أشباح هدنات وأوهام تقسيم على هامش الحرب على سوريا

السبت 2017/07/22

هدنة المناطق الأربع في سوريا أصبحت تشمل منطقة خامسة في جنوب غرب سوريا تشمل أجزاء من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، دون تحديد جغرافي دقيق ومسبق ومعلوم حتى للمتواجدين في هذه المنطقة الجغرافية، من المدنيين والعسكريين.

والمناطق الخمس تقع في النصف الغربي من “سوريا المفيدة”، وليس كل هذه “المفيدة”. ومن عنوانها، يُفترض أن تحافظ الهدنة على خطوط التماس بين الأطراف المتحاربة المعنية بالهدنة. وهنا بيت القصيد، فأي تواجد لداعش، أو لهيئة تحرير الشام، سيكون ذريعة حقيقية أو مختلقة، كي يخرق النظام وداعموه هذه الهدنة.

موضوع الهدن وغموضها الجغرافي، بالإضافة إلى اقتصارها على أقل من نصف مساحة البلاد، فتح شهية المحللين للعزف في فضاء خرائط تقسيم سوريا، على الرغم من قناعة أولئك المحللين بالمصلحة المنفية لكل من نظام الأسد ونظام المعارضة، في أي تقسيم جغرافي، كون الطرفين لم يعلنا بعدُ حالة الاستسلام تجاه بعضهما أو تجاه النظامين الإقليمي والدولي المتدخلين في سوريا.

سيستفيد النظام من رمزية رفع علمه على معبر “نصيب” في درعا، على الحدود الدولية السورية الأردنية، دون تفاصيل في ما إذا كان الجيش السوري الحر الذي يسيطر على المعبر منذ سنوات سيقبل فعلياً بتسليم النظام الإدارة الفعلية للمعبر.

أما الفصائل المعارضة في درعا فيبدو أنها مرغمة على الاستسلام للإرادة الروسية- الأميركية المبارِكة لهدنة الجنوب، استمراراً لانصياعها لأوامر غرفة عمليات “موك” منذ سنوات، بمشاركة إسرائيلية في هذه الغرفة من وراء ستار يفضح المخاوف الإسرائيلية من وجود أصابع لداعش والنصرة على الحدود الدولية السورية الفلسطينية.

دون القضاء على داعش وهيئة تحرير الشام لا تستطيع كل من روسيا وأميركا وتركيا التصرف في إقطاعياتها

المصلحة الإسرائيلية في إنجاز هذا الاتفاق تحتل موقع الصدارة، دون وجود ما يشير إلى تغير المعادلة الآمنة إسرائيلياً في المنطقة، حتى لو ألمحنا إلى محاولة النظام السيطرة على درعا في الشهرين الأخيرين. هذه المحاولة فشلت في استباق موعد الهدنة حتى مع مؤازرة الطيران الروسي لجيش النظام وميليشياته، لكنها جعلت النظام يخفف من وتيرة هجومه بأوامر روسية، وإن كانت المحاولة لا تزال قائمة.

وعلى مستوى العلاقات الدولية للاعبين في سوريا، من المستبعد التفكير في تقسيم جغرافي، وأكثر ما هنالك ستتم المحافظة على مناطق النفوذ التي تم تقاسمها مسبقا بين روسيا وأميركا وتركيا.

لكن وجود داعش وهيئة تحرير الشام لا يتيح للأطراف الرابحة في يانصيب تقاسم النفوذ الإعلان عن حجم جوائزهم. ودون القضاء على هذين التنظيمين لا تستطيع كل من روسيا وأميركا وتركيا التصرف في إقطاعياتها. معنى ذلك أن المرحلة المقبلة ستكون في إدلب، بعد التأكد من استقرار منـاطق الهـدن الخمس.

وفي الأصل “المعـركة” ضد داعـش تسير بهـدوء وبـطء منذ تسعة أشهر، بداية من الموصل، ومنذ شهر في الرقة، بينما يستمر النظام وداعش في ملاعبـة بعضهما في بـادية ممتـدة متصلـة بالعراق والأردن والسعودية والكويت.

وعلى هامش هدنة الجنوب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراجع أميركا عن تدريب ودعم فصائل من الجيش السوري الحر. وهذه في الحقيقة مجرد جائزة إعلامية مقدمة من ترامب إلى فلاديمير بوتين، ليس أكثر، كون سياسة الرئيس السابق باراك أوباما في دعم الجيش الحر لم تكن مجدية، هذا إن كان لها سند على أرض الواقع، فطوال السنوات الماضية كان السلاح النوعي ممنوعاً على الجيش الحر، وظلت أوامر القيادة وغرف التحكم في يد أميركا.

وعلى العكس، بدا أن التفاهم الروسي التركي أكثر فاعلية حين دربت أنقرة عناصر من الجيش الحر شاركوا في عملية درع الفرات، ونجحوا مع تركيا في تقييد حركة الأكراد في أجزاء من شمال حلب.

ومن المتوقع أن تستمر هذه الشراكة في شمال إدلب، دون وجود إشارات مؤكدة على إمكانية مغامرة تركيا بالصدام مع هيئة تحرير الشام في إدلب.

وخارج مناطق الهدن الخمسة، يبدو أن النظام الأكثر عملاً وطموحاً بمحاولته الاقتراب من الرقة، وسيطرته على آبار نفط هامشية في جنوب غرب محافظة الرقة، إضافة إلى تأمينه المؤقت لحقل غاز الشاعر، ربما للمرة الخامسة أو السادسة منذ منتصف عام 2014، حيث تبادل النظام وداعش السيطرة على هذا الحقل مرات عدة خلال السنوات الماضية.

الآن، ما هو الشكل المتخيل للتقسيم، وما هي مصلحة النظام، أو مصلحة المعارضة، إذا تم فرض التقسيم؟ وتشمل المناطق الأربع، أو ما تم تسميته “مناطق تخفيف التوتر”، كلاً من حلب (دون ريفها الشمالي)، وحماة وحمص وريف دمشق. وبسبب تداخل السيطرة العسكرية لم يتم التزام الحدود الإدارية للمحافظات المذكورة، بل خطوطا عابرة للجغرافيا الخاصة محكومة بجبهات القتال التي لم تبرد تماما من ناحية النظام الذي لا يزال يعيش نشوة السيطرة على حلب.

عمر نظرية تقاسم النفوذ لن يمتد عشرات السنوات، إما بنفاذ صبر المتلاعبين الأعداء، أو بإرادة شعبية قد تظهر من حيث لا نتوقع

في ما يخص النظام، وضمنا إيران وحزب الله، فهذا الطرف لا يزال ينازع على أمل تحقيق مشروعه، النظام الأسدي باستمرار استثمار المزرعة السورية، وطهران وغلامها للوصول إلى المتوسط، و“تحرير القدس”، وعودة المهدي المنتظر.

ولا مانع من وجود “مشروع فارسي” يصارع “المشروع العربي” في سوريا على خلفية تنافس شيعي سني بين إيران والمملكة العربية السعودية في المشرق العربي.

ولا مصلحة لإيران خاصة في منطقة نفوذ تقتصر على دمشق والساحل (وهو ما قد يقبل به النظام الأسدي صاغراً)، وسط صراع مع “الأقاليم” الأخرى المجاورة في “سوريا الافتراضية” هذه، كون مشروع المغامرة الإيرانية يراهن على كل شيء أو لا شيء.

ونظرية كل شيء أو لا شيء، تنطبق على الطموح الروسي في سوريا، حتى قبل تثبيت موسكو أقدامها في قاعدة حميميم لمدة 49 سنة قابلة للتجديد 25 عاماً إضافية. وأول من رضخ للرغبة الروسية كان تركيا، بعد النظام، لكن دون وجود ما يشير إلى موافقة أميركية أو رفض للمسعى الروسي في هذا الخصوص.

أما الرغبة الأميركية فمتحققة في كل الأحوال، كون سوريا ستظل ضعيفة إلى أجل غير مسمى، حتى لو انتهت الحرب غدا دون تقسيم جغرافي. ومادامت روسيا تحمي مناطق نفوذ النظام، ستظل أميركا بمناطق محاربة داعش، من مدينة إلى مدينة، ومن بادية إلى بادية.

وإذا اضطرت ستخترع أميركا بدائل من داعش، وبدائل من هيئة تحرير الشام، كي لا تبرر وجودها في سوريا بمهمة عرقلة الطموح الروسي فقط.

لكن عمر نظرية تقاسم النفوذ لن يمتد عشرات السنوات، إما بنفاذ صبر المتلاعبين الأعداء، أو بإرادة شعبية قد تظهر من حيث لا نتوقع، ليس دليلها فقط كمون الثورة تحت رماد الموت والدم والدمار، وظهورها في سراقب مثلا في انتخابات بلدية حرة منذ أيام، وليس في حالة الثأر المتوثب ضد النظام لدى المعارضين، ولدى المؤيدين حين زوال داعش، بل عند وصول التناقض بين الشعب السوري المتعدد، وبين الخاطفين المتعددين لمصيره، إلى درجة الوضوح التام، عندما تسوء الأوضاع إلى الدرجة التي لا مزيد عليها.

يبقى متغير أخير يتعلق بالتقسيم، ويتعلق بالأكراد السوريين، وباستثناء الممانعة التركية المزمنة لقيام دولة، أو كيان كردي، على حـدودها الجنوبية، تـوجد ممانعة عربية لهذا المسعى، لا نجازف بوصفها بالكبيرة.

كما يوجد توافق دولي غير مشجع لتوقيت إعلان قيام مثل هذا الكيان، على الأقل على غرار عدم تشجيع قيام “دولة كردستان” في العراق، على الرغم من الرغبة السياسية والشعبية الكردية في مثل هذا الإعلان منذ عام 2003، إذا لم نتحدث عن حق تقرير مصير كردي عمره أكثر من مئة عام.

أما النظام الأسدي فيستمر في ملاعبة الأكراد السوريين في حزب الاتحاد الديمقراطي. والأخير لا يُعلن عداء صريحا للنظام ولا صداقة صريحة معه، إدراكا منه للدور الوظيفي لكل منهما تجاه الآخر، بمعنى “عدو أقل” أفضل لكل من الطرفين في هذه المرحلة. والمرحلة ستنتهي.

كاتب وصحافي سوري

9