اعتماد التنظيمات الإرهابية على خلايا صغيرة غير معلومة تحقق أهدافا معينة ثم تختفي كرد فعل على التضييق الأمني، فإن ذلك يضاعف من صعوبة مهمة قوات الأمن في رصدها لهذه الأخطار الخفية والوصول إليها، لسرعة تشكيلها واعتمادها على أفراد مجهولين أمنيا.

وأكدت مصادر أمنية لـ”العرب” أن الخلايا الإرهابية الجديدة تتخذ أشكالا ومسميات عدة داخل مصر وخارجها، وتعد تطورا طبيعيا للعمليات الإرهابية في العالم، في ظل انشغال أكبر تنظيمين في العالم (القاعدة وداعش) بالحرب ضدهما.

وأخذت أشكال العمليات الإرهابية تتطور، فأضحت هناك “الذئاب المنفردة”. وجرى تنفيذ عمليات مختلفة في دول عدة، وهناك “الخلايا العنقودية” التي تتكون من عدد صغير يتوقف نشاطها بعد تحقيق هدفها.

وقال هشام النجار، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، إن مصطلح الجهاد الفردي من أدبيات تنظيم القاعدة، وتم استحداثه ليكون دليلا للعمليات الإرهابية على مستوى العالم. ولهذا المنهج شيوخه في التنظيمات الإرهابية الكبرى أبرزهم أبومصعب السوري، المسؤول العسكري لتنظيم داعش الذي تم تعيينه مؤخرا خلفا لـ”أبوعمر الشيشاني” الذي لقي حتفه العام الجاري.

اختفاء الخلايا الإرهابية الكبيرة بعد توالي الضربات الأمنية فتح الباب أمام ظهور شخصيات مجهولة

وأضاف النجار أن تولي “السوري” لهذا المنصب أثّر بشكل مباشر على شكل العمليات الإرهابية في العالم تحديدا خلال الأشهر الأخيرة، إذ أن أغلب العمليات التي تمت نفّذها عدد صغير من الأفراد لا يتعدى الخمسة، وغير مرتبطين أمنيا بالمراكز الداخلية، وقد يكون ذلك من خلال تكليف ودعم خارجيين.

وبالنسبة للحالة المصرية، أوضح النجار أن الاعتماد على الخلايا الصغيرة يتم غالبا من قبل جماعة الإخوان وقياداتها في الخارج، فمعظم العمليات التي نفذتها كانت بتخطيط وتكليف وتمويل من جهات تقطن خارج البلاد، على أن يكون التنفيذ مهمة الداخل، وهو أمر تكرر في عمليات عديدة، بدءا من اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام السنة الماضية، ونهاية بحادث المنوفية قبل أيام.

وأشار البعض من الخبراء إلى أن هناك أسبابا عدة دفعت جماعة الإخوان لاطلاق تلك الخلايا، منها إبعاد تهمة الإرهاب عنها، والتبرؤ من عمليات القتل والتخريب ولصقها بتنظيمات أخرى ومنع الدول الأجنبية من إعلانها جماعة إرهابية.

وظهر نشاط الخلايا الإرهابية الصغيرة في مصر لأول مرة في 24 يناير 2014، عندما أصدرت حركة تسمى “المقاومة الشعبية”، بيان ميلادها الذي تداولته صفحات مختلفة على موقع التواصل الاجتماعي، وتحدثت فيه عن تنفيذ عمليات إرهابية استهدفت أقسام شرطة، ورجال أمن، قبيل حلول الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير. وتبنى التنظيم تنفيذ عدة عمليات تخريبية، واستهداف الأجهزة الأمنية، مؤكدا أن “عملياته حلقة في سلسلة كبرى”.

بحسب خبراء أمنيين فإن هناك مستويات عدة للخلايا الإرهابية داخل مصر، منها الضخمة التي تتراوح أعدادها بين 200 و500 فرد، وأهمها خلية “أجناد مصر”، إلا أن إمكانياتها تظل محدودة وتنشط في محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية)، وهناك خلايا متوسطة العدد والقوة مثل “المقاومة الشعبية” و”العقاب الثوري” وتنفذ عملياتها على استحياء من وقت لآخر، وتعرضت لاختراقات أمنية نجحت في تفكيكها لكنها تسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها.

مواجهة الخلايا الإرهابية مسألة صعبة للغاية

وتوجد الحركات الصغيرة التي يتراوح عدد أعضائها بين 5 و10 أفراد، ويتم حلها غالبا بعد الانتهاء من العمليات المكلفة بها، هناك كتائب مثل ” كتائب حلوان – كتيبة إعدام – مولوتوف – حسم – ولع – داهف – مجهولون” وهي تمثل تحديا كبيرا أمام قوات الأمن لصعوبة التوصل إليها، لأنها تنشأ في مناطق سكنية مزدحمة، وتتكون من أشخاص غير معروفين. ويتفق الكثيرون على أن تشكيل الخلايا الصغيرة داخل مصر تبلور عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة قبل ثلاث سنوات، وأصبحت تنشط في المدن الحضرية بمحافظات مختلفة، وتعبر عن نمط من الإرهاب بلا قيادة، كونها تضم قطاعا من الشباب المنتمين إلى جماعات وتنظيمات متعددة.

ومن أبرز سمات تلك الخلايا عدم اعتمادها على قيادة رئيسية تمثل مركز الثقل الفعلي للجماعة الإرهابية، ويصعب تحديد القيادات الميدانية أو الدينية في الخلية، فضلا عن تعدد مراكز الثقل فيها والتي تتشكل بحسب السياق المصاحب، كذلك تعدد الأسباب الخاصة بتطرف الأفراد – الأعضاء وانضمامهم لهذا النوع من الخلايا. وفي حالات معينة تكون الفكرة هي التي تجمع أعضاء الخلية، وفي أخرى تصبح الرغبة هي المحفز على ممارسة الفعل الإرهابي.

وكشف وليد البورش، القيادي المنشق عن الجماعة الإسلامية لـ”العرب”، أن تجمّع أشكال الطيف الجهادي داخل اعتصامي رابعة والنهضة سهل مهمة تشكيل تلك الخلايا. وأضاف أن انتشار الخلايا ارتبط بشكل أساسي بأماكن تواجدها قبل عملية الفض، فمثلا تنظيم “أجناد مصر”، الذي شكله أعضاء من حركة “حازمون” التي أسسها حازم أبوإسماعيل، نشطت عملياته في محافظة الجيزة ومدينة السادس من أكتوبر بصورة لافتة، وهي مناطق شهدت زخما سياسيا للعديد من فعالياتهم الدعائية.

ويعتقد الكثير من الخبراء أن مواجهة تلك الخلايا مسألة صعبة للغاية من خلال التعامل الأمني، الأمر الذي يستلزم جهدا فكريا موازيا من قبل الأزهر والمؤسسات الإسلامية الوسطية للتصدي للأفكار المتطرفة التي تم زرعها في نفوس فئات عديدة من الشباب، الذي تحول لظروف أمنية وسياسية إلى قنابل قابلة للانفجار في أي لحظة.

7