أشرف الخمايسي وروايته "منافي الرَّب".. الأحياء موتى والهروب وهم

الأحد 2013/12/22
الخمايسي يكشف في روايته عن محاكمات للذات بين الشك واليقين

يضعُ أشرف الخمايسي في روايته الجديدة «منافي الرَّبّ» 2013 والصادرة عن دار الحضارة بالقاهرة أبطاله في مواجهات عِدَّة، ما بين مواجهة مصائرهم – الموت أو الفرار منه، إلى مواجهة ذواتهم وعلى الأخصِّ ماضيهم في صورة أشبه بمحاكمات تكون فيها الذَّات مَدِينَةً ومُدانةً في آنٍ معًا، إلى الحيرة بين الشَّك واليقين، الحقيقة والخيال، وصولاً إلى مواجهة رغبات وفورات الجسد في مقابل الامتثال للروح ورديفاتها «الدين – القيم – العُرف».

العجيب أنَّ هذه الرِّحْلة انقادَ إليها طواعيةً مَنْ طارده سؤال البحث، وشغله الظفر بيقين الإجابة؛ فجَالَ باحثًا عن الحقيقة تارة، وعن اليقين والسَّكينة تارةً ثانية، فاكتشف في النهاية أن ذاته هي الأحق بالبحث عنها، بعدما ضلَّتْ سبيلها وانشغلت بما هو حتمي وقدري ولا فِكَاك منه على حساب ما هو رُوحي ومعنوي – الحبّ السَّعادة.

سؤال الموت الذي تبدأ منه الرِّواية وتنتهي إليه، يتردَّد عبر شخصياتها عاكسًا لقلقها وحيرتها، مختبرًا لثباتها وإيمانها حينًا، وجزعها وقنوطها حينًا آخر، كما إنه حاوٍ لكل ما له صِلة بالموت والحياة في آنٍ.

وقد تتبدَّى إشكاليته ليس في الإجابة عليه، رغم ما كَشَفه من إدهاشٍ لمن وَقَعَ عليهم السؤال، بقدر ما تكمن في طرحه حيث كشفَ عن أزمةِ الإنسان الحقيقية، في اغترابه عن ذاته وعن المحيطين، ففي ظل الانشغال به ضاعت أشياء مهمّة وجوهرية، على نحو ما رأينا عند حجيزي بخسرانه لذاته، ففي حيرته وغمرة بحثه عن مخرج لتساؤلاته، نسى أشياء كثيرة لا تبدأ بنسيانه للون عينيّ ابنه بكير، أو حتى نسيانه الطريق إلى فراش زوجته، وإنما في ضياع جوهر الحياة – الحب وإدراكه أن «حياته راحتْ هدرا»، لذا يقف مع ذاته وبصيغة الالتفات يتساءل: «لماذا لم تعش الحياة يا حجيزي، مثلما يعيشها ولدك؟» (ص 107)، كنوع من التقريع والعتاب.


***

تكشف الرواية عبر سؤالها المحوري، عن سبب أزمة الإنسان الوجودية «حيث الحياة تضيع وتنسرب من بين أيدينا عندما ننشغل بما هو قدر لا محالة منه» كما جاء على لسان أحد أبطالها، وأيضًا عن صراع الإنسان الأزلي بين الامتثال لمطالب الروح أو تغليب شهوة الجسد، وهو ما قاد صبحي – يوأنس لمنفى الرب فيثور على الحرمان من متعة الجسد،«لماذا يحارب الرّب جسدي؟

لماذا يصرخ فيّ دائما لأهتم بما لا أراه على حساب ما أراه؟ لماذا يطالبني بمراعاة روحي، ويأمرني بإهلاك جسدي» (ص222). كما تتطرق الرواية إلى المسكوت عنه في مجتمعنا كعلاقة المسلم والمسيحي، ونظرة المسيحي للمسلمين، والتي تكشف عن تأزُّم العلاقة رغم المودَّة البادية والتي أكَّدها يوأنس نفسه بأن المسلمين هم الذين أنقذوهم من الحريق عندما شبَّ في بلدة نجع أبو ليلة في مديرية جرجا التي هَرَبَ منها إلى أسيوط.

لكن الحقيقة المؤلمة أن ثمَّة غصة من أفعالهم التي تكشف عن أنانية مفرطة، والتي حَالَتْ دون طرق الأجراس في الكنيسة الوحيدة، أو حتى بناء المآذن لها، أو أقل شيء هو تجديد جدرانها التي تهالكت، أما المسلمون فهم في نظرهم غاصبون محتلون، وإن كان ببعض التخفيف فليس مثلهم مثل المحتل الآخر.


***


في مشاهد دالة ومتفرقة على طول سرد الرِّواية، كان الموت حاضرًا من أوَّل الرواية إلى منتهاها، بكافة صيغه وأشكاله، فهو حاضر ماديًا، حيث الموت غرقًا (صالح)، وحرقًا (بثينة وجميل)، وغيلة – غدرًا (سيرين)، وافتراسًا (الذئاب لناقة غنيمة)، وحاضر معنويًا كموت سريرة فهي كما رآها وحسبها حجيزي «في قبرها مدفونة فيه منذ زمن» (ص37)، وغنيمة في حزنه على ابنه الزبير وفشله في استعادته بعدما هجره إلى الفلاحين والأعراب، وأيضًا في موت العلاقة بين حجيزي وسريرة، وهو ما تكشفه مواجهتها له قبل سفره الأخير ومحاولتها إثناءه عن السفر، كما هو حاضر في صورة موت ذكر الأوز، أو موت ناقة غنيمة ومقتل كلبه، وحاضر أيضًا عبر السؤال نحو «لماذا يدفن الناس موتاهم، بأي قلب يدفن الناس أعز الناس؟» (ص31) وهذه الترديدات تضعنا في دائرة الموت، وكأنها حصار لسؤال الرواية الأوَّل، الذي سَعَى إلى الهروب منه حجيزي، فخايله عبر هذه الصُّور المخيفة للموت. ومن ثمّ كان الاستحضار المتوالي لصورة الموت، بمثابة المؤنس له لئلا يكون الآخر أو (الهُم /they ) بتعبير هيدجر.


***


غرابة المكان «الوعرة»، المكان المتخيّل الذي لا تربطه بأقرب مكان «موط» طريق أسفلتي، لا تنفصل عن غرائبية أشخاصه، وأسئلتهم التي تتجاوز المألوف إلى خرق المقدَّس، وسعيهم للتمرُّد على الثوابت كما فعل حجيزي عبر أسئلته للشيخ مزيد ومن قبل لأبيه علوان، عن الجنة والنار والموت والخلود، ثم مغامرته للتنصُّر، أو على نحو ما ذهب سعدون وشكّه في الله واقترابه من الكفر بعد موت زوجته وابنه، وأيضًا في أفعالهم وتجاوزها في الخطاب مع الله بمحاورتة حينًا، ومعاتبته حينًا آخر، والاعتراض عليه حينًا ثالثًا.

لكن الصورة الأبرز للغرائبية هي تلك التي يُضْفِيها على الموت في حضوره، فهو أشبه بتلك الحياة التي هم يعيشونها والخالية من المباهج. أشكال الموت المختلفة تؤكِّد على رسالتين الأولى عبثيته معهم، وهي تتشابه مع عبثية الحياة نفسها التي تدفع أحد الرجال إلى سرقة أكفان الموتى لشراء الطعام والدواء لزوجته، والثانية مجانيته بإطراده، فيغرق ذكر الإوز في دلو الماء، ويموت صالح ابن سعداوي في البئر رأسه إلى الماء وجسده معلّق، ثم تموت زليخة زوجة سعدون الأولى عشقًا، ويموت غنيمة «خلف الباب» كمدًا على ابنه، وهو الذي قَادَ معركة بينه وبين الرّدى، نجا منها البَدَنُ وضَاعَ فيها العقلُ. ويموت سعدون عندما تجرّأ وفَتَحَ غرفة ذكرياته مع زليخة. وأخيرًا يموت حجيزي بعد صديقيه «تحت شجرة البرتقال» وبجوار قبر سعدون صديقه الضحوك، قبل أن يكمل رحلته للواحات.


***

رواية الخلق وإعادة الحياة


ومع ترديدات الموت الكثيفة، إلا أن الرواية من زاوية أخرى يمكن أن توصف بأنها رواية الخلق وإعادة الحياة، حيث منحَ الراوي بعض شخصياتها القدرة على الخلق كسليم، بنحته تمثالًا لسكيرة، أو بالتحنيط الذي كان يمارسه شديد الواعري وعلَّمه لحجيزي، وأيضًا عبر اجترار الذّكريات التي تنساب عن الشخصيات التي جعلت من حياتها منَافِي للرّبّ، فخلقت الحكايات لهم حياة جديدة، على نحو ما رأينا عن سريرة، وعن ماضي الرَّاهب يوأنس، وعن رحلة زليخة وسعدون إلى أسيوط.

فالحكايات متناثرة إلى أجزاء تتداخل في المتن المقسَّم إلى سبع عشرة وحدة، كل وحدة تحمل عنوانًا مستقلاً ولافتًا، فمع أن الرواية تدور في ثلاثة أيام، المدّة المتبقية على حياة حجيزي كما أخبره يوأنس في الرؤية، إلا أن زمنها الفعلي زمن موغل يتداخل بين حاضر هذه الشخصيات القريب، والماضي البعيد الذي يمتد إلى احتلال الفرس لمصر، عبر حضور شخصية جالة الفارسية التي خرجت من تحت الرمال لغنيمة في رحلة التيه، إلى احتلال بني عثمان وحكاية شقمق بك المفتون به غنيمة، إلى الإنكليز الذين عمل معهم غنيمة عبر قصة العصفور في القطار التي تجاوزت بساطتها، إلى رسالة الاستمتاع بالحياة كما حَرَصَ عليها المهندس الإنكليزي.

كما تتطرق الرواية إلى الخطاب الديني المشوَّش والعاجز عن تلبية أسئلة العامة، ونقده بالسُّخرية من الشيخ علوان وابنه الشيخ مزيد. وأيضًا تكشف عن أزمتنا الراهنة، فترجعها إلى التواطؤ والخيانة، كما تجلَّت في صورة خذلان الأعراب لطومان باي، ونكثهم لعهد الأمان الذي أعطوه له، فقدموا رأسه لبني عثمان، مرورًا بحكَّام البلاد أنفسهم الذين تقاعَسُوا عن خيرات البلاد وتركوها فريسة للمحتل الذي اكتشف فيها ما لم يره أهل البلاد أنفسهم. مع أن الرواية تنحاز للرَّجُل، ربما بسبب سُلْطَةِ المكان وسطوته، إلا أنَّ هذا لم يمنعْ من بروز الجانب الإيجابي للمرأة بمنحها البصيرة التي غابت عن الرَّجُلِ قليلاً، أما الدَّورُ الأكبرُ الذي اختزله المؤلف لها، فيتمثَّل في منحها الحياة كاملةً، ومن ثمَّ تَهْدِم به المقولة المغلوطة والرائجة عن أنها (حواء – المرأة) هي سبب طرد آدم من الجنة إلى منفاه الأرضي، فهنا تصبح المرأة – الحب النَّجَاة من المنفى وليس المؤدي إليه كما قال الرَّاهب يوأنس «لو وجد أحدنا امرأة تحبه ما ألقى بنفسه في منافي الرّبّ» (ص299) أو ما جسَّدته صورة المرأة الجميلة خلف ظهر المُعزّي على الفرس وحين سأله «حجيزى» عنها، قال «إنها حبيبتى» ثمَّ ما أكَّده «وهل من الممكن أن أبلغ رسالتى من غير حب امراة؟» (ص243).

***

أخيرًا، يمتازُ سَرد الروايةِ بالاعتناء بالوصف، والتركيز على التشبيهات المستوحاة من واقع البيئة، وملاحقة الأحداث، والوقوف عند أدق التفاصيل (وصف النجوم والليل، ورمال الصحراء) وهو ما مثَّل عبئًا كبيرًا على الرواية، إضافة إلى السُّخرية المتناثرة في حوارات الشخصيات مع بعضها البعض، أو عبر المواقف التي تُختبر فيها الشخصيات، وهو ما يعكس جَلَدَ الشخصيات وقوّة تحمُّلها، عبر بناء يعمد إلى لعبة الزمن والتداخلات، وقد جاء هذا عبر لغة سلسة معبرة وموحية تكتنز مجازاتها في كثير من مواضعها، وتميل إلى الإفصاح المخجل في قليل منها، مازجة العامية بالفصحى في حواراتها.

كُلّ هذا قَادَ إلى حقيقةٍ وحيدةٍ، مفادها أنَّ الهروب إلى منَافِي الرّبّ، ليس أكثر من مجردِ وَهْمٍ، صنعه الإنسانُ في عقله فقط، ولو بَحَثَ الإنسان عن الحبِّ لاغتنمه من مباهج الدنيا التي أعرضَ عنها. فهلَّا تقبلنَّا دعوة الحبِّ التي تسَرَّبَتْ من رسالة المُعزِّي أم نتغافلها لنعيشَ «أو لنظلَ» أَسْرَى منافينا الوهمية؟! ليتنا نُلَبِّي، ونُصْبِحُ ـ ذات يوم ـ أحرارًا لا عبيدًا (على الأقل) لأوهامنا!! مادمُنْا رضينا أن نموتَ ونحن أحياء !!

15