أشرف السعد "الفهلوي" الذي صار إمبراطور توظيف الأموال في مصر

ثري ساخر يزيح القداسة المزيّفة عن الجماعات الدينية، والجدل الجماهيري والنخبوي حوله لا يزال متواصلا.
الثلاثاء 2021/05/18
من الولاء إلى العداء للإخوان

بعد غياب تجاوز الـ26 عاما بسبب قضية توظيف الأموال الكبرى التي هرب على إثرها إلى لندن، عاد رجل الأعمال أشرف السعد إلى مصر مؤخرا، وهي العودة التي صاحبها جدل واسع، نظرا لارتباطه في الماضي بملف هدد مستقبل الملايين من المواطنين ومدخراتهم، واشتباكه الملفت حاليا بقضايا جماعة الإخوان وممارسات تيار الإسلام السياسي خلال فترة وجوده في بريطانيا في السنوات الماضية.

فور رجوعه جرى عرض السعد على النيابة العامة للتحقيق معه في قضيتي شيكات بدون رصيد وتم إخلاء سبيله لسقوط الأحكام بالتقادم، وبعدها جرى ترحيله إلى الإسكندرية لوجود أحكام عليه بالحبس في أربع قضايا تبديد، ليتم إخلاء سبيله بعد أن قدم معارضة دافعا بسقوط الأحكام بالتقادم أيضا، فضلا عن سداد جميع مديونياته.

فرضت الحراسة على ممتلكات السعد منذ أكثر من 15 عاما، لكن في العام 2007 قررت محكمة القيم إنهاء تلك الحراسة، بعد سداد جميع المديونيات لدى الأفراد والشركات والبنوك، وبعد الطعن على القرار عادت محكمة النقض وأيدت الحكم بإنهاء الحراسة على أملاكه وإعادة الأموال المستحقة له.

علق السعد على الحكم حينئذ قائلا “هذا الحكم النهائي ليس فقط حكما برفع الحراسة عن ممتلكاتي وممتلكات شركة السعد، لكن هو في المقام الأول حكم نهائي يرد الاعتبار لشركة السعد ولي شخصيا وتأكيد على أن الشركة أوفت بجميع التزاماتها تجاه المودعين وكل أصحاب الحقوق منذ عام 1994".

بريء بالتقادم والسداد

شركات توظيف الأموال في مصر ذات سمعة سيئة لما تمثله ضمن مشروع جماعة الإخوان الهادف للهيمنة على الدولة المصرية، والذي جرى اكتشاف تفاصيله في العام 1992 تحت عنوان مشروع التمكين

شركات توظيف الأموال في مصر اكتسبت سمعة سيئة لما كانت تمثله ضمن مشروع جماعة الإخوان الهادف للهيمنة على الدولة المصرية، والذي جرى اكتشاف تفاصيله في العام 1992 تحت عنوان مشروع التمكين.

علاوة على ما اقترفه أصحاب تلك الشركات من عمليات خداع باستخدام مظاهر وشعارات دينية دفعت الملايين إلى إيداع مدخراتهم بها، وهو ما هدد بضياع معظمها قبل أن تتدارك الحكومة الكارثة، وتنهي هذا النشاط وتحاكم المسؤولين عنه وتشرع في إدارة خطة تحت إشراف القضاء لإعادة المستحقات إلى أصحابها من أصول ممتلكات أصحاب تلك الشركات.

بدأ السعد المولود في يناير 1954 كعامل بسيط في سبعينات القرن الماضي بأحد محلات الأجهزة الكهربائية وسط القاهرة، قادما من السنبلاوين بالقرب من المنصورة، شمال شرق القاهرة، وصعد خلال سنوات قليلة ليصبح رجل أعمال يمتلك شركة كبرى لتوظيف الأموال.

وفي غضون عشر سنوات شهد الفضاء العام الكثير من الخلافات والنزاعات الفكرية والسياسية والدينية حول طبيعة ذلك النشاط المريب، وقد تردد اسمه ضمن مجموعة من الشيوخ الملتحين الذين وُجهت إليهم تهم النصب والاحتيال على الملايين من المصريين.

وبعد أن تمكن من الهرب إلى أوروبا عاد “الحاج أشرف” كما يناديه المقربون منه أخيرا إلى مصر ليستقر بها بعد تسوية قضاياه وسداد الأموال المستحقة لضحاياه.

ورغم أن القضايا القديمة أُغلقت، إلا أن الجدل الجماهيري والنخبوي حوله لا يزال متواصلا ويبدو أنه سوف يستمر طويلا، فالرجل الذي كان ركنا هاما داخل مشروع جماعة الإخوان خلال الثمانينات من القرن الماضي لا يكف عن الهجوم على الجماعة ومجمل فصائل الإسلام السياسي، منحازا بقوة لمؤسسات الدولة المصرية وللجيش، ومدافعا بشراسة عن سياسات الرئيس عبدالفتاح السيسي ومواقفه.

الزخم الشعبي الذي صاحب عودة السعد يعود إلى شغف المصريين وفضولهم من أجل التعرف عن قرب على النسخة الجديدة من شخصيته التي حرص على تكريسها في أذهان متابعيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مُمهدا لهذه العودة النهائية، وهي نسخة تناقض نسخته القديمة عندما كان أحد أركان مشروع تديين المعاملات المالية وبناء اقتصاد خاص بالتيار الديني، وعلى رأسه تنظيم الإخوان، موازٍ لاقتصاد الدولة القومي.

ولم تقتصر محطة العودة النهائية فقط على إزالة العوائق القانونية وإسقاط الدعاوى القضائية والتأكد من رد كل الأموال المستحقة لأصحابها، إنما عاد الرجل معتنقا بالنهج “الدولتي”، مدافعا عن الدولة المصرية ومؤسساتها، حتى بات يعدّ ضمن أشهر المتحمسين للقيادة السياسية الراهنة وأكثر مهاجمي الإخوان شراسة على وسائل التواصل الاجتماعي. والآن أصبحت صفة المناهض الشرس لمشروع جماعة الإخوان والمعلق صاحب النكات الكاشفة واللقطات الساخرة التي تغضب نشطاء الإخوان وحلفاءهم تطغى على سيرة السعد القديمة وصورته السابقة.

وتحوّلت العودة لما يمكن اعتباره انتصارا للسعد، ليس فقط لتبرئة موقفه قضائيا من تهم نصب واحتيال، إنما الأهم كسب جولة في مواجهة ناشطي الإسلام السياسي، حيث تحتضنه مصر ويعود إليها مكرّما بعد رجوعه أولا لمفاهيم الإسلام الصحيحة، مُقدمًا مصالح بلده على غيرها، فيمَ هم مشتتون ومطاردون في كل بلاد العالم.

التوقيت والمغزى

مشروع أسلمة الاقتصاد والمجال العام في مصر برع فيه السعد من خلال شخصية التاجر الذي يوهم الناس بالربح السريع المضاعف ويخدعهم باللحية الطويلة والجلباب القصير. (الصور من السوشيال ميديا)
مشروع أسلمة الاقتصاد والمجال العام في مصر برع فيه السعد من خلال شخصية التاجر الذي يوهم الناس بالربح السريع المضاعف ويخدعهم باللحية الطويلة والجلباب القصير. (الصور من السوشيال ميديا)

يثير السعد الاهتمام أيضا على المستوى النخبوي، حيث تُغري شخصيته المختصين والنخبة المثقفة لاستكشاف السر وراء قدرات شخصيات عادية لم تنل القدر الكافي من الدراسة ولم تتعمق في المناهج الفكرية والفقهية ولم تدرس تاريخية الإسلام السياسي وما يؤهلها من تفسيرات وتأويلات دينية وفكرية للرد على رموزه ومنظريه، ورغم ذلك تخوض معارك على مستويات مختلفة وتربح جولاتها بالعالم الافتراضي.

لعب السعد قديما في سياق مشروع أسلمة الاقتصاد والمجال العام من خلال شخصية التاجر الذي يوهم الناس بالربح السريع المضاعف ويخدعهم باللحية الطويلة والجلباب القصير، وها هو يخوض الآن معاركه ضد تيار الإسلام السياسي بشخصية وعقلية ابن البلد “الفهلوي” الذي لم يكتسب خبراته من الدراسة والبحث بل من واقع الحياة ومن تجاربه الشخصية التي اطلع خلالها على كواليس ما يجري التخطيط له داخل التنظيمات المغلقة.

أصبح السعد حُرّا الآن، ومن المرجح أن يقوم بدور إعلامي عبر تكثيف استضافته في الفضائيات المصرية، لما يمتاز به من قدرة على مخاطبة الغالبية من متوسطي التعليم والثقافة بلغة سهلة ولهجة عامية وأسلوب يتسم بقوة الحجة العقلية والسخرية اللاذعة.

وقد أثبتت هذه الأساليب التي تجمع بين العمق والبساطة وخفة الظل أنها أكثر إزعاجا لجماعة الإخوان ولتيار الإسلام السياسي، حيث تنتشر بشكل أسرع وأكثر اتساعا مقارنة بالطروحات الرصينة، فضلا عن أنها تستهدف نفس الفئات الاجتماعية التي يبذل إعلاميو الإخوان وناشطوها على السوشيال ميديا جهودهم لجذب وارتهان قطاعات منها.

قادة وعناصر جماعة الإخوان وحلفاؤها يضمرون للسعد بغضا شديدا، الأمر الذي ظهرت تجلياته في مضامين ردودهم على فيديوهاته وتغريداته الداعمة للنظام السياسي الحالي بمصر ومهاجمة الإخوان، حيث يتسم بالجرأة في الطرح وقوة الحجة وتماسك المنطق وومضاته خفيفة الظل والمؤثرة.

السعد الذي يعدّ ركنا هاما داخل مشروع جماعة الإخوان في حقبة ثمانينات القرن الماضي، لا يكف عن الهجوم على الجماعة وفصائل الإسلام السياسي، منحازا بقوة لمؤسسات الدولة المصرية وللجيش، ومدافعا بشراسة عن سياسات الرئيس السيسي ومواقفه

أما تغريدات وفيديوهات السعد التي واظب على بثها طوال السنوات الماضية من منفاه الاختياري بلندن، فقد حازت على إعجاب وإشادة واسعة من متابعيه، فهي تفتح الذهن لمعرفة الكثير من أسرار جماعات الإسلام السياسي وعلاقاتها وتحالفاتها الخارجية ومخططاتها ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، فضلا عن تصوراته وتحليلاته التي تكشف تهافت خيارات ومواقف قادة الإخوان، كل ذلك صاغه السعد بأسلوب ساخر يؤلم عناصر الجماعات ويزيح القداسة المتوهمة والمصطنعة عن قادتها.

يواكب توقيت عودة السعد إلى مصر اعتماد جماعة الإخوان على خطط بديلة لتلافي تأثيرات التقارب التركي – المصري، ترتكز على مجهودات رجال أعمال موالين للجماعة يقيمون في دول أوروبا والولايات المتحدة بغرض تأمين خطط انتقال وفاعلية إعلامية توحي بأنها لم تتأثر بالإجراءات التركية الأخيرة.

وقد كثفت قيادات الإخوان اتصالاتها بعدد من هؤلاء في مقدمتهم محمود وهبة الذي يمتلك رخصة بث إذاعي وفضائي بأميركا وشركة للأقمار الاصطناعية، فضلا عن علاقاته الجيدة بعدد من السياسيين النافذين بالحزب الديمقراطي في أميركا، وهو موالٍ لجماعة الإخوان ويكن بغضا للدولة المصرية وقادتها، واعتاد الظهور على فضائية “الجزيرة” وغيرها بوصفه خبيرا اقتصاديا مهاجما الحكومة ومشككا في الإصلاحات الاقتصادية التي تحققت في الفترة الماضية.

فتح الباب أمام عودة رجال أعمال تائبين من الفكر والنهج الإخواني يتبنون الدفاع بمنطق قوي عن الدولة ومؤسساتها من عينة السعد، يُعدّ بمثابة رسالة للكثير من رجال الأعمال المصريين المقيمين في أوروبا، أيًا كان مستوى تأثرهم بمجريات أحداث السنوات الماضية وبدعايات الإخوان في الخارج، مفادها أن الدولة المصرية أقرب إليهم من أي كيان ثبت أنه لا يحرص سوى على مصالحه، فضلا عن أن مستقبله بات غامضا ومجهولا ليس في مصر فحسب بل في العديد من العواصم الأوروبية.

كما تجد القاهرة نفسها في حاجة لحرمان النظام التركي الساعي إلى جني أكبر قدر من المكاسب، بالتوازي مع تقديم أقل قدر من التنازلات من استخدام ورقة جماعة الإخوان، للمساومة بها بغرض الحصول على تنازلات في الملف الليبي وملف غاز شرق المتوسط والعلاقات مع قبرص واليونان. واستقبال مصر لشخصيات تاريخية تعاونت مع جماعة الإخوان في السابق وأعلنت ندمها وتوبتها، بجانب قرارات العفو الأخيرة عن عناصر من أنصار الإخوان والجماعات القريبة منها بعد إعادة تأهيل فكري وتربوي، والإفراج عن قيادات كانت متحالفة مع الإخوان وخرجت لتعلن إقرارها بأنها ارتكبت أخطاء كبيرة، مثل مجدي أحمد حسين، كلها شواهد تعكس حرص الدولة على احتواء العائدين للمظلّة الوطنية، وهو ما يوحي بخفة وزن ورقة جماعة الإخوان المنقسمة والمشتتة بيد المفاوض التركي.

العداء للإخوان

عودة السعد إلى مصر يصاحبها جدل واسع، نظرا لارتباط اسمه بملف هدّد مستقبل الملايين من المواطنين ومدخراتهم.
عودة السعد إلى مصر يصاحبها جدل واسع، نظرا لارتباط اسمه بملف هدّد مستقبل الملايين من المواطنين ومدخراتهم.

تحول السعد من الولاء إلى العداء للإخوان بناء على خبرات سنوات طويلة قضاها داخل مطبخ من كانوا يصيحون “تعالوا نصلح الدنيا بالدين”، وهو أكثر من يعرفهم، حيث لا يردعهم دين ولا ما يتسببون فيه من أذى ومآسٍ للملايين من المخدوعين بالشعارات ومظاهر التدين في سبيل تحقيق أطماعهم الدنيوية.

تجربته القديمة داخل هذا التيار أطلعته على حقيقة الموالين له والذين يدينون بالسمع والطاعة لمرشد الجماعة، ومنهم من سوّغ لنفسه تلفيق فتاوى دينية مزيفة نظير التمتع بمكافآت خرافية كانت تصرفها لهم شركات توظيف الأموال كمرتبات استشارية لمباركة نشاط هذه الشركات، مقابل تنفير الناس من البنوك الوطنية بوصفها ربوية.

يدرك السعد، وهذا ظهر في مضامين ما ينشره من تغريدات، طبيعة مشروع جماعة الإخوان، كونه امتدادا لمشروعهم القديم الذي كان شريكا فيه، والمستوحى من نموذج الثورة الإسلامية في إيران، عندما شرع إسلاميون مصريون بتقليد أساليبها، بداية من بناء الاقتصاد الموازي والانتشار بالمال والمعونات داخل الأوساط الفقيرة والمهمشة وتأسيس أجنحة عسكرية من شباب صغير شبيهة بالحرس الثوري، وبث دعاية دينية موجهة على المنابر وعبر أشرطة الكاسيت، وصولا لتكتيل حشد شعبي مؤدلج جارف لا يقوى الجيش على مواجهته.

وأخيرا فإن أطروحات السعد تتمحور اليوم حول التحذير من مشروع جماعة الإخوان الساعية إلى تفكيك الدولة وبث الانقسامات والفرقة داخل مؤسساتها وإضعاف هياكلها وهيئاتها منذ العام 2011، مؤسسة على خبرته القديمة بهذه الجماعة عندما جنّدته خلال ثمانينات القرن الماضي ليصبح ركنا من كيان متشعب يقوي اقتصاد الإخوان ويضعف اقتصاد الدولة ويبخس قيمة الجنيه ويدمّر مدخرات المصريين.

13