أشرف العشماوي يضيء برواية التاريخ المنسي لمصر المحروسة

الأربعاء 2015/03/04
في روايته يطرح العشماوي سؤال إلى متى سنظل نكرر التاريخ

القاهرة - تنطلق رواية “كلاب الراعي”، الصادرة عن “الدار المصرية اللبنانية”، للكاتب المصري أشرف العشماوي من مفهوم غير قاصر على السياسة فحسب، ولكنه تعرض أيضا إلى الحياة الاجتماعية والإنسانية لشخوص الرواية، التي تدور أحداثها في ربوع المحروسة خلال فترة حكم المماليك، قبيل تولي محمد علي باشا بسنوات معدودة.

لم يكتف أشرف العشماوي في “كلاب الراعي”، بالحديث عن الحياة السياسية بشكلها السطحي، لكنه غاص في المؤامرات التي دارت بين المماليك ومحمد علي للاستيلاء على الحكم، ودارت الدائرة بين كل من الألفي باشا وخسرو باشا والبرديسي بك والباب العالي ومحمد علي باشا والقنصل الأنكليزي والفرنسي وقنصل النمسا، حيث تتوالى المؤامرات التي صيغت بحرفية وتفصيلية زادتها بعدا إنسانيا فوق بعدها التاريخي، ليغوص العشماوي في أعماق النفس البشرية وشهواتها، وعلاقاتها المتضادة والتكاملية.


تاريخ منسي


نجح الكاتب ببراعة في أن يغوص في أعماق تاريخ منسي، واستطاع باستخدام “التفصيلة” كعنصر أساسي في الحكيّ، في صناعة عالم مواز لحياتنا، يبعد عنا أكثر من قرنين من الزمن، لتطل علينا مصر ”المحروسة” بأماكن تحمل أسماء مختلفة عن عالمنا كقرية منوف ونيل الجيزة والغورية وسجن العرقانة وميدان الرميلة وميدان الجمالية وغيرها، ويطل علينا أيضا هذا العالم بزيّ مختلف وأسلحة مختلفة وعبيد ومماليك وصراعات جدلية يتوقف أمامها المرء كثيرا.

جاء في الرواية “يا ولدي أنتم تثورون على ظالم لتأتوا بأشدّ منه ظلما، لا تراهنوا على القوى فقط، وإنما اختاروا العادل الذي يراهن علينا نحن المستضعفين”.

رغم واقعية الرواية إلا أن الكاتب جعل بطل روايته يبدو كبطل أسطوري أو شعبي، ليظهر لنا الشاطر حسن الذي تعمّد الكاتب منحه هذا اللقب، ليفتح لنا المجال ما بين تصديق وجوده الواقعي ”الحسن بن جمال الدين الرومي” ووجوده الأسطوري ”الشاطر حسن”، وما بين الوجودين كما بين المشرق والمغرب، فبينما ينتصر الشاطر حسن الأسطورة في الحواديت ويتزوّج في النهاية بالأميرة الحسناء، ينتهي الحال بالحسن بن جمال الدين الرومي في سجن العرقانة، في مكان مظلم دون محاكمة ولأجل غير مسمّى، دون أن يتزوّج من المرأة الوحيدة التي أحبها ”نورسين”، ليقف القارئ في النهاية دون أن يدري متسائلا: أيّهما انتصر على الآخر، الخياليّ أم الواقعي.
الرواية ذات بعد إنساني تغوص في أعماق النفس البشرية وشهواتها وعلاقاتها المتضادة والتكاملية

ثم ينقلنا العشماوي ببراعة بين الضدين ”كمال والحسن”، الأخوين غير الشقيقين، حيث بدت العلاقة بينهما تكاملية ضدية، فكل منهما كان سببا غير مباشر في وجود الآخر، فلولا تواجد المماليك بسطوتهم التي يمثلها كمال، لما تواجد الحسن لمواجهتها، ومحاولة كشف الحقيقة، ولولا وجود الحسن ”الثوري الذي يخرج عن القطيع” لما تواجد كمال الذي يحاول دوما أن يعزز أركان سطوته، ويضرب بيد من حديد.

ورغم أن كلا منهما كان يمثل تهديدا للآخر، إلا أن كليهما كانت بداخله رغبة دفينة في الإبقاء على هذا التهديد، وربما لشعورهما بارتباط حياتهما معا، ففي كل محاولات كمال للقضاء على حياة الحسن، كان يتراجع عنها بعبارات مثل ”أريده حيا”، ”أطلقوا النار على ساقيه”، ثمّ ادعاء موته.

الحيلة التي لجأ إليها كمال حين قدم رأس أحد العبيد بدلا من أخيه، والحسن حين صنع جنازة غير حقيقية لكمال، وكما ارتبطت حياتهما معا، انتهت معا فكمال لقي مصرعه بينما الحسن ينتظر مصيره في سجن العرقانة، دون أيّة إشارة إلى أن مصيره سيختلف كثيرا عن أخيه.

بطل الرواية يبدو أسطوريا وشعبيا


صراع ونهاية واحدة

بعض التفاصيل صنعها العشماوي بحرفية، لتتجلى في بعض الأحيان، ويصبح لها صدى، ففي تفصيلة ”النظر إلى الكف الأيسر”، التي ظلت ملازمة لكمال حتى في أوج قوته، لتكشف بواطن ضعفه، فتلك التفصيلة التي لا تتعدّى العشرين حرفا، تقول كلاما أبعد من ذلك بكثير، وتغوص في أغوار النفس البشرية.

التفصيلة الأخرى التي تكررت عبر الرواية ”آن لهذا البلد أن يستقرّ” والتي باتت مفتاحا لكل المؤامرات السياسية، لتنقل لنا زاوية أخرى عن الاستقرار والتلويح به.

“كلاب الراعي” الاسم الذي بدا كلاسيكيا، لكنه لم يكن كاشفا للرواية، ممّا جعل القارئ يحاول الوصول إلى مقصودية العنوان، وعلى الرغم من أن الاسم ظهر في أكثر من موقع بالرواية، وأن كلاب الراعي هم المماليك، حين كان المصريون يهتفون ”يا برديسى يا كلب الراعي.. روح خدلك عضمة من الوالي”، إلا أن العشماوي لم يعلنها بشكل مباشر ليفتح الباب إلى التأويل، وخصوصا حين تساوى الجميع في النهاية المماليك ومحمد علي، فبدا العنوان أكثر شمولية، ليشمل كل الذين يسعون إلى الحكم، وينقضون عليه حين تسنح الفرصة، بينما يتظاهرون بعكس ذلك.

فكما أطلقها محمد علي على المماليك في مقولته ”هؤلاء الذين تحسبهم زاهدين، ينتظرون الفرصة للانقضاض على القلعة في أي وقت، مثلهم مثل كلاب الراعي يسيل لعابها طمعا في الشاة التي ذبحها إمامهم” فدون أدنى حرج من الممكن إطلاق تلك المقولة على محمد علي، الذي تمنّع في البداية، وما إن اعتلى العرش حتى قام بتثبيت حكمه، بشتى الوسائل التي لا تختلف كثيرا عن وسائل المماليك.

وما بين الواقع والثورة، الجنون والعقل، العاطفية والواقعية، ينهي العشماوي روايته بناجي الذي أرسل في بعثة تعليمية من بعثات محمد علي، وتعتبر هذه البعثات أهم إنجازات عصر محمد علي ورسالة من العشماوي بأن التعليم هو الحل، بينما يقبع أبوه المملوكي خلف التراب بلا رأس، وعمه في سجن العرقانة ينتظر مصيرا مجهولا، ليصنع الكاتب المفارقة التي تزيد الرواية عمقا، وتوضح الفجوة الكامنة في النفس البشرية، والتي تشبه الفجوة بين مذبحة القلعة وإرسال البعثات للخارج، وفي النهاية نتذكر المقولة التي تقول ”من لم يتعلم من التاريخ يكرّره”. فإلى متى سنظل نكرّر التاريخ؟

14