أشرف الخمايسي في منافي الرب

الأحد 2014/06/01
غرافيتي في القاهرة يعكس سطوة التديّن في المجتمع

لا أحد يستطيع أنْ يُنْكِر الصَّخَب الذي مارسه أشرف الخمايسي على صفحته على الفيسبوك، بعد أن أعلنت لجنة تحكيم جائزة البوكر العربيّة عن قائمتها الطويلة، وكان اسم روايته «منافي الرب» الصّادرة عن دار الحضارة 2013 مُدرجًا ضمن روايتين مصريتين أخرييْن (الإسكندرية في غيمة لإبراهيم عبدالمجيد، والفيل الأزرق لأحمد مراد)، الكل أجمع أن الخمايسي سَيُجن لو لم يفز بها، بل هو لم يعتد بالقائمة القصيرة، وإنما كانت عيناه على الجائرة الأولى، فَرَاحَ يُطلق الألقاب على نفسه كالهرم الرابع، الذي وصفته به الصحفية الإنكليزية «فلورا» التي التقت به لتُجْرِي حوارًا معه، فانبهر بحديثها وإعجابها به وبروايته. مثلها مثل الألمانية «جوليا»، ومن فرط إعجابه بهما وودّهما له تغزّل بهما على صفحته بعد انتهاء المقابلة، وكأنّه في سِرّه يشكرُ القائمين على البوكر الذين أتاحوا له الفرصة لمقابلة هاتين الغادتيْن.

مَن يراه أو يقرأ حواراته لا يصفه إلا بالغرور والصّلف، الأجمل أنَّه هو لا يُنْكِرُ على نفسه هذه الصِّفة وإنْ كان يُدْرِجُهَا تحت باب الثِّقة والاعتداد بالذّات، ذكاؤه انتهى به لفهم مقاصد أصدقائه وتلميحات البعض الجارحة، فارتدى مسوح الفلاسفة وشَرَعَ يُفرّق لهم بين الاعتداد بالنفس والغرور قائلاً «الفرق بين “المُعتدِّ” و”المغرور” كبير. فالأول يُباهي بما قدَّم، بسيط بين النّاس، يقبل الرأي المُغاير، يحترم الآخرين.بينما الثاني يختال بنفسه على خوائها، متعالٍ على الخلق، لا يقبلُ غير ما يفهم، لا يرى الآخرين». قد يكون مُحقّا في اعتداده بنصه الفاتن «منافي الرب» بسبب كورس النقاد (بتعبير لويس عوض في سياق مشابه بما كان يحدث مع ما يكتبه محفوظ) الذي واكبه، مِمَّن لهم صِلَة بالنقد أو حتى مَن ليسوا لهم صِلَة بأشرف فقط للمجاملة «واللي يحب النبي يكتب بوست».


ما بعد الصدمة


وما أنْ أُعْلنت القائمة القصيرة، وخلت من اسم أشرف الخمايسي، حتى ظنّ الجميع أن هدير السَّرد قد توقف، في إشارة لعنوان كتاب صديقه الصحفي مصطفى عبدالله احتفاءً به وبالرواية «هدير السّرد الخمايسي في السبنسة». لكن ما كان يُعَزَّي أشرف، هو خروج رواية إبراهيم عبدالمجيد «الإسكندرية في غيمة». المثير حقًا أن أصدقاء الخمايسي الذين يتابعونه على الفيس، وأنا واحد منهم كنا نظن أن أشرف بعد الصدمة، وما عزّزه لدينا هو خلو صفحته من أيّة تعليقات عَقب ظهور النتائج، أنه سيندس في إحدى البارات، وسيشرب حتى الثمالة، ثمّ سيلقى بنفسه في النيل، بعد أن تهاوى الهرم الرابع (الذي وصفته به فلورا) من تحت قدميه وهو الذي كان مشغولاً بتأسيسه بالحوارات، واللّقاءات وبنشر كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ عن الرواية، صاحبها ذو قيمة أو حتى أدني.

ما بين اعتزاله الأدب وهجرته إلى السّلفية ثمّ عودته من جديد، أصدر العديد من الأعمال كالصنم 1999 ومجموعتيه القصصية «الجبريلية» 1995


صاخب وضاج


وكعادة أشرف في الاختفاء والظهور التي لم تسترعِ أصدقاءه الكبار كالغيطاني بعد حادثة اختفائه أثناء غضبته على المثقفين في تخاذلهم يوم مقتل محمد الدرة عام 2000، وهي التّهمة التي راح يستغلها الكثيرون ضده وكأن شهرته جاءته من تلك الصداقة، إلا أنه هذه المرة ظهر سريعًا وإن كانت لم تتوازَ مع العشر سنوات التي قضاها حاجًّا في دروب السّلفية، ظهر بمزاحه وكأنّ شيئًا لم يكن بل واصفًا ذاته في غرور قائلاً إن «الفارس الممتاز ليس مَن يجيد صناعة انتصاره، وفقط، وإنما هو من يعدّ نفسه للحظة الطعنة المفاجئة، بحيث إذا أصابته، لا تصيبه في مقتل، فتزداد خبراته لصالح إنسانيته»، ثم كانت المفاجأة الأهم بانتهائه من روايته الجديدة «لن تستطيع الصبر»، وهي التي يراهن عليها كعادته. هو ذاته أشرف الخمايسي، بصخبه وضجيجه، لم يتغير منذ أن التقيته صدفة في مؤتمر طيبة الأدبي الذي عُقد في جامعة جنوب الوادي عام 1997، جمعتنا قاعة واحدة لمناقشة القصة القصيرة، كان يديرها الأديب النوبي حجّاج أدّول، وما أنْ سَمِعَ اسمه يُتلى مِن المِنصة ليلقي قصته ضمن القصص التي اختيرت، حتى قَفَزَ، متناسيًّا أن بين يديه كوبًا من الشّاي دفعه فسقطَ على بنطاله وهو ما أفسد الفرحة، لم يتذكر مِن لقائنا هذا شيئا غير حجاج أدّول، فالشيء الوحيد العالق في ذاكرته ويردده في كل أحاديثه، أنه بعد فوز مجموعته «عجلات العربة الكارو الأربع» 1994 يقول بنوع من التعالي لم يقف أمام العملاق نجيب محفوظ وهو يسلّم عليه، أثناء مراسم تسليم الجائزة، فما أن تخطاه حتى جاء الصوت من خلفه «إزيك يا خمايسي».


الراعي السلفي


بقدر هذا الجنون الذي يبدو عليه، وهو قرين جنون الإبداع الذي قاله عن برجسون، إلا أنه صريحٌ ومتصالح مع ذاته للحد الذي تطلب منه أن يسكت، وهو يحكي لك عن رحلته منذ أن كان يقف في الصباح أمام عربة الفول ليبيعه وفي المساء يهرول للندوات والمؤتمرات، أو حتى أن ينشرَ ـ ولو كان من باب السخريةـ أنه ذاهب إلى لقاء تليفزيوني في قناة النيل الثقافية احتفاء بروايته، وهو لا يعرف ماذا يرتدي، ثمّ في اليوم الثاني نجده يوجه الشّكر لصديقه الذي أهداه الجاكت. مثلما يُعلنُ عن حُبِّ زوجته التي هي ابنة عمّه التي (جرجرها) خلفه في رحلة التغريبة مِن الأقصر إلى القاهرة، ومنها إلى الأقصر مرة ثانية، آمِرًا إياها بارتداء النقاب بعدما صار سَلفيًا، وهجرته للأدب لمدة عشر سنوات، متقمِّصًا دور الرُّسل بامتهان الرعي الذي فشل فيه، ثمّ بالوعظ في المَساجد والقيام بالخطبة، وهو الذي قبل أن يطرق بابه شابان من جماعة التبليغ والدعوة لم يكن يحفظ سورة واحدة من القرآن فحفظ معهما نصف القرآن، بل عَزَمَ على كتابة شروح لتفسير البخاري بعنوان «النهر الجاري في فتح الباري لشرح صحيح البخاري» تحت اسم أبو محمد الخمايسي. في الوقت ذاته تجده شَرِسًا مُدَافعًا عن الموت المجاني الذي صار متداولا مع فنجان القهوة الصباحيّة، البعض مِن خصومه يروِّجون عنه الروائي السّلفي، على الرغم من تباهيه بشرب الخمر، على الملأ. قناعته تجعله يلعن الإخوان جهرًا، وفي ذات الوقت يدافع عن دمائهم التي أُهْدِرت غصبًا، بل لا يتوّرع عن مهاجمة أصدقائه الحميمين لموقفهم مِن تأييد المرشح القادم من مؤسسات الدولة، بالطبع هو يمزج الجد بالهزل لكن بينهما الحقيقة موجودة، دون أن يتوانى عن تذكيرهم بتناقضاتهم السّابقة. الكثير من أفعاله تدخل في طور المزاح والمُداعبة، حتى أنه يشي ببعض الأسرار الخاصّة بأصدقائه، وما يدور في الحُجرات المُغلقة، العجيب أنّ مَن شملهم بإذاعة أسرارهم، يُعَقبِّون على ما كتبَ بفرح وسرور، وهذا لقناعتهم بأنّه الخمايسي الذي لا يجب أن تغضب منه حتى ولو استفزكَ.

رواية الخماسي اختيرت ضمن لائحة جائزة "البوكر"


لا هذا ولا ذاك


وصفه الأديب مصطفى عبدالله بأنه «روائي يقرأ العالم بعينه»، ومع كل صفات الصّلف البادية عليه إلا أنّ سعادته الحقيقة تكمن «في ما يقوله له أصدقاؤه الخُلَصاء عن أعماله» وأشدّ ما يسعده «حين يقولُ لي رجل الشّارع قصتك ممتعة» على حدّ تعبيره. قناعته جعلته يثور على جموع المُثّقفين وعلى كل المزايدين، ولو كانوا من السّلفيين الذين انتمى إليهم ذات يومٍ، فما أنْ وَصَفَ القيادي السّلفي عبد المُنْعم الشحّات أدب نجيب محفوظ بـ«الدعارة».. قال إنّه «رَجل لم يراجع تاريخ الأدب في الإسلام… لو راجعه لاختلف كلامه… وحسبنا الله ونعم الوكيل». قد يختلف مع مواقف المثقفين في إدارتهم لأزماتهم الثقافية إلا أن هذا لا يمنعه من أن يتخذَ من جملة إبراهيم أصلان «المثقف ليس قاضيًا… وإنما شاهد عدل» نموذجًا للتدليل في أحاديثه. ولم يكن هذا الاستشهاد الذي يدل على الاحتفاء، من أن يمنعه في لحظات غضبه بأنْ يتوجه إليهم قائلاً: «مَنْ لم يصنعْ الماضي، مَنْ عَاشَ يُثرثر، لا يستطيعُ أنْ يُمْسِكَ فأسًا لكن يمكنه أن يبقى يثرثر. فلتثرثروا إذن»، كما أن أفكاره لا تنفصل عن شخصيته فمثلما هو ضدّ الدولة الدينيّة، أيضًا هو ضدّ الدولة العسكريّة، حتى أنه يصرح برأيه «أن أعيشَ حُرًا في المعتقلات، خَيرٌ لي من أن أعيش عبدًا مطلق السّراح» وهو لا ينفصل عن مواقفه التي يُعلن فيها عن غضبه من اقتحام ميدان التحرير، عقب الثورة ورد فعل الثوّار إزاء تصاعد الأحداث.


أن تكون حرا


مثلما يعلن عن آرائه السياسية بجرأة يعلن عن آرائه فيما يقرأُ من إبداع بكافة أَشكاله كأنْ يقول عن رواية «العطر»، للمبدع الألماني «باتريك زوسكند» (إنها واحدة من أهم، وأمتع، الروايات العالمية التي قرأتها على الإطلاق، حيث يتجلى فيها الإبداع، وهّاجًا، بين ثناياها، وسطورها تنسابُ باتفاق جميل، كأنها خطوط بديعة في لوحة خلاقة)، ولا يخجل من أن يردّد أن رواية “فساد الأمكنة” لصبري موسى “هي التي تمنيت لو أني كنت مَن أبدعها”، ومثلما يعلن عن رأيه عن أسوأ روايات قرأها يعلن أن أفضل رواية كتبتها امرأة هي «المؤشر عند نقطة الصّفر» لأسماء هاشم، وهذا التقييم يأتي لإيمانه بأن «الرواية استكشافية، تبحث عن الجديد المدهش، لا تسجيلية تعليميّة». يُمارِسُ هذا الدور أيضًا على الأعمال السينمائيّة على نحو ما فعل بعد مشاهدته لفيلم «تيتانيك»، مُبْرزًا جماليات الصُّورة، والإضاءة والحركة والموسيقى التصويرية، دون أن ينسى أن يشير إلى بعض الأخطاء الإخراجية، وكأنّه تقمَّص دور الناقد سمير فريد.

ما بين اعتزاله الأدب وهجرته إلى السّلفية ثمّ عودته من جديد، أصدر العديد من الأعمال كالصنم 1999 ومجموعتيه القصصية «الجبريلية» 1995، و«الفرس ليس حرًا» التي أنجزها بعد العودة دون أن يختفي اسمه الذي ظهر مع قصته «عجلات العربة الكارو الأربع»، فما إن عاد، حتى عاد بصخبه مرة ثانية واحتل الكَادِر. في بعض الأحيان تفاجأ به هادئًا غارقًا في تأملاته وتساؤلاته التي أحلّها على شخصية حجيزي بطل «منافي الرب» الهارب بشطحاته إلى دروب الصحراء، وهي أشبه بمنولوج داخلي في نبرة سكون: هل مازلت يا “خمايسي” قادرًا على نصب “باترينة” “فول” و”طعمية” وبيع “الساندويتشات”؟ فجيب وهو الواثق: أي نعم ولو وصلت لأقل من كدا كمان قفص أبيع عليه “جرجير”، ثمّ يسترسل في السُّؤال: طيب تقدر يا “خمايسي” ترجع تنام على “كرتونة” مفروشة فوق “البلاط”؟، يجيب بثقة مطلقة: «جدًا جدًا». القناعة البادية والاستسلام في أسئلته وإجاباتها تكمن في حقيقة واحدة هو يدركها ويطلبها، أن يعيش حرّا، لكن كيف هي الحرية؟ هذا هو السؤال الذي سيحرك العاصفة في داخله، إذا أراد الإجابة عنه.

13