أشرطة في الأخبار من خارج التلفزيون

لماذا لا يثق السياسيون في عمل الصحافيين الذين يستطيعون بالخبرة أحيانا أن ينقلوا عنهم بطريقة أفضل مما يفعلون؟
الأربعاء 2019/01/23
لا صحافة دون حرية

 “أجدك دائما شخصا مزعجا ومهينا للآخرين”. كان ذلك مساء العاشر من مايو 1974 لما قال المرشح فاليري جيسكار ديستان ذلك الكلام لمنافسه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية فرنسوا ميتران الذي رد عليه “أنت طعنت ديغول”. كان الرجلان في أول مناظرة تلفزيونية في تاريخ فرنسا أمام ثلاثين مليون مشاهد.

بعد أكثر من خمسة عشر عاما من سيطرة الجنرال ديغول ثم الرئيس جورج بومبيدو على الإذاعة والتلفزيون يشاهد الفرنسيون لأول مرة رئيسهم القادم محل قدح وتجريح وسخرية أحيانا. سقطت قداسة ذوي السلطة وانقضى عهد النشرات التلفزيونية التي كان ديغول يحتل في مطلعها ربع ساعة بمناسبة تدشين مساحة تجارية والناس يصفقون ويهتفون.

لقد كانت تلك المناظرة بشهادة الصحافيين الفرنسيين المنعرج الحاسم في تاريخ الإعلام الفرنسي في الجمهورية الخامسة. وورثت المنظومة الإعلامية التونسية عن الفرنسيين نمط ديغول حتى جاء الرابع عشر من يناير 2011. اختفت حينها من نشرات التلفزيون التونسي الأشرطة الجاهزة للبث التي كان يحملها الحرس الرئاسي إلى الغرفة التقنية.

اختفت حتى عادت مساء السادس عشر من يناير 2019 لمّا بث التلفزيون التونسي، في مطلع نشرة الثامنة، شريطا مسجلا يتحدث فيه رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن أطوار فشل المفاوضات مع الاتحاد العام التونسي للشغل وعن الإضراب العام الذي تلاه يوم السابع عشر من الشهر نفسه.

كانت تلك سابقة في النشرات الإخبارية منذ بداية 2011 وإن كان التلفزيون التونسي بث يوم التاسع والعشرين من مايو 2018 شريطا مسجلا أعلن فيه رئيس الحكومة أنه لن يستقيل واتهم فيه ابن الرئيس الباجي قائد السبسي بإفساد حزب النداء والحياة السياسية عامة.

قد يكون خطاب الشاهد في مايو 2018 مر دون رد فعل لأن الشريط بث خارج النشرة وهو أمر يدعو إلى التساؤل عن علاقة التلفزيون بالسياسة فجزء منه لم يكن يعني الشأن العام بل كان يتحدث عن الخصومات في حزب سياسي. أما ألا تكون هناك ردود عن بث شريط مسجل جاهز صُنع بمعزل عن هيئة التحرير فذاك أمر غريب.

ومكمن الغرابة فيه، علاوة على عودة ممارسة خلناها اندثرت، هو أن هيئة التحرير أعطت رئيس الحكومة نحو خمس دقائق (4 دقائق و38 ثانية تحديدا) في مطلع النشرة ليقول فيها ما يشاء دون أدنى تدخل من هيئة التحرير التي لا نعتقد أنها أملت على رئيس الحكومة ما كان ينبغي له أن يقول وما لا ينبغي له. وهنا إخلال بمبدأ أساسي في مهنة الصحافة.

الأخبار هي إعادة بناء لما يسمعه الصحافي أو يراه أو يقرأه. وأعمدة إعادة البناء تلك معلومة وهي جمع البيانات ثم انتقاء ما يصلح منها للإبقاء عليه وترك ما لا يصلح ثم الترتيب والتحرير فالنشر. وواضح أن بث مادة خام، كخطاب مثلا أو ما يسمى كلمة، هو تقويض لتلك الأعمدة التي يختفي معها حتى جمع البيانات إذ لا شيء يُنتقى ولا شيء يترك ولا ترتيب ولا تحرير.

إن تلك الأعمدة هي الأدوات التي يصوغ بها الصحافي خبره خبرا يُعمل فيه مهنيته ويراعي فيه مقتضيات أخلاقيات الصحافة مثل المسؤولية والصدق والدقة والحياد والاستقلالية… فهل يمكن الحديث عن معالجة إخبارية تقوم على تلك المبادئ حتى إن افترضنا أن مضمون الشريط الجاهز صادق؟

ويجادل البعض بالقول ألاّ ضير في ذلك طالما حظي اتحاد الشغل في النشرة الإخبارية بتقرير تعادل مدته المدة التي أعطيت لرئيس الحكومة والواقع أن المدة المخصصة للاتحاد كانت أقل من ذلك (3 دقائق و5 ثوان تحديدا). وعلى أهميته فليس الوقت هو العامل الأساسي في الأمر.

هناك فارق جوهري في مثل تلك الممارسة إذ عندما يسجل مصدر ما كلامه في شريط ثم يُبث على حاله يكون قد أخذ الوقت الكافي لبناء خطابه كما يراه هو ووضع الحجج التي ينتقيها وقدّم وأخّر وأسقط وأعاد التسجيل مرات وهو يعلم أن الناس سيشاهدونه كما اختار هو ولا أحد غيره.

وأمّا من لم يحظ بذلك فسيبني له الصحافي خطابه وسيختار حججا على لسان مصدره من بين أخرى كثيرة قالها وسيقدّم الصحافي معاني ويؤخّر أخرى مكان المصدر وسيسقط هو بانتقائه معاني وسيظهره الصحافي للناس كما أراد هو وليس كما كان يريد المصدر أن يظهر فلا مكان للمراجعة.

مثل ذلك التصرف ينزع عن العملية الإخبارية أدنى معايير الإنصاف بل يجعل من جزء منها مسألة علاقات عامة لا صلة لها بالإخبار إطلاقا. ويثير ذلك مسألة أخرى لا تدرك بوضوح بعد في المشهد التونسي وهي الفرق بين القطاع العام وما يسميه البعض إعلاما حكوميا. ويترتب على ذلك أن بعضهم يتذرعون بأنه من حق رئيس الحكومة أو رئيس الدولة “أن يتوجه بكلمة إلى الشعب عبر التلفزيون”.

صحيح أن ذلك ممكن بل يصبح مطلوبا عندما يخاطب أحدهما الشعب في أمر لا خلاف فيه كحدوث كارثة أو إعلان حرب أو حتى تقديم التهاني بمناسبة الأعياد لا عندما يكون الأمر خلافيا. لقد أصبح أمرا عاجلا أن تضبط تلك المسائل في المواثيق التحريرية حتى تكون جبرا على الصحافيين والسياسيين وحتى لا يبقى الصحافي رهينة السياسي.

ماذا لو أرسلت رئاسة الحكومة إلى التلفزيون بيانا مكتوبا بدل الشريط المسجل؟ هل كان مقدّم النشرة سيسرده كاملا مدة خمس دقائق؟ كان بإمكان فريق الأخبار أن يسجل عشية الإضراب مع رئيس الحكومة ومع الأمين العام لاتحاد الشغل لإنتاج تقرير مصوّر يعرضُ موقف الرجلين بالتداول حسب محاور التقرير.

ولماذا لا يثق السياسيون في عمل الصحافيين الذين يستطيعون بالخبرة أحيانا أن ينقلوا عنهم بطريقة أفضل مما يفعلون؟ كان ديغول يطلب من صحافيي الصحافة المكتوبة أن يسمعوه ما دوّنوا عنه قبل النشر. أنصت يوما إلى أحدهم ثم قال له “لم أقل هذا الذي سمعت”. ارتبك الصحافي فواصل ديغول “بل سمعت ما كنت أريد أن أقول”.

18
مقالات ذات صلة