أشباه نقاد وأشباه كتاب

الجمعة 2017/02/03

تلعب العلاقات الشخصية دورا بارزا في صناعة المبدع، سواء كان كاتبا أو ممثلا أو موسيقيا أو عاملا في غير ذلك من الفنون وقطاعات الثقافة.

الكثير من التجارب الأدبية نالت اهتماما نقديا واسعا، نظرا إلى “جاه” أصحابها، كما نالت رواجا إعلاميا كبيرا، وحركة تسويق جعلت من هؤلاء الكتّاب في الصدارة رغم تواضع منتجهم وحضوره الوهمي.

لعل اشتغال بعض الكتاب في عالم الصحافة الثقافية كان السمة الأبرز التي تدفع النقاد والناشرين إلى الاهتمام بمنجزهم، على علاّته، اهتمام يتجاوز العناية بما يكتبون إلى الترويج له في قالب مضخّم، ضخامة الأسماء التي نفخ فيها عالم الإعلام. عناية من النقاد الطامعين إما في ملاليم لقاء كتاباتهم، وإما في نشر أسمائهم في ساحة أدبية لم يعد للنقد فيها من سلطة، وإما طمعا في بعض الانتشار وتمتين علاقات شبكيّة تتقاطع خيوطها في عقد المصلحة.

جاه الكاتب لا ينحصر في العاملين في الإعلام الثقافي وغيره، بل نجده أيضا في اشتغال بعضهم في حقول السياسة وتبوّئهم مراكز سياسية تخول لهم تقديم خدمات لنقاد كسدت تجارتهم، خدمات من نوع دعوة إلى مهرجان أو تظاهرة، وذلك من قبيل تسهيل الطريق أمامهم لنيل مكاسب أغلبها يسير ومضحك.

هناك جاه آخر للكاتب وهو سلطة المال (تذكرنا سلطة المال والسياسة بأدب النبلاء في فرنسا) أعرف من الكتاب وحتى المبدعين في قطاعات أخرى كالمسرح والموسيقى، يحظون باهتمام نقدي مبالغ فيه سواء من النقاد أو حتى من رفاق الإبداع، اهتمام لا يعبأ بالقيمة الأدبية للمادة التي يقدمونها بقدر اهتمامه بما لهم من جاه ربما يحقق منافع مادية ما. أحيانا لا تتجاوز هذه المنفعة سهرة عشاء.

لا نلقي باللوم على النقاد فحسب، فجل العاملين الثقافيين منخرطون في لعبة "خذ وهات"، أغلبهم إن لم نقل جميعهم أسماك كبيرة وصغيرة تتخبط داخل شبكة المصلحة التائهة في ماء تائه. أما الندرة من الشرفاء في هذا الوسط فمثلهم مثل من يقبض على جمر. إن الإعلام والسياسة والمال هذا الأقنوم الثلاثي بمثابة سلطة مطلقة في عالم الثقافة وصحافتها، ومن يمتلك السلطة في العالم العربي يمتلك كل شيء. حتى الشباب الذين ثاروا على التسلّط الذي أنتج بلدانا متهالكة وفنا متهالكا وثقافة سطحية، وأجرم في حق الإنسان العربي، بعض هؤلاء صار دمى جديدة في أيدي سلطات قديمة تعيد إنتاج نفسها في كل مرة، فجذورها عبارة عن ثقافة مغروسة في عمق الإنسان العربي، هي ثقافة الحاجة والخوف والذاتية والمصلحية.

لا يمكن مطلقا تمزيق شبكة السلطة وتعويضها بمنظومة نقدية مترابطة مع الحياة ومنفتحة على التغيير، إلا من خلال محاربة هذه الثقافة السلطوية المغروسة في عمق الإنسان العربي، بثقافة الحرية التي هي ثقافة جديدة جامعة، فيها اندفاع الشباب ورصانة المخضرمين وأحلام المقبلين. قد يبدو هذا من باب الحلم، لكنّ التغيير دائما ممكن على عكس ما روجت له السلطة من استحالة التغيير إلا من الذات الواحدة ويشع من خلالها، والمقصود بها الذات التي تزعم صلتها بالثقافة والإنتاج الثقافي، وهي غريبة كل الغربة عنها. إنما التغيير في الحقيقة حركة جماعية وهو ما ينطبق بالضرورة على الحياة الثقافية وما ينتظر معها من ثورة في الوعي وتغيير في الأسس والأفكار والتطلعات.

شاعر من تونس

14