أشباه دول في شمال سوريا

الأحد 2015/07/05

يشهد الشمال السوري حالة من الفوضى والتنافس والانتهازية من ثلاث قوى رئيسية، تسعى كل واحدة منها لتصبح شبه دولة، أو تفرض نفسها كدويلة، بدءا من العلم والنشيد الوطني وصولا للحكومة والمؤسسات، ويتخلل هذا التنافس توافق مصالح في الكثير من الأحيان ينعكس بما يشبه التنسيق بينها إلى درجة تثير الارتياب.

ثلاثة كيانات من أشباه الدولة هي: الدولة الإسلامية وخلافتها، ودولة كردستان بغربها وكانتوناتها، ودولة يحاول النظام السوري المترنح الحفاظ على بعض من ملامحها، ثلاثتها تتسابق لتحقيق هدفها قبل الآخر، ولا تتصارع لتحقيق ذلك، ويتخلل هذا التنافس توافق مصالح وتعاون تفرضه الضرورة في الكثير من الأحيان، فهي لا تتقاتل على نفس الأرض إلا نادرا، وتتقاسم الموارد الطبيعية وثروات الأرض والبترول، وتشترك بعدائها للجيش السوري الحر أو بقاياه، كما تشترك بأنها تعتمد على السلاح لا السياسة لتحقيق أهدافها.

تنظيم الدولة الإسلامية، الممول بشكل جيد والمسلّح دون حساب وصاحب العقيدة العسكرية المتهورة التكفيرية، انتشر في سوريا خلال سنة واحدة انتشار النار بالهشيم، وسيطر على نحو نصف مساحة سورية أو أوشك، وأدخل عشرات آلاف المقاتلين الأجانب ليقاتلوا إلى جانبه، وهو يخطط لإقامة دولة خلافة إسلامية في شمال سوريا ثم في كل البلاد، أو بالأصح نواة لـ”دولة إسلامية” تمتد إلى العالم العربي كله وربما لأوسع من ذلك.

ولتحقيق ذلك بدأ بتصفية منافسيه المحتملين، وهم في الحقيقة كافة المجموعات الثورية المقاتلة المعارضة للنظام، أما النظام فهو منافس مؤجّل طالما أن هناك فرصة للتفاهم معه والتنسيق، حيث لم تشهد الساحة السورية أي حرب أو شبه حرب أو حتى معركة مباشرة بين التنظيم وبين قوات النظام، وبات هناك قناعة شبه مطلقة لدى السوريين بوجود علاقة عضوية متينة بين هذا التنظيم والنظام.

حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، صاحب السمعة الملتبسة بمقاييس عرب سوريا وأكرادها، أعلن قبل سنتين إقامة (كانتون) الإدارة الذاتيّة في شمال سويا تحت اسم (روج آفا) وهي تعني بالعربية (غرب كردستان)، وقام بتشكيل حكومة وبرلمان ووضع دستورا لهذا (الكانتون)، واحتكر السلاح والسلطة والقضاء ولم يقبل التشاركية، واستقدم آلاف المقاتلين من جبال قنديل وهم غير سوريين، وامتلأت خزائنه بإيرادات كبيرة (بعضها من آبار نفط يسيطر عليها)، واتهمته العديد من القوى الكردية بأنه يقمع كل كردي لا يوافق على سياساته، واتهمه تيار المستقبل الكردي بالتواطؤ مع (داعش) ضد الجيش السوري الحر، واتهمته المعارضة السورية بالعلاقة مع النظام، وقال الجيش السوري الحر إنه يتعاون مع حزب الله اللبناني، ومؤخرا اتّهمه كثير من السوريين بأنه يقوم بتغيير ديموغرافية شمال سورية تمهيداً لإعلان دويلته، كونفدراليته أو فيدراليته، فالتسمية لا تهمه بقدر أهمية تحقيق هدف الحكم الذاتي.

أما النظام السوري الذي فقد كثيرا من قواه العسكرية والقمعية، وكسب خلال أربع سنوات كره وحقد غالبية الشعب، يحاول بأي وسيلة أن يبقى في شمال سوريا ولو حتى كـ (مسمار جحا)، ليقول لأنصاره وللغرب إنه هو الدولة في تلك الرقعة من سوريا، ولم يتخلّ عنها، ويتآمر مع هذا ضد هذا، مع داعش ضد الثوار، ومع الأكراد ضد داعش، ومع الثوار ضد الأكراد، ومع أيا كان ضد أيا كان، ويُسلح ميليشيات من كل دين ومذهب، ويستعين بمقاتلين من كل حدب وصوب، ولا يمانع بالتعامل مع الشيطان ليُبقي هذا (المسمار) مُخترِقا قلب سورية، مجسّدا سياسة المؤامرات الاستخباراتية التي حكم فيها سوريا لعقود، ومتناسيا أنه صاحب قوى منهارة وشعبية معدومة، وأن لا مستقبل له لا في شمال سوريا ولا في أي شمال آخر.

تتعزز قناعة لدى السوريين بأن تنظيم الدولة الإسلامية ما هو إلا حصان طروادة استخدمه النظام السوري لإرعاب الغرب، وتخويف أقليات الداخل من الموت القادم من الشرق، عفريت القمقم الذي انفلت من قمقمه وبدأ يشاكس مولاه، مشاكسة بحدود، فلا النظام يلقي عليه براميل الموت ولا يقصفه بسلاح الجو، ولا هو يقترب من النظام ولا من مراكزه الحساسة، وهذا يسلّم منطقة لذاك، ليرد عليه هذا الخير بمعروف في منطقة أخرى وطريقة أخرى، وهو تعاون تحكمه المصالح المؤقتة، قابل للانفجار فجأة، تماماً كما انفجرت الثورة السورية، دون مقدمات ودون تمهيد.

كذلك تتعزز لدى السوريين قناعة بأنه ليس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وحده، وإنما غالبية القوى السياسية الكردية عموما، لم تحسم بعد خيارتها بشكل نهائي من الأزمة والنظام، فالحركة الكردية السورية ترى من الأفضل لها أن تنتزع حقوقا ومكاسب قومية وسياسية للأكراد من نظام ضعيف مأزوم متهالك، ومن معارضة مهلهلة، والأزمة السورية فرصتهم ليرسموا حدودا متخيّلة لدويلتهم بدلا من الانتظار إلى أجل غير مسمّى والمراهنة على حلّ قد لا يضمن لهم ما يحلمون به، حتى لو كان الطريق معبّدا بمئات الضحايا الأكراد البسطاء، فالهدف أسمى وأكبر وأهم من حياة هؤلاء المساكين.

أما بالنسبة للنظام فلا حاجة لسرد الكثير لوصف مبادئه وأخلاقه ومنهجه، فوحدها البراميل المتفجرة التي يلقيها فوق رؤوس المدنيين كافية لتدل على مدى وضاعته الأخلاقية والسياسية والإيديولوجية، وهي بالطبع واحدة من المؤشرات الكثيرة جداً والتي تدل على هذه الصفة.

تترافق غالبية العمليات العسكرية لهذه القوى الثلاث مع عمليات تهجير وتطهير عرقي وقتل عشوائي ومجازر، ويستقوي الجميع على السوري المسكين الفقير صاحب الحق والأرض، الذي شارك في الثورة عن طيب نيّة بحثا عن كرامة هدرها النظام وحريّة قيّدها ورزق سرقه، السوري المسكين الذي لم يجد مكاناً ينزح أو يهاجر إليه، والذي لا يملك سوى قوت يومه.

المعارك التي تقوم بين هذه القوى في بعض الأحيان هنا وهناك، تتوقف في الغالب فجأة، ويتوقف تمدد أي طرف دون سبب واضح، ويقول البعض إن الهدف تحقق، عندما يصل كل طرف إلى حدود خارطة الكيان أو الدويلة التي تكفيه مرحلياً، وكل من يحاول أن يقرأ تسلسل الأحداث ونتائجها منذ سنة على الأقل يُدرك أن هؤلاء متفقون على اللعب في الوقت الضائع ريثما تنهار الدولة السورية، ليخطف عندها كل واحد دويلته (المُرقَّعة) التي يريد.

كاتب سوري

6