أشباح مسرحية تقتحم شقة نجيب محفوظ

مسرحية "شقة عم نجيب" تستعرض الصراعات الهشة بين البشر الباحثين عن أفكارهم المثالية وآدميتهم المتوارية.
الأحد 2018/03/18
شخصيات محفوظية نمطية في مشهد من العمل

القاهرة - تتخطى شخصيات نجيب محفوظ الروائية حدودها التخييلية، مُشكّلة نماذج حيّة راسخة في الوجدان المجتمعي المصري، وقد أسهمت السينما بالتأكيد في تغذية ذلك الشعور بأن أبطال أعمال محفوظ هم أناس حقيقيون من لحم ودم، يتكرر حضورهم في الواقع جيلًا بعد جيل، الأمر الذي أغرى باستحضارهم في الفانتازيا المسرحية “شقة عم نجيب”، المعروضة حاليا على مسرح الغد بالقاهرة.
“سي السيد”، “الست أمينة”، محجوب عبدالدايم، علي طه، وغيرهم، شخصيات محفوظية استدعاها العرض الذي كتبه سامح مهران، وأخرجه جلال عثمان، ووضعت موسيقاه ياسمين فراج، وصمّمت ديكوره نهاد السيد، وشارك في بطولته: هبة توفيق، شريف عواد، خضر زنون، مروة يحيى، أحمد نبيل، ريهام السيد، سلمى رضوان.
ظهرت الشخصيات المحفوظية القديمة في عرض “فرقة الغد” بوصفها أشباحا تستوطن شقة العم نجيب الكائنة بحي العجوزة، وتلاءم هذا الظهور المتسارع مع خفة تصويرها دراميًّا، وانقسمت إلى فريقين بدائيين من الشياطين والملائكة، يتصارعان مع بعضهما البعض، ويتفاعلان مع الشخصيتين المحوريتين “عباس” و”سعدية”، اللذين سكنا في الشقة ذاتها بعد رحلة طويلة للبحث عن مسكن.
فتحت المسرحية بابا للأفكار والتساؤلات حول الخير والشر في معركتهما الأبدية، وأحلام الفقراء البسيطة في مواجهة الطبقية البغيضة، واستمرار “ماركات مسجلة” من الأنماط البشرية قادرة على الإفساد أو الإصلاح في كل العصور، وهي التي رسم محفوظ ملامحها العامة في رواياته الشهيرة، وأعادتها المسرحية إلى الحياة.
هذه الإحالات الذهنية، والنمذجة المحسوبة للأبطال والأحداث، والاستدعاءات التي يمكن وصفها بالتاريخية على اعتبار أن روايات محفوظ الواقعية تسجّل بالفعل واقعًا، وغيرها من “تراكيب” العمل المسرحي، بدت وكأنها لا تراعي ما هو أبعد من الإطار الفكري الذي تدور فيه.

عرض ذهني يفتح بابا للأفكار والتساؤلات حول الخير والشر في معركتهما الأبدية.. وأحلام البسطاء في مواجهة الطبقية البغيضة

افتقر العرض إلى كثير من فنون المسرحة، من حيث التنامي الدرامي، والتعمق في تجسيد الأبعاد الداخلية للشخصيات، والقدرة على خلق حوار رشيق جذاب، وإفساح المجال للحركة والأداء الجسدي، واستثمار الفواصل الغنائية والتأليف الموسيقي المصاحب.
أما ذروة الافتقار، فقد تجسدت في تشخيص أبطال نجيب محفوظ، الذين قفزوا إلى خشبة المسرح من شاشة سينما أفلام محفوظ وليس من رواياته نفسها، وفرق كبير بين الإمكانات والشحنات الهائلة لدى شخصيات محفوظ المكتوبة، وبين انعكاساتها المسطحة في أغلبية الأعمال السينمائية.
إغواءات هشة
 تنطلق مسرحية “شقة عم نجيب” من حدث بسيط، هو بحث الزوجين عباس وسعدية المضني الطويل عن شقة كي يتمكنا من إتمام زفافها، وبعدما تضيق بهما السبل، وعلى نغمات “آه لو لعبت يا زهر”، يطالعان في “قرطاس الترمس” إعلانًا منشورًا عن شقة مكوّنة من ست غرف بحي العجوزة الراقي، بإيجار زهيد.
وينتقل الزوجان الفقيران، الذي ينفر كل منهما من رائحة الآخر، إلى السكن في الشقة بالفعل، بعد أن يوافق على أن يسكنا فيها العجوز الأرستقراطي الذي يقدّم نفسه لهما على أنه مالكها “الباشا”، رغم احتقاره لهما بقوله “مليتم البلد زحمة وقذارة، طظ فيكم وفي الاشتراكية”.
ويعقد الطرفان اتفاقا ضمنيّا، فكل طرف لديه مصلحة وراء إتمام هذا السكن، فالزوجان يحلمان بمسكن، والباشا، الذي يتضح لاحقا أنه ليس مالك الشقة بل إحدى شخصيات نجيب محفوظ الشريرة، يطمع في أن يساعده الزوجان في تخليص الشقة المسكونة من أشباحها المقيمة.

شقة محفوظ

مع توالي الأحداث المبتورة، وليس تناميها، يتضح أن الشقة مملوكة للكاتب نجيب محفوظ، وأن الأشباح التي تسكنها، وتوجد في لوحاتها الحائطية، وعلى شماعات دولابها، وفي ثلاجتها، هي شخصيات روايات نجيب محفوظ الشهيرة والمحفوظة.
ويتوالى ظهور هذه الشخصيات/ الأشباح تباعا، في اسكتشات متلاحقة، ومنهم الشخصيات الملائكية مثل علي طه المناضل الوطني في “القاهرة الجديدة”، والشخصيات الشيطانية ومنهم: محجوب عبدالدايم الانتهازي القوّاد في الرواية ذاتها، الذي يصف ذاته بأنه “ماركة مسجلة” في كل العصور.
وتدور صراعات بدائية بين قوى الخير والشر في الشقة، ويدخل عباس وسعدية مضمار الصراعات، وحين يحاول محجوب عبدالدايم إغواء سعدية الجميلة كي تصبح عاهرة، فإنها تقاوم وتستعين بالمناضل الوطني علي طه، وريري زوجة عيسى الدباغ في “السمان والخريف” (المجمّدة في الثلاجة)، وتتصدى سعدية للإغواء، وتنتصر متحررة من الخوف والتهديد.
على النقيض، يسقط عباس في فخ إغواءات سي السيد وزبيدة العالمة، بوصفهما شيطانين يؤمنان بأن من حق الزوج استعباد زوجته وإهانتها وخيانتها، انطلاقًا من أن نموذج “الست أمينة” سيظل أبد الدهر، ويصير عباس صورة من سي السيد، ذلك الذي تقدّمه المسرحية بتبسيط غريب كمجرد عبد للشهوة خارج المنزل وقاهر للمرأة في بيته، يعلّق زوجته أمينة على شماعة الدولاب.
هكذا تأتي الأحداث الفجّة كلها، وتدور الصراعات الهشة بين البشر الباحثين عن أفكارهم المثالية وآدميتهم المتوارية، وبين الأشباح التي تحاول بعضها سرقة الأرواح المضيئة، وتسعى بعضها إلى مساندة القيم النبيلة والدفاع عنها حتى الرمق الأخير.

من مفارقات وتناقضات عرض “شقة عم نجيب” وقوعه في أسر الكليشيهات والأنماط، على الرغم من حرص صنّاعه الظاهري على الإتيان بصيغ مستحدثة وكسر النمطية في المضمون والنسق الشكلي على السواء.
يبدو المسرح دائريًّا، حيث تتوزع المشاهد على اتساع محيطه، في حين يجلس المشاهدون في قلب الدائرة، وتسمح المقاعد بالحركة لتوجيه زاوية الرؤية صوب المشهد الجاري.
هذا التجديد في النسق الشكلي، تضافرت معه الرؤية المسرحية، كفكرة لا تخلو من ابتكار، وكقماشة منسوجة بوعي وخبرات بالتجارب المسرحية العالمية التي تتناص أو تتقاطع مع أعمال إبداعية قديمة ذائعة الصيت، وتستحضر شخصياتها في سياقات عصرية مغايرة.
لكن هذه الرغبة في التجاوز، حدّت من جموحها الشخصيات المحصورة في تقليديتها، فسعدية وعباس وجهان مألوفان للبرجوازية الصغيرة المتآكلة في السنوات الأخيرة حد التلاشي، والعجوز الثري “الباشا” أيقونة مكرورة للإقطاعي القديم في أفلام الأبيض والأسود، بلهجته وعباراته وازدرائه للفقراء وسخطه على قوانين الإصلاح الاجتماعي.
يبلغ التنميط مداه في اجتلاب العرض المسرحي صور الشخصيات المحفوظية من ذاكرة السينما، خصوصا الأفلام الضحلة، وليس من الروايات المكتوبة، ويمعن العرض في تسطيحها أكثر بإبراز وجه واحد من وجوهها، في مشاهد صمّاء تلائم ظهور الشخصيات كأشباح أو كتماثيل مجمّدة.
علي طه المناضل مثلًا، ومحجوب عبدالدايم الانتهازي القوّاد، في رائعة محفوظ “القاهرة الجديدة”، هما في النص الروائي شخصيتان بالغتا الثراء والتعقيد، وبداخل كل منهما صراع داخلي ومحطات للتطور والتنامي، فضلًا عن صراع كل منهما مع الآخر فوق خارطة الوطن الممزق، وفي عشق إحسان التي تؤول لأحدهما، وتحفظ ذاكرتها الآخر.
في “شقة نجيب محفوظ”، يتم اختزال المناضل الوطني إلى صورة معلقة على الحائط تنطق بالشعارات والمواعظ الجافّة، وتسعى إلى التحرر من بروازها، في حين يظهر محجوب عبد الدايم كشيطان طليق لا هدف له في الحياة سوى محاولة غواية سعدية وجرّها إلى الرذيلة.
لم يحرص العرض على فنون المسرحة، إذ سرقته الفكرة الذهنية المجرّدة بعيدا عن الدراما المتنامية والتجسيد العميق للأبعاد الداخلية للشخصيات، كما افتقر إلى مهارة خلق حوار رشيق جذاب، وجماليات رسم فضاء للحركة والأداء الجسدي والانفعالي، وإمكانية استثمار الفواصل الغنائية والتأليف الموسيقي المصاحب على نحو يثري الحالة.

شيء من الافتعال

جاء تقمُّص الممثلين للأدوار أيضا مشوبا بقدر من الافتعال، فالنص المسرحي لا يقدّم أيّ تصوّر عن الأعماق الذاتية للشخصيات، كما أن وعي الممثلين بتشابكات وتعقيدات الروايات المحفوظية قد لا يكون حاضرا بالدرجة المثلى المطلوبة.
بدورها، أمعنت الأزياء في إضفاء حس كاريكاتيري على الشخصيات، فالبطلان الفقيران تفضحهما ثيابهما المتهاكلة، شأنها شأن رائحة عرقهما، والباشا يتمظهر في أوج أناقته الأوروبية التي تتناغم مع لغته المليئة بالمفردات الأجنبية، والشخصيات المحفوظية استنساخات جسدانية لتمثلاتها السينمائية، مع إضفاء مسحة مبالغة على بعضها، كما في “سي السيد” الذي أضيفت إليه لحية طويلة.
مفارقة أخيرة، هي أن العرض ينتهي بتحرر سعدية من ضغوطها وأغلالها، كامرأة ضعيفة تواجه متاعب متراكمة وإغواءات شتى في حياتها الأسرية والمجتمعية، على أن المتلقّي يستشعر بأنه يرسف في قيود القولبة، ويحلم بتثوير فني قد يأتي عبر آليات أخرى خارج هذا المسار.

تصوير: محمـد حسنين

14