أشباح في الذاكرة

الجمعة 2014/08/15

طوال هذا الأسبوع أطلقت العنان لنفسي بين مكتبات لندن ورحت أقلَب بين الرفوف الواحد تلو الآخر كعادتي دائما. وفي مكتبة “فويلز” الشهيرة لفت انتباهي كتيب من الحجم الصغير وهو حوار بين مفكر فرنسي معروف في الأوساط الروائية والمسرحية والفلسفية العالمية وهو آلان باديو وبين المثقفة الفرنسية إليزابيث رودانيسكو التي تصنف كأبرز مؤرخي التحليل النفسي الفرنسي، وتاريخ الثورة الفرنسية.

اشتريت الكتيب ورحت ألتهمه صفحة صفحة رغم هدير قطارات المترو. هذا الحوار هو حول إرث جاك لاكان الذي شغلت نظرياته وأفكاره المتخصصين في العلاج النفسي والنقد الثقافي والسينمائي وغيرها من الحقول الاجتماعية والفلسفية في أوروبا والأميركيتين الشمالية والجنوبية.

وأنا أقرأ هذا الكتيب رحت أتذكر تفاصيل صغيرة مهمة جدا مرتبطة بحياة ومواقف جاك لاكان وعائلته من حركة التحرر الوطني الجزائري التي علاها غبار النسيان وخاصة من ذاكرة الطرف الجزائري الذي اعتاد على إدارة الظهر والقفا لعشرات المفكرين والفنانين والأدباء، الذين آزروا نضالات وتضحيات المجاهدين.

تذكرت أن جاك لاكان كان قد تزوج من الممثلة الفرنسية اللامعة سيلفيا أرملة الكاتب الفرنسي الشهير جورج باطاي الذي كان يمينيا ومساندا للاستعمار ووقف ضد استقلال الجزائر بكل قوة. لقد قام جاك لاكان بتربية ورعاية لورانس ابنة باطاي حتى كبرت وأصبحت من المثقفات الفرنسيات البارزات وامتهنت الطب النفسي والتمثيل السينمائي إلى أن أدركتها الوفاة عام 1986.

على خلاف والدها جورج انخرطت لورانس باطاي الطبيبة العقلية والفنانة في حركة التحرر الوطني الجزائري إيمانا منها بحرية الشعوب وحقها في مقاومة الاستعمار فقامت بتسريب الأسلحة للمجاهدين الجزائريين عن طريق مدينة مرسيليا وخلال عملها هذا اكتشف أمرها وألقى الأمن السري الفرنسي القبض عليها وأودعها السجن وعاملها كخائنة لفرنسا. وهي في السجن وقَع لاكان إلى جانب المثقفين الفرنسيين أمثال سارتر ودي بوفوار وجان فرانسوا ليوطار وغيرهم كثير على لوائح المطالبة بحق استقلال الجزائر كما كتب كتابه الشهير “أخلاقيات التحليل النفسي” وخصص فيه قسما للشخصية الأسطورية- الأدبية أنتيغون.

في الواقع كان لاكان صاحب الشعار المعروف وهو: “لا تسلم أبدا في رغبتك” يقصد لورانس باطاي التي قاومت الاستعمار الفرنسي وساندت رغبة الشعب الجزائري في الحرية، وجراء موقفها هذا أودعت مثل أنتيغون في ظلمات سجون فرنسا. بعد استقلال الجزائر لم يكرم المسؤولون الجزائريون لورانس باطاي ولا جاك لاكان ولا جان بول ساتر ولا ليوطار إلخ.. ولم يسموا ولو شبه زنقة ضيقة ومعتمة باسمها وباسم هؤلاء، وتلك أيام نداولها مع أشباح النسيان.


كاتب من الجزائر

15