أشجار الزيتون تبتسم لمُقتلعها في لوحات نبيل عناني

الفنان الفلسطيني يشنّ هجوما جماليا على المحتل بأخضره المنيع.
الأربعاء 2021/09/01
اختلال الحدود بين الحقول والتلال دون أن تندثر

يعتبر الفنان الفلسطيني نبيل عناني رائدا في حركة الفن التشكيلي المعاصر الفلسطيني أولا والعربي إجمالا، مثله مثل الفنانين سليمان منصور وتيسير بركات، لا يحتاج إلى تقديم معارض تشكيلية على الدوام ليكون حاضرا أو مذكورا باستمرار في عالم الفن التشكيلي العربي. وعناني من خلال أربعة أعمال نشرها حديثا على صفحته الفيسبوكية بدا أنه، وكالمعتاد، قد دخل مرحلة جديدة في تشكيله الفني مختلفة عمّا سبقها.

الفنان المعاصر ليس هو من تبنى توجهات غربية في الفن، أو هو الذي لم يتخط الأربعين من عمره وليس هو من استعمل تقنيات حديثة، بل هو صاحب النص الفني المُتجدّد دائما والذي يجري كنهر بمحاذاة حياة الفنان الشخصية والعامة. ينطبق هذا الكلام على الفنان التشكيلي الفلسطيني السبعيني والرائد نبيل عناني.

أشجان وأفراح

نبيل عناني فنان فلسطيني بكل ما تعني الكلمة من أفكار ومواقف وأحلام. التزم بفحوى القضية الفلسطينية متعاليا على الخلافات والانقسامات السياسية التي حدثت ولا تزال بين الفلسطينيين.

تنقيط أشبه برذاذ غزير

الأساسي ظل بالنسبة له الأرض التي لا يجيء على ذكرها إلاّ مرتبطة في الوعي الجماعي الفلسطيني، لا بل العربي، بحق العودة.

فنان غنيّ عن التعريف، عُرف عنه التجديد الدائم في نصه الفني بداية من منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى اللحظة. شباب دائم وتجدّد لافت يستمرّ إلى اليوم أمام كل من تابع صفحته الفيسبوكية.

فنان تجدّد من حيث الأسلوب والمواد المُعتمدة والمضمون، إذ جعله متشعّبا. ففي الأسلوب الفني جعل للتعبيرية، التي لفحت كل أعماله حتى النحتية منها (رغم أن لوحاته ربما هي الأكثر أهمية) وجوه عديدة ومتكاثرة تجمع بين التعبيرية الواقعية والتعبيرية الرمزية والتعبيرية الغنائية والتعبيرية التجريدية والتعبيرية الساذجة وحتى الوحشية.

وكانت كل هذه “التعبيريات” تتقلّب وتتبدّل حسب تجارب الفنان الشخصية التي لم تكن يوما منفصلة عن أشجان وأفراح فلسطين.

تجديد واضح يظهر أمام كل مُتابع لصفحته الفيسبوكية، حيث ينشر الفنان تباعا أعماله الجديدة، لكن دون الإخلال بنكهة أسلوبه الفني الأخضر والمُشرق أبدا بالرغم من كل الكدمات التي تلقاها ويتلقاها صدر وطنه، فلسطين.

أما “نكهة”، إن صحّ التعبير، أعماله الجديدة فباتت أقرب إلى مذاق وعطر المنّ والسلوى: حلاوة مُعتدلة وغشاوة لطيفة وعطر أرضيّ زاهر، وطراوة روحية/يقينية غارقة في نثار ناصع لم يخفِ معالمها، ولكن أكسبها بعدا زمنيا جديدا خارج البعد الضيق والروتيني الذي نعرفه.

لوحاته الجديدة بدت منفتحة أكثر من ذي قبل على عالم القصص ذات الملامح التاريخية السحيقة والخيالية في آن واحد، وذلك من قلب المشاهد الطبيعية/الفلسطينية التي اشتهر برسمها وليس بعيدا عنها. مشاهد سكنها السكون وخالطتها الثقة بالعدالة الإلهية التي لا بد أن تنزل كلمتها القاطعة.

خفتت في هذه اللوحات حدة ألوان الفنان، واختفت الوجوه والهامات البشرية ذات الملابس التراثية الفلسطينية. اختفت دون أن تغيب وكأنها أصبحت أجزاء خفية من المشاهد الطبيعية، فبثت فيها حياة ودفئا مُضاعفا حضر حتى في اللوحات التي غلبها اللون الأبيض والأزرق الفاتح.

في هذه اللوحات الجديدة اختلت الحدود بين الحقول والتلال دون أن تندثر، ودخل إليها، لا بل غشاها، تنقيط يشبه رذاذا جاء من بعد آخر. تنقيط لا يقارب ولا بأي شكل الأسلوب الفني المعروف بـ”التنقيطية” التي كان همها الأول نحت الأشكال بـ”حبيبات” الضوء والعتمة.

التعبيرية التي يطرحها عناني في لوحاته تتبدّل حسب تجاربه الشخصية التي لم تكن يوما منفصلة عن الحالة الفلسطينية

أما من ناحية المواد المستخدمة، فالفنان جعل مرسمه أشبه بمحترف/مختبر، بالإضافة إلى الألوان الزيتية والأكريليك استعمل خامات مختلفة مستمدة من الطبيعية الفلسطينية كالجلد والحناء والخشب ورقائق النحاس والشمع والأحبار والصبغات والقش.

التجريب واستخدام هذه المواد كان لها أثر جليّ في أعمال الفنان اللاحقة حتى في لوحاته الجديدة التي نشرها مؤخرا على صفحته الفيسبوكية، إذ حضر فيها بصريا الإحساس بـ”الملمس” النافر والمُقعّر والمُنبسط.

سكون وترسّخ

بدت أعمال الفنان نبيل عناني الجديدة عابقة بما أظهره الفنان في لوحاته السابقة بشكل مباشر حينا وبشكل شبه مباشر حينا آخر. وقد استوعب واكتنز هذا الرذاذ الغزير والعميق الذي شمل كل مسامات لوحاته انطلاقا من المقاوم الفلسطيني والأسير، مرورا بالطفل والأم والفلاح، وصولا إلى الشهيد واللاجئ والجريح.

كما اكتنزت حقوله وسهوله أشجار الزيتون التي مع مرور الوقت تجمّعت وارتصّت ووقفت حينا بصلابة و”سارت” بعصبية حينا آخر صعودا أو نزولا في لوحاته لتشنّ هجوما دفاعيا أو لتتصدّى للإسرائيلي عبر تشكّلها كسدّ سحري، أخضر ومنيع.

وهي اليوم، أي أشجار الزيتون، مُبتسمة في لوحاته الجديدة، إذ سكنها السكون وترسّخ، وغاب التشنّج تاركا مكانه لحلول اليقين باليوم الموعود.

لوحات منفتحة على عالم القصص التاريخية والخيالية
لوحات منفتحة على عالم القصص التاريخية والخيالية

الفنان من مواليد مدينة اللطرون عام 1943 بفلسطين المحتلة، خريج قسم التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 1969، وحاصل على درجة الماجستير من قسم الآثار الإسلامية بجامعة القدس عام 1998، عضو مؤسس لرابطة الفنانين التشكيلين الفلسطينيين عام 1975 ولجنة الأبحاث والتراث الشعبي الفلسطيني في جمعية إنعاش الأسرة، ومُشارك في تأليف كتابي “الأزياء الشعبية الفلسطينية” و”دليل فن التطريز الفلسطيني”، وساعد في إقامة “المتحف في الجمعية” عام 1984، كما عمل ضمن طاقم تطوير الحرف اليدوية الفلسطينية في جامعة بير زيت عام 1985، وهو أيضا عضو جماعة التجريب والإبداع ومؤسّس لمركز الواسطي للفنون الجميلة بمدينة القدس.

وأقام عناني العديد من المعارض الشخصية والجماعية داخل فلسطين المحتلة وفي الأردن ومصر ولبنان وتونس والإمارات وقطر والمغرب والولايات المتحدة وكندا والدنمارك وإسبانيا وألمانيا وروسيا والنرويج والنمسا وإيطاليا وبلجيكا والمملكة المتحدة واليابان.

والفنان حاصل على مجموعة من الجوائز العربية والدولية، منها جائزة الدولة للفن التشكيلي الفلسطيني عام 1997، وجائزة الملك عبدالله الثاني بن الحسين للإبداع عام 2006.

16