أشرف الخمايسي في مغامرة روائية

الأحد 2015/01/25
لم يعمد الكاتب في نصه إلى تقنيات حديثة تستلهم التشكيل أو الكتابة ما بعد الكلاسيكية

«البوكر» بهذه الكلمة الموجزة وإن حملت دلالات كثيرة، أجاب الخمايسي وإن كان بنبرة فيها تحدٍّ ما، وبصوت ممزوج بالأسى عن تساؤل الصحفى مصطفى عبد الله: «لماذا تعجّل في إصدار روايته «انحراف حاد» بينما روايته «منافي الرب» لا تزال تعيش ذروة توهّجها وتحتل مكانة الأكثر مبيعًا لدى العديد من المكتبات؟».

في معرض الحوار الذي نُشر في جريدة أخبار الأدب المصرية بتاريخ 09/08/2014. يُسهب الكاتب في توضيح ما قصده من كلمة البوكر، ويعترف بأنّه انقطع لفترة لكتابة هذه الرواية التي كتب الربع الأول منها قبل «منافي الرب»، ثمّ أكمل الأرباع الثلاثة الباقية في فترة قصيرة جدًا لا تتجاوز الشهرين؛ ليقطع الطريق أولاً أمام مَن توهّموا أنّ نهر الإبداع قد جفّ، بعد صدمة خروج “منافي الرب” من القائمة القصيرة للبوكر، وثانيًا ليوصل رسالة ما بأن وحى الإبداع ليس كما هو متوهّم بأنّه من السماء، وإنما حَسب تعبيره «هو وحي من القلب، وقتما تستفزه يستجيب» وبالفعل يفي بوعده وفي غضون فترة قصيرة يزفّ خبر انتهاء روايته «انحراف حاد»، في توقيت يختاره بعناية مع إعلان اسم أحمد سعداوي بفوزه روايته «فرانكشتاين في بغداد» بجائزة البوكر لعام 2014. العنوان الأوّل الذي اختاره لنصه «لن تستطيع الصبر» وإن كان غيّره بناءً على رغبة الناشر الذي أصدرها وهو الدار المصرية اللبنانية.


رحلة الميكروباص


الخمايسي صوت سرديّ مميّز على مستوى الأُسلوب والصياغة الأدبية وأيضًا على مستوى التيمات التي يطرقها، رغم انقطاعه من ذي قبل لمدة عشر سنوات، وهو ظاهر في أعماله الروائية “الصنم” و”منافي الرب” والقصصيّة “الجبريلية” و”الفرس ليس حرًّا” وكذلك في عمله الأخير “انحراف حاد” (وإن كان بدرجة أقل نسبيًا) التي دخلت القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد وأيضًا جائزة البوكر العربية في دورتها الجديدة. ويبدو أن هذه السنوات العشر جعلته في تحدّ مع نفسه، ربما آثار هذا التحدي بادية بشكل أوضح في روايته الأخيرة، البالغة 400 صفحة من القطع المتوسط، والتي تبدو أقرب لرواية استعراض المَلَكَة الكتابية وجذب القارئ، بحشد من الشخصيات داخلها بلا رابط سوى القدرة على الحكي وفقط. جوهر الحكاية قائم على هذا الطيف من الشخصيات أثناء رحلتهم في الميكروباص 3456789، أجرة أسيوط من موقف أحمد حلمي بالقاهرة إلى أسيوط، دون إعلان أسباب قصدهم المدينة على وجه التحديد (فمعظم الشخصيات من سوهاج).

الخمايسي صوت سرديّ مميّز على مستوى الأُسلوب والصياغة الأدبية وأيضًا على مستوى التيمات التي يطرقها

منذ بداية الرِّواية يقدّم الراوي مؤشرات لهذا الانحراف الذي سيأتي في نهاية الرواية، حيث يشير إلى صعوبة غلق الباب، وهي الإشارة بأن ثمّة عائقًا سيحول دون نجاح الرحلة ـومع هذا يكمل الرحلةـ وهو ما يتكرّر مرة ثانية عندما يريد تشغيل السيارة فلا تدور من المرة الأولى حتى تأتي كرامة القسيس. ثم تبدأ المفارقات في الطريق بدءًا من انحرافات السائق أثناء القيادة أكثر من مرة، إلى الحادثة التي كادت تقع لولا الشيخ صاحب العمامة الخضراء والذقن الطويل، الذي كان يجلس على الاصطدام الأمامي لشاحنة المواد البترولية، أشار له بالانحراف فنجا الجميع، ومن لحظتها بدأ السائق بالانشغال بهذه الصورة التي أنكر الجميع رؤيتهم لصاحبها.


وعي الشخصيات


تتصل فكرة الرواية الجديدة بمنافي الرب، فمثلما هناك حجيزي الذي أراد مقاومة الموت، بالخلود ورفض الدفن، هنا البطل الرئيسي «صنع الله» وإن كان نبيًّا بعمامة خضراء، ولحية طويلة تصل الى وسطه وبمعجزات كما أراده السارد، يمتلك قدرات خاصة، على نحو ما ظهر للـ(مِجَري)، وللشيخ غريب، وللقس الذي يشاهد كنيسة ضخمة في الصحراء. وأنقذ ياسر المجنّد في الصحراء من مجموعة كلاب جائعة طاردته. ويزيد في دعوة الناس إلى هزيمة الموت، بمطالبتهم بالإيمان بالخلود، وبإنكار وجود يوم القيامة والملائكة والشياطين. وهي القضية التي تشغل النَّص والأبطال. شخصيات الرواية متعدِّدة وأيضًا تحمل أيديولوجيات مختلفة، بل حمّلها المؤلف وعيا أكبر من وعيها في كثير من المواقف. هناك الحامل لأيديولوجيا دينية كالقسيس والشيخ (ومع هذا كانا نموذجين للشخصيات الدينيّة المهتزة وضعيفة الإيمان)، وهناك المُثّقف الحائر (زياد)، والفاسد كمِجَري النَّصاب (بتاع النِّسوان) والفاسدة (سوسن)، وهناك ياسر المبروك المجنّد، المُتَنَاقِض، برفض إهانة كرامته من العقيد، ثم والراضي بإهانة المرأة المسيحية تارة، وبإهانة كرامة زوج نوال تارة أخرى (وإن كان ثمة تبرير بكراهيته للمسيحين في الحالة الأولى، وبحبه لنوال في الثانية).


دائرة الشك


الكاتب اجتهد في صياغة حكايات مُختلفة عن أشخاص يصلح كل واحد منهم لحكاية منفصلة. الأعجب أن بعض الشخصيات ترتبط ببعضها على مستوى الواقع كرشيد وسوسن وفشلهما في التعرّف على بعضهما رغم أن رابط الدم نفسه قاد سوسن للتعرّف على ابنها الذي فقدته بعد ولادته في الشارع، نفس الشيء يحدث مع «أبو أميرة» الذي لا تساعده عاطفة الدم في التعرف على ابنه، بل والأدهى أنه لم يتعرف علي سوسن ذاتها التي منحته جسدها وظل في دائرة الشك، وهو ما تكرّر مع المِجَري. يبدو أن غياب المنطقية كان مهيمنًا على النص، وهو ما تجلّى في موقف خميس الذي رأى زوجته مع عشيقها في فراش الخيانة، وراح يراجع حبه لها، ولولا ضغط أمه ما كان ثَأر لشرفه، الأمر نفسه يتكرّر مع المجند ياسر، الذي يتحوَّل للمحاكمة لأنه ثار على كرامته، ثم يُحكم له بالبراءة دون أسباب مُقنعة، بل يخرج دون إذن من وحدته ليلتقي بمحبوبته. ثمَّة أحداث نثرها الكاتب داخل النَّص لم تضف شيئًا كاستعادته أحداث الفتنة التي حدثت مِن قبل في دار السّلام، وحكاية زهر المستكي مع زياد في البار.

انحراف حاد في الكتابة


انتصار الموت


لم يعمد الكاتب في نصه إلى تقنيات حديثة صاغ بها حكايته وحرّك من خلالها شخصياته، بل عَمَدَ إلى سرد كلاسيكي؛ حيث تتوَّزع الشَّخصيّات داخل النّص بنظام التقطيع، فتنتهي الوحدة السّردية عند حدثٍ ثم يقطعه ليعود إليه في وحدة أخرى ليستكمل ما قطعه، هكذا، إلى اعتماده على راوٍ عليم، مُنحاز في كثير من المواقف ومظهر للتعاطف مع شخصياته وهو ما لا يتناسب مع راوٍ يرصد من الخارج وبزاوية رؤية محددة. وبهذا البناء كأنه يستعيد إلى الذهن نص «عمارة يعقوبيان»، لعلاء الأسواني. فكلاهما متفقان في وضع الشخصيات في حيز مكاني محدد (العمارة/الميكروباص)، وبذات البناء،(التقطيع)، والزمن (التصاعدي) وإن كان الخمايسي لجأ إلى الاسترجاعات كثيرًا، لكن دون أن يوضّح لماذا؟ وكذلك لعبه على الزَّمن النَّفْسي الذي كَشَفَ عن أعماق الشخصيات.

ربما الفارق الوحيد بين النصين أن الأسواني أراد أن يعكس حركة الإحلالات التي حدثت في بنية المجتمع المصري، وأثر هذا على الشخصيات، أما الخمايسي فللأسف أراد أن يناقش قضية في الأصل لا وجود لها، إلا الوهم، وإن كان ثمّة كتابات جادّة في قضية مُحاربة الموت وهزيمته بالخلود استطاع كاتبها بالفنتازيا أن يقنع قارئه بفكرته، على نحو رواية «اختراع موريل» لأدولفو بيوي كاساريس، فالعالم موريل بعد وفاة محبوبته فونتيس اخترع جهاز عارض الصُّور الذي كان يعرض صورها وهي جالسة عند البحر قبل الغروب، تخليدًا لها، من منطلق رؤيته بـ«أن الموت بالنسبة إلى الآخرين، لن يكون حركة مُجحفة بل على العكس، فبدلاً من حياة غير مؤكَّدة فسوف يمنحهم الخلود مع أصدقائهم المُفضلين». أما نص الخمايسي رغم كل ما فعل انتهى بانتصار الموت، أما الخلود الذى زعمه فصار ضربًا من الوهم والضياع.

لكن يبقى للخمايسي قدرته على جعل القارئ واقعًا في أسر الحكاية بإيقاعه اللاهث ولغة الحوار السهلة وتنوعها بين الخطاب اليومي والفصيح، وعذوبة السرد، وأيضًا تبقى له إثارته لقضايا شائكة تتصل بالإيمان ونقيضه، وقدرته على إدارة الجدال بشأنها، على نحو عبارة موقف زياد من (ربّنا هو سبب المشاكل)، أو زوجة أبو أميرة واعتراضها على أن “الله كريم” التي ذكرها زوجها في سياق حوارهما عن الإنجاب فتقول (الكريم ده له تلات سنين مش عاوز يجود علينا بحتّة عيّل)، أو حتى موقفه من المسيح وما قاله عبدالمطلب لجرجس، وهو ما كان سببًا للمشــكلة، أو تسـاؤلات القس عن ابن الرب.

بعد هذا العمل الذي جاء دون إضافة للخمايسي. هل نقول إنه خَسِرَ رهانه بكتابة انحراف حادّ أم وجد بعض العزاء في دخولها البوكر ومن قبل جائزة الشيخ زايد؟ هذا السؤال هو الوحيد القادر على الإجابة عنه.

14