أشجان هندي: البعض مازال ينظر إلى منطقة الخليج بوصفها خزانات نفط لا غير

الشاعرة السعودية تؤكد أن متعة البحث العلمي توازي متعة كتابة القصيدة، وأن النصوص الأدبية لا يمكنها تغيير الواقع.
الخميس 2019/04/18
المرأة ليست فضاء مستقلا عما حوله

رغم حضور المثقفة السعودية اللافت منذ زمن طويل في المشهد الثقافي العربي إلا أن السعودية بشكل عام ما زالت تشكّل علامة استفهام كبيرة لدى الباحثين الذين وجدوا في اتساعها صمتا مهولا يحرّض على الكتابة والبحث والتقصي، هذا السكون اللافت هو في الحقيقة حراك داخلي لا يقف على عمقه إلا ابن الوطن العارف لطبيعة السرديات الثقافية في كل جزء من أجزائه المتحركة والصامتة، والشاعرة السعودية أشجان هندي هي أحد الأصوات الثقافية الكاشفة للواقع الثقافي والأكاديمي للداخل السعودي. “العرب” كان لها معها هذا الحوار.

منذ العام 1996 وعوالم أشجان هندي مقسّمة بين الشعر والدراسة الأكاديمية، فتارة نجدها الشاعرة المشغولة بقضاياها الوطنية والعربية والإنسانية، وتارة أخرى نجدها باحثة وناقدة ومشرفة ومتابعة لكل ما هو جديد في الحقل المعرفي والأكاديمي.

ورغم البون الشاسع الذي يراه البعض بين العالمين إلا أن أشجان هندي لا ترى أي نفور بينهما، فهي تجد نفسها في الضفتين وبينهما دون شعور بالانفصام، تقول لـ”العرب”، “المتعة الفكرية والمعرفية التي يحققها البحث العلمي توازي متعة كتابة القصيدة، بل ربما فاقتها أحيانا. وقد وجدتني مؤخرا أطيل الوقوف على الضفة الأخرى أكثر من ضفة الشعر، ولست نادمة على ذلك، بل ربما أندم على أن الشعر سرقني لفترة طويلة. لا يعني هذا هجره؛ فما زلت أحبه وإن ترددت في إصدار ديوان جديد منذ 2010 بالرغم من توفّر مادته. ولكن دون نصوص جديدة تتجاوز ما كتبته سابقا لا أرى جدوى من السماح للشعر بسرقتي أكثر. أبحث عن جديد بعيدا عن تكرار المكرّر، وأتساءل هل ثمة نص شعري لم يُكتب بعد، وأخشى أن متطلبات العصر الذي نعيشه تجعله طاردا للقصيدة، أو على أقل تقدير غير معني بالشعر، وهذا حقه”.

المرأة والتغيير

يشغل الشاعرة السعودية الإنسان على نحو عام، والمرأة جزء من مجتمع يهمها كله، ولا تنظر إليها على نحو منفصل عن السياق العام. تقول هندي في هذا الشأن “لست مع النظرة الضيقة التي تصنف المرأة على نحو تبدو معه وكأنها فضاء مستقل عمّا حوله! هذه النظرة وإن كان أصحابها يظنون أنها تخرج المرأة من القوقعة التي حوصرت داخلها زمنا إلا أنها نظرة تحدّها، ولكن بشكل آخر جديد، فهي تعيد إنتاج قولبتها ضمن فضاء آخر خاص وضيّق يحاول، ثأرا أو تعويضا عمّا فاته، التميّز عن غيره وتحبير خصوصيته في ما يشبه الانفصال عن الفضاء العام الذي يشترك فيه الجميع! مما يجعل المرأة في كل مرة قضية متنازعا عليها بين تيارات تبحث عن مصالحها أولا”.

وتضيف “فضاء المرأة العام سيتسع حين يتم التعامل معه على نحو طبيعي ودون مزايدات، أو تدخّلات خارجية لها أهدافها غير البريئة. وحين يتم الوعي بأن المرأة كائن بشري كالرجل له ما له وعليه ما عليه كفرد ضمن مجتمع كبير تحكمه قوانين”.

ما حدث من تغييرات إيجابية في السعودية لحظة تاريخية حاسمة التقت فيها الرؤى السياسية والاجتماعية والثقافية

وتؤكد هندي في هذا الشأن أن الفعل الثقافي في السعودية لم يكن جزءا مؤثرا في التغييرات الأخيرة، فهذا حسب رأيها ليس الواقع. تقول “ما حدث من تغييرات إيجابية مهمة يمثّل لحظة تاريخية حاسمة وفاصلة التقت فيها الرؤى السياسية والاجتماعية والثقافية ووجهت بوصلتها رؤية سياسية ملهمة، حيث وضعت النقاط على الحروف، وكانت لحظة الحسم لإكمال مسيرة القيادة السعودية المحبة لشعبها والحريصة عليه. أما الحالة النسقية الذكورية حيال المرأة فهي موجودة في كل الوطن العربي دون استثناء، وفي غيره أيضا من دول غير عربية في آسيا وأفريقيا وغيرها، ولكن بنسب متفاوتة”.

وترى هندي أن مصطلح “الصحوة” يحتاج إلى مراجعة ولا تميل إلى استخدامه. ومثله “الحداثة” و”الثقافة”، فهما أيضا من المصطلحات التي تحتاج إلى تحرير وإعادة نظر في تعريفها وفي ما تعنيه في هذا العصر.

وتوضح أن زمن سطوة تيار الصحوة كان مرحلة “كابوسيّة”، تقول “ما مضى قد انتهى، وإعادة الحديث عنه أشبه ببكاء على أطلال لن تعود. الأهم هو المستقبل والحاضر الذي نعيشه اليوم ممثلا في الاستقرار والتطور والتحديث وسرعة وثبات وتيرة التغييرات الإيجابية التي تشهدها السعودية على كافة الأصعدة”.

وفي الشأن نفسه تتابع هندي “التشدد (بمعناه العام) لا يختص بتيار دون آخر؛ فهو الذهاب في الحالات إلى أقصاها والعمل ضد المصلحة العامة والتشبّث بالرأي الواحد والنظر إلى المجتمع كخطيئة. وهو أمر مرفوض، لأنه يدمّر العقل، و يدخل الأمور في نفق مغلق حيث لا عودة. بمعنى أن كل خطاب يستغل الدين أو الثقافة ولا يراعي مصلحة الوطن وأولوياته، خاصة في هذه المرحلة الزمنية الحرجة التي يمر بها العالم أجمع، هو خطاب خطر ومرفوض. ولا شك أن أسوأ أنواع التشدد وأشدها خطورة هو التشدد باسم الدين (دين الله) إمّا جهلا به، أو استغلالا له لتحقيق أهداف دنيوية. ويكون الأمر أشد خطورة وكارثيّة حين يرتبط الخطاب الديني أو الثقافي أو الاجتماعي بأجندات خارجية لأعداء الوطن”.

المركز والهامش

هل ثمة نص شعري لم يُكتب بعد
هل ثمة نص شعري لم يُكتب بعد

في سؤال عن رأيها في تجاوز الحداثة في السعودية الحالة النصية، وهل هي قادرة على تشكيل منظومة إنسانية مدنية ضمن مشروع مؤسساتي شامل تكون الثقافة الحرة هي الرافعة الحقيقية له، أم أنها كانت مجرد صراع بين تيارين اجتماعيين تحت سقف محافظ واحد؟

تجيب الشاعرة “سأعود إلى المصطلح لأسأل بدوري عن ‘الحداثة‘ ومعناها، وهل هي قابلة للتطبيق بذات التعريف والكيفية على كل المجتمعات رغم الفروق. ما يشهده العالم اليوم هو زمن ‘ما بعد الحداثة‘. نعيش اليوم زمن العلم، زمن الصناعات والقوة التكنولوجية والتحديات العلمية الكبيرة، وهذا ما سعت إليه رؤية السعودية 2030 لحجز مكانة عالمية لها في العالم الحديث. أما النصوص الأدبية والثقافة عموما فهي مرتبطة عضويا بالجوانب الاجتماعية والعلمية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وهي ليست قادرة (وحدها أو على نحو منفصل) على تشكيل مشاريع مؤسساتية ذات تأثير كبير يخدم الجميع. نحتاج إلى العلم والصناعة والفكر، وإلى الرقي بالتعليم ومناهجه وغير ذلك للنهوض بالثقافة كمنظومة لا يمكن أن تتحرك وحدها منفردة بمعزل عن السياق العضوي العام”.

يرى بعض النقاد أنه لم تستطع جغرافيا الخليج العربي أن تقدم إلى العالم العربي مبدعين حقيقيين، لهم القدرة على قلب معادلة الثقافة بشكل عميق، في الشعر والرواية والنقد والفكر وغير ذلك، أمثال الجواهري ودرويش وأدونيس والماغوط وسعدالله ونوس والجابري وهيكل وأبوزيد والقمني وزيدان، وقائمة عربية طويلة جدا نمت خارج ضفاف الخليج.

وعن هذا الشأن تقول “أحترم ما قدمته هذه الأسماء المهمة، وأشيد بتأثيرها وبأدوارها الكبيرة على خارطة الثقافة العربية، ولكن باختصار سأقول إن النقاد الذين يفكرون بهذه الطريقة يعيشون خارج الزمن (المتحوّل باستمرار)، وإنهم إلى الآن وفي هذا العصر لم يستطيعوا بعد الخروج من فكرة: المركز والهامش”.

فضاء المرأة العام سيتسع حين يتم التعامل معه على نحو طبيعي ودون مزايدات، أو تدخّلات خارجية غير بريئة

وتتابع “المركز والهامش مواقع متحوّلة، لا ثابتة، والركون إلى ثباتها ركون إلى حالة خَدَر مُطمئِنة، لا أكثر. لا تستطيع أن تقدم للفكر والثقافة وغيرها إنجازات معينة ثم تعيش عليها إلى أبد الآبدين مهما كانت مهمة”.

وتتابع هندي في الشأن نفسه “لعل من المؤسف استمرار النظر عند البعض (نقاد وسواهم) إلى منطقة الخليج العربي على أنها منطقة خزانات نفط لا أكثر. وكأنه ليس بها إنسان قادر وفاعل وصانع للحياة. هذه النظرة النمطية الاستعلائية المنتفخة بذاتها تصد عن سماع الصوت الخليجي ليس في الأدب أو الثقافة وحدها، بل في غيرها أيضا، وهذا أمر عجيب. من جانب آخر: لعلنا نتحمل مسؤولية عدم إيصال أنفسنا إلى الآخر على النحو المطلوب، والمنصات الإعلامية لدينا تتحمل جزءا من هذه المسؤولية؛ فدور الإعلام في هذا العصر مهم جدا وعلى كل الأصعدة“.

وتعبر أشجان هندي عن آمالها حيال وزارة الثقافة التي دشّنت مؤخرا، وتقول “أتمنى الأفضل للثقافة وللإعلام، وآمل أن يرقى إعلامنا (على وجه الخصوص)، وأن ترقى ثقافتنا إلى مكانة السعودية الكبيرة؛ فالعقول موجودة والإمكانيات موجودة، ولا حجة أو عذرا في عدم المنافسة”.

15