أشجار الزقوم

السبت 2015/06/13

حين نشرع في إجراء مقاربة تحليلية أوّلية للأيديولوجيات التّخييلية الظّلامية المقنّعة بالأساطير والدّين، والمنتشرة الآن في بلادنا، وفي مساحات واسعة من عالمنا، مسترشدين بما تبثّه التّعابير المجازية الواردة في الآية القرآنية “أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ.

إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ” من إيحاءات تفصح عن علائق وترابطات، فإننا نكون قد شرعنا في تصوّر شبكة متوازيات دلالية تقيم تناظرا وثيقا، وتراسلا عميقا، بين مكونات هذه التّعابير المجازية بوصفها دوالَّ تبثّ أفكارا تصوّرية ومدلولات تعود مرجعيتها إلى مجال الجحيم التّخيّلي الذي تصوّرته المخيّلة البشرية عبر تنويعات تلتقي جميعا على معنى الشّرّ المطلق مقرونا بالهلاك الفادح والعذاب الجسيم، وبين مكونات تلك الأيديولوجيات التّخييلية الظّلامية وما تبثّه في أوساط عامّة النّاس من معتقدات ومقولات وفتاوى وتعاليم وتصوّرات غيبيّة تزيّف وعيهم، وتدفعهم، بقوّة ما لهذا الوعي الزّائف من قدرة على إلغاء العقل وتنشيط الغرائز وتحفيز الرّغبة العمياء في إشباعها، إلى السّعي المحموم لتجسيد هذه الأيديولوجيات، وما تتطلّبه أو تستدرجه من مواقف وتصرفات وأنماط سلوك، في واقع المجتمعات المتخلّفة التي كانت هي نفسها، في الأصل، البيئة التي وفّرت متطلبات نشوء هذه الأيديولوجيات واصطناعها عقائد شاذة ومناهج سلوك غير إنسانية يفرضها الظّالمون الذين اصطنعوها على المظلومين الذين اعتنقوها، مختارين أو مرغمين.

وإذ تبدأ الآية القرآنية بتساؤل استنكاريّ يقيم مقارنة بين مجالين نقيضين أسهبت آيات سابقة من السّورة نفسها (الصّافات) في وصف أولهما، أي “النّعيم”، الذي يتأسّس حضوره في حياة النّاس، حاضرا ومستقبلا، على الإيمان بالمكونات العقائدية الأساسية للدّين الإسلامي الحق، وعلى انتهاج منظومات القيم والأخلاق الإنسانية التي يتضمّنها هذا الدّين، فيما شرعت الآية التي نقاربها، الآن، في وصف ثانيهما، أي الجحيم، الذي يتأسّس حضوره على ترك هذا الإيمان والتنكر العنيد لمنظومات القيم تلك، فإنّ لإدراكنا مقومات إقامة هذه الثّنائية التناقضية القاطعة بين هذين المجالين المتنافيين حضورا وغيابا في مخيال النّاس، وفي حاضر حياتهم ومستقبل وجودهم الإنسانيّ، أن يفتح أبصارنا وبصائرنا على إدراك تفاصيل الواقع الجحيميّ الذي نعاينه في مجتمعاتنا المتخلّفة، ونعانيه، وعلى تعرّف مسبّباته، وتوقّع مآلاته.

ولعلنا نستطيع في ضوء ذلك أن نقيم ما نتوخّى إقامته من توازيات دالة تفصح، ضمن ما قد تفصح عنه من أفكار ومدلولات، عن فكرة أساسية مؤداها أنّ الجحيم الذي يتمدّد ويتشعب انتشاره في مجتمعاتنا الآن، متواصلا مع ذاك الذي كان قد ترسّخ حضوره فيها من قبل في تمظهرات استبدلت الشّرّ المطلق بالخير الممكن، إنما يرتدّ في الأصل إلى السّعي المحموم، من قبل الظّالمين المحسوبين، زورا وبهتانا، على نخب من البشر، لتجسيد الجحيم في حياة غيرهم من عامّة البشر، عوضا عن الإسهام الفاعل في إقامة النّعيم البشري الأرضي الذي يفتح الآفاق واسعة أمام ذهاب البشرية بأسرها إلى نعيم شامل، متجدّد ومستمر.

ومع شروع هذا الجحيم في تصعيد وتائر تجسّده في واقع مجتمعاتنا، تنتفي الحاجة إلى جمع مزيد من البراهين التي تؤكد حقيقة أن ليس من ناقل سريع لمكونات هذا الجحيم من التّصوّر الغيبيّ التّخييلي الزّائف إلى الواقع الفعلي القائم الآن إلا الأيديولوجيات الظلامية المقنّعة بالأسطورة الدّينية أو بالدّين المؤسطر، أو تلك التي تزعم لنفسها انتسابا، من أي نوع كان، إلى أيّ دين يقبله وجدان، أو عقل، أو ضمير، أو قلب إنسانٍ.

فهل ثمة في الوجود من مواز واقعي لـ”أشجار الزّقّوم” التي تخرج من “أصل الجحيم” ومن صلب صلبه، لتوسّع انتشاره في الأرض، وفي حياة النّاس، وفي أرجاء الكون إلا تلك “الأيديولوجيات الجحيمية”؟ وهل ثمة في الوجود من مواز واقعي لـ”رؤوس الشّياطين” إلا طلع تلك الأيديولوجيات متحقّقا في صنّاع فتاواها وتعاليمها من “عدماء الدّين”، وفي جميع عواقبها وعقابيلها السوداء وضمنها، بالطّبع، ما يمارسه أتباعها من جرائم تتقصّد القضاء على الإنسانية، فكرة وتجليات ومقومات وجود، وذلك عبر تجريد الإنسان من كينونته البشرية، الوجودية والحضارية، لجعله محض “كائن بيولوجي”.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16