أشباح معركة "بواتييه" تقود حملات انتخابية في فرنسا

“من أين يأتي هذا الحقد المتأصل الذي يكنه جزء لا يستهان به من الفرنسيين إزاء المسلمين والعرب، المقيمين منهم والوافدين والمجنسين، على الأراضي الفرنسية ؟”. سؤال طرحه دارسون كثيرون من ذوي الأبحاث الاستقصائية المتعلّقة بهذا الموضوع الذي مازال يتسع ويتنقل كبقعة زيت تلوّث الفضاء الأورومتوسطي، وتهدد قيم العيش المشترك في الجمهورية العلمانية التي تزعم وصايتها على مبادئ الحرية والإخاء والمساواة.
الخميس 2016/10/13
عنصرية تقودها الأوهام وتقبح ديمقراطية فرنسا

باريس- كل جيل في فرنسا يؤرخ لنشأة هذه النزعة بالظروف والأحداث والملابسات التي عرفها عصره، دون أدنى التفاتة إلى الخلف، ومن غير أن يكلّف نفسه بعض النظر والتمحيص في التاريخ الطويل الذي ربط ضفتي المتوسط.

الفرنسيون الذين كانوا قد ولدوا وبلغوا سن العشرين في مستعمرات شمال أفريقيا، والمعروفون بـ”الساق السوداء” يؤرخون للظاهرة مع حرب الجزائر، ابتداء من 1954. أما الشبان من ذوي الأصول المغاربية فيحملون المسؤولية لجان ماري لوبين، مؤسس وزعيم الجبهة الوطنية، ذات التوجه اليميني المتطرف.. والرجل هو بدوره يصنف من “الساق السوداء” كما هو معروف.. وهو توصيف يحمل تمييزا ذا طابع عنصري بين المستعمرين أنفسهم، وتلك مفارقة غريبة تدل على أنّ العنصرية عبارة عن حلقات تتناسل في ما بينها وتفرز تراتبيات مختلفة.

لدى كل جيل في فرنسا شعور تلقائي بأن السجال حول العلاقة مع المسلمين بدأ معه، ويتوجب عليه بذل الجهد للنسيان كطريقة لابد منها في سبيل التعايش والعيش المشترك، لكن العودة إلى جذور هذه النزعـة وملابسات تكوّنها، لا توقظها (وهي المتيقظة أصلا) بل من شأنها أن تكشف خفاياها وتفـضح أسبـابها، لعلـها تفيد في أخذ العبرة.

لدى كل جيل في فرنسا شعور تلقائي بأن السجال حول العلاقة مع المسلمين بدأ معه، ويتوجب عليه بذل الجهد للنسيان

العنصرية المضادة للعرب والمسلمين في فرنسا تعود إلى القرون الوسطى، وبداية ما عرف بالحملات الصليبية أو ربما إلى ما قبل هذا التاريخ، كما يقول باحثون.

يتساءل أحد المتخصصين “أليس من اللافت أن تكون بعض العناصر المكونة لثقافة الفرنسيين التاريخية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجابهات مع العالم العربي والإسلامي؟ وذلك بالتسلسل الزمني من معركة بواتييه المعروفة في المصادر العربية بـ”بلاط الشهداء” التي قادها عبدالرحمن الغافقي، تليها معركة رونسفو، ثم جاءت الحملات الصليبية، ولعل من أهمها تلك التي قادها لويس التاسع، وهلك مع جيشه بوباء الطاعون ومازالت الكنيسة الشهيرة في ضاحية قرطاج التونسية تحوي قبر القائد الذي طوّب إلى مقام “قديس“.

الفرنسيون الذين يحملون بعض الذكريات المدرسية، ويتذكرون ما علق في أذهانهم من كتب المناهج التعليمية، هم حتما لم ينسوا معركة بواتييه عام 732 التي تأتي في رأس قائمة التواريخ المعروفة، إلى جانب تتويج شارلمان عام 800 ومعركة مارينيان في 1515 و يقرنونها، وبنفس النظرة الأخلاقية، بسقوط الباستيل عام 1789. إنها حتما ليست مصادفة أن يتأسس التاريخ القومي للأمة الفرنسية، والذي يدرّس في مؤسسات فرنسا العلمانية، على أحداث ووقائع ترسم ملامح هوية وتعمل على تأصيلها وفق نزعة لا تخلو من العنصرية والعداء المبيت للعرب والمسلمين.

بالتأكيد لن يقف المرء، وبالمقابل، إلى جانب الكثير من المبالغات ذات الطابع الشوفيني التي يرددها بعض غلاة العروبة عندنا، كتصوير معركة بواتييه على أنها ملحمة خالدة كادت أن تعلن إسلام فرنسا وأوروبا قاطبة، لكنّ اللوم يقع على دولة تقدم نفسها كحامية لمبدأ التساوي أمام قانون المواطنة. العلمانية الفرنسية لم تتمكن من غربلة الموروث الثقافي الشعبي، وتنقيته من الشوائب العنصرية ونزعات الكراهية للمسلمين والعرب، بل ما زالت أطياف اليمين تستحضرها وتتباهى بها كما حدث بعد تداعيات 11 سبتمبر 2011، إذ يوضح ستيفان دنيس الصحافي في “لو فيغارو”، بكل هدوء أن ليس على الغرب أن يخجل من الحملات الصليبية، وحجته الرئيسية قوله “لم أسمع يوما عربيا يعتذر لأنه وصل إلى بواتييه!”، وخلال إحدى الحملات الانتخابية الرئاسية في تاريخ فرنسا القريب، وسنة 2002 بالتحديد، شاهدنا على جدران المدن: عبارة “مارتيل 732، لوبن 2002“. في إشارة إلى شارع شارل مارتيل الذي شهد البعض من الهجمات على الكنائس، وغدا رمزا لحصن المسيحية في الذاكرة الجماعية.

وشارل مارتيل هو الذي قاد جيشا ضخما من الفرنسيين والعشائر الجرمانية البربرية الوثنية والعصابات المرتزقة من كل حدب وصوب، حتى أصبح هذا الجيش أضعاف جيش المسلمين، وتمكّن قائد الإفرنج كارل مارتيل (كما تسميه بعض المصادر) من إيقاف المد الإسلامي بقيادة عبدالرحمن الغافقي ومنعه من اجتياح أوروبا، كما لا بد من التذكير بأنّه وخلال حرب الجزائر، اتخذ المتطرفون من أعضاء كوماندوس “منظمة الجيش السري” اسم “شارل مارتيل” كبطل قومي ورمز لمسيحية فرنسا في مواجهة العرب والمسلمين عموما.

الفرنسيون الذين يحملون بعض الذكريات المدرسية، ويتذكرون ما علق في أذهانهم من كتب المناهج التعليمية، هم حتما لم ينسوا معركة بواتييه عام 732 التي تأتي في رأس قائمة التواريخ المعروفة

هكذا يزج بأحداث تاريخية ويقع ليّ عنقها في سبيل مآرب سياسية، والحقيقة أنّ المسألة العقائدية في تلك الحروب لم تكن من أولويات قادتها ومشعليها، فالمؤرخ هنري بيرين، يكتب في هذا الخصوص “لا ترتدي هذه المعركة الأهمية المعطاة لها، إنها لا تشبه الانتصار على أطماع القائد أتيلا، فلو غلب شارل مارتيل على أمره لكان نتج من ذلك عملية نهب واسعة النطاق، كما أن التراجع العربي يرتبط على الأرجح بمشكلات داخلية للأمبراطورية الإسلامية الفتية أكثر منها تأثرا بالضربات التي وجهها شارل مارتيل”.

استحضار التاريخ هذا، ومحاولة استثماره لتأجيج مشاعر الكراهية لدى الأوساط اليمينية في فرنسا، تتحمل مسؤوليته نظم تربوية وثقافية، بالإضافة إلى الحالات الدعائية المسعورة التي غالبا ما ترافق الحملات الانتخابية. ما حدث بالأمس البعيد في فرنسا يحدث الآن مع فوارق طفيفة في الأساليب، فقد انتشرت منذ أيام قليلة في شوارع “بيزييه”، جنوبي فرنسا، لافتات عنصرية ضد المهاجرين في حملة أطلقتها بلدية المدينة ووُصفت بأنها “غير مسبوقة” في البلاد.

وكتبت على اللافتات عبارة “لقد وصلوا..المهاجرون في قلب مدينتنا، والدولة تفرضهم علينا”، ويظهر في الرسومات عدد من الشباب الملتحين، وفي الخلفية صورة لكنيسة تبدو وكأنها محاصرة بالمهاجرين. وضعت تلك اللافتات في أماكن دعاية قانونية تابعة لبلدية المدينة، التي يترأسها روبير مينار المعروف بمواقفه العنصرية ضد المهاجرين والمسلمين، وهو ما يشير ضمنا إلى أن الحملة للبلدية. وأثارت تلك الحملة موجة من الغضب لدى سياسيين ومثقفين ومواطنين فرنسيين لا سيما بعد أن نشر عدد من مدوني المدينة صور اللافتات على المواقع الاجتماعية.

وقالت السياسية، ماري لور فاجيس، المكلفة بملف حقوق الإنسان في الحزب الاشتراكي الفرنسي في تصريحات إن “ما يقوم به مينار في بلديته مخز، و هو وصمة عار لكل الجمهورية الفرنسية”. وأضافت أن “مينار وصل حالة غير مسبوقة من العنصرية والتصريح بها، لا أعلم إن ساهمت مؤسسة تابعة للدولة وتستمد شرعيتها من الدستور، في حملة عنصرية مثل هذه”. من جانبها، قالت الناشطة في “الشبكة الفرنسية ضد العنصرية” (غير حكومية)، جولي باسكو، “ما نراه اليوم في بيزييه يذكرنا بالحملات التي كانت تستهدف اليهود في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي”.

13