أشرف ريفي: من هو رأس الحربة الحقيقي في مواجهة حزب الله

ريفي الجنرال "السني" الذي كشف مخططات التخريب للنظام السوري وحزب الله يشكو من غياب العمق العربي لمشروعه السياسي في لبنان.
الأحد 2018/05/06
بعد الانتخابات: "سعادة النائب" أو "معالي اللواء السابق"

في الوقت الذي يخال للبعض في الداخل والخارج أن ميزان القوى يميل لصالح “محور الممانعة” المقاوم، ليس سهلا أن ترى في لبنان تحديدا من يقف ويعرّض نفسه في كل ساعة ويوم إلى الخطر المتمثل بالمعارضة الشديدة “الكلامية” على الأقل، في وجه “حزب الله” الذي يهيمن على لبنان بوهج سلاحه الذي تحوّل من وجهته المفترضة، جنوبا، بوجه إسرائيل وجنح شرقا باتجاه سوريا، قبل المرور على الداخل ليفرض هيمنته على قرارات الدولة الرسمية بفعل الأمر الواقع. هذا هو حال اللواء المتقاعد أشرف ريفي الذي يعتبر اليوم “رأس حربة” المواجهة السياسية السنية في وجه الحزب الذي يجاهر بانتمائه إلى فكرة “ولاية الفقيه” الإيرانية.

المواجهة المفتوحة التي أعلنها ريفي في وجه “حزب الله” كانت قد تأطرت فعليا منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، حيث كان مقربا من الرجل ويبلّغه على الدوام بمعلومات تفيد بأن قرار اغتياله قد اتخذ في سوريا، وبغض النظر عن الجهة التي ستنفّذه. وقد تأثر ريفي باغتيال الحريري إلى أقصى الحدود، وزاده إصرارا على مواجهة “الحزب وسلاحه” غير الشرعي بكل الوسائل الممكنة.

البعد الوطني والعربي

فوز ريفي في "البلديات" يتحوّل بطموحه نحو الفوز بالانتخابات النيابية، وتحدي تيار المستقبل والحريري في "كل لبنان"، فهو يقدّم نفسه ممثلا لكل "السنة الشرفاء" الذين يرفضون الانحطاط الذي أصاب مقامهم بسبب سعد الحريري، حسب ريفي
فوز ريفي في "البلديات" يتحوّل بطموحه نحو الفوز بالانتخابات النيابية، وتحدي تيار المستقبل والحريري في "كل لبنان"، فهو يقدّم نفسه ممثلا لكل "السنة الشرفاء" الذين يرفضون الانحطاط الذي أصاب مقامهم بسبب سعد الحريري، حسب ريفي

ولد ريفي في طرابلس في العام 1954 في عائلة متوسطة الحال، وكان والده أحمد صاحب مطحنة في أحد أفقر أحياء المدينة، لكنه كان مسيسا ومسؤولا عن مكتب الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه الزعيم الراحل كمال جنبلاط في المدينة، فكانت نشأته في هذا الجو “السياسي” متأثرة بالبعد الوطني والعربي الذي كان يمثله جنبلاط في ذاكرة اللبنانيين.

وليس غريبا أن يراود كل مواطن لبناني في ظل النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والمذهبية، الحلم بأن يتبوأ أعلى منصب يتيحه له هذا النظام، وهذا الأمر ينطبق أكثر من غيره على اللبنانيين الذين يختارون الانضمام إلى السلك العسكري. فترى الماروني الذي يلتحق بصفوف قوى الجيش وهو يطمح في الوصول إلى منصب قائد الجيش المحصور أصلا بالموارنة، والدرزي أن يصل إلى منصب رئيس الأركان المعقود اللواء لطائفته، أما السني فيختار غالبا الانضمام إلى قوى الأمن الداخلي لأن منصب المدير العام لهذه القوى محصور بأبناء السنة.

غير أن أحلام ريفي بددتها شرارة الحرب الأهلية التي انطلقت في العام 1975 وقبل عام على تخرجه، ومع اشتدادها وانفراط عقد الجيش والقوى الأمنية، اندفع معظم الضباط المتخرجين إلى الالتحاق بمناطقهم وبالميليشيات الطائفية والحزبية التي كانت تخوض الحرب.

إلا أن ريفي المؤمن بمؤسسات الدولة، رفض أن يكون طرفا في النزاع الداخلي، وتوجه إلى باريس ليتابع تحصيله العلمي. ولكن إلياس سركيس، وبعد انتخابه رئيسا للجمهورية، دعا كل موظفي الدولة في المؤسسات المدنية والعسكرية إلى العودة إلى مؤسساتهم، فعاد ريفي إلى لبنان والتحق بمؤسسة قوى الأمن الداخلي، كما عاد إلى مقاعد الدراسة، حيث حاز إجازة في العلوم الاجتماعية، فرع علم اجتماع الجريمة من الجامعة اللبنانية، وشهادة “ماجستير” في علم اجتماع الجريمة من الجامعة ذاتها.

وخلال مسيرته العسكرية تولى ريفي العديد من المواقع، لكن الموقع الأحب إلى قلبه والذي تأثر به كثيرا، كان منصب “رئيس مكتب العلاقات العامة”، حيث حظي حينها بثقة المسؤولين عنه، وتعززت علاقته بسياسيين لبنانيين وعرب وأجانب، تزامنا مع دخول لبنان مرحلة دقيقة جدا كان فيها سليم الحص رئيسا لحكومة مدنية مقابل حكومة عسكرية كان يرأسها ميشال عون.

حينذاك، ساعده قربه من الرئيس الحص ومن الوسيط العربي الأخضر الإبراهيمي في مرحلة التحضير لـ”اتفاق الطائف” على أن يطّل على المجتمع السياسي من بابه الواسع، فتعّمقت علاقاته مع السياسيين اللبنانيين وغير اللبنانيين بشكل أوثق.

اللواء ريفي يعود إليه الفضل في كشف مخطط النظام السوري لتنفيذ عمليات تفجير في مناطق عكار وطرابلس تستهدف سياسيين ورجال دين وتجمعات مدنية، وذلك عبر الوزير السابق ميشال سماحة، في ما بات يُعرف بـ"مخطط سماحة – المملوك"

غير أنه بعد استقالة حكومة الحص التي أتت بعد “الطائف”، وتعيين الرئيس عمر كرامي رئيسا للحكومة، ولأن عائلة ريفي على خصومة سياسية محلية مع آل كرامي في مدينة طرابلس، كان الشرط الأول لكرامي أن يصار إلى نقل ريفي من منصبه، حيث تم تعيينه مديرا لجهاز أمن الدولة في شمال لبنان، وبقي فيه إلى أن توّلى الحريري رئاسة الحكومة.

جمعت ريفي علاقة مميزة بالحريري، وتوطّدت العلاقة مع مرور السنين. ولكن هذه العلاقة أزعجت الوصاية السورية التي كانت تُحكم قبضتها على لبنان أمنيا وسياسيا، وكانت تخشى ريفي وتعتبره غير وفي لها.

وفي عام 1994، أبلغ الحريري ريفي برغبته في تأسيس “فرع المعلومات” في قوى الأمن الداخلي، وطلب منه تسلم رئاسته، وبالفعل، بقي على رأسه حتى عام 1999. وعززت هذه التجربة خبرة ريفي في مجال الأمن والمخابرات. لكن المخابرات السورية اعتبرت أن هذا الفرع غير خاضع لها ولأوامرها، ومنعت تعزيزه بالعناصر الكافية، ليبقى دوره محدودا فاقتصر على 120 عنصرا و7 ضباط لم يكن باستطاعتهم القيام بالمهام الجسام التي تنتظرهم.

عانى ريفي كثيرا بسبب أجهزة المخابرات السورية وأزلامها في لبنان، فاستبعد مرات عديدة من مواقع حساسة إلى مواقع هامشية، خصوصاً مع وصول العماد إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية. ولكن خلال تلك السنوات لم تنقطع علاقته بتاتا بالحريري، بل تعزّزت أكثر، على الرغم من التحذيرات والمضايقات من قيادته. ولكن ريفي المقرّب من الحريري، لم يسمح يوما لهذه العلاقة التي استمرت 11 عاما بأن تؤثر على وظيفته العامة.

استبعد من رئاسة فرع المعلومات مع خروج الحريري من الحكم. عند هذه المحطة نقل ريفي إلى الشمال، وجاء نقله بما يشبه المنفى المعنوي، لكنه مع ذلك بقي على تواصل مع  الحريري، وكان يزوره ثلاث مرات في الأسبوع مرتديا البزة العسكرية متمردا على كل المحظورات والمضايقات التي كان يتعّرض لها من قيادته. ويذكر أنه في تلك الفترة افتتح لحود عهده بحرب إعلامية وقضائية وأمنية عنيفة على الحريري غايتها إخراجه من الحياة السياسية في لبنان، مستندا بذلك على ما كان يعرف بـ”الجهاز الأمني اللبناني السوري”.

لكن شكل فوز الحريري الكاسح في انتخابات عام 2000، فرصة لعودة ريفي إلى رئاسة جهاز المعلومات، غير أن رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان اللواء غازي كنعان وضع خطا أحمر أمام الرغبة الحريرية.

على قائمة الاغتيال

الحريري الأب يعتبر مؤسس "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي، وطلب من ريفي تسّلم رئاسته، فعززت هذه التجربة خبرة الأخير في مجال الأمن والمخابرات
الحريري الأب يعتبر مؤسس "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي، وطلب من ريفي تسّلم رئاسته، فعززت هذه التجربة خبرة الأخير في مجال الأمن والمخابرات

بعد اغتيال الحريري رُقي ريفي إلى رتبة لواء في العام 2005 وعُيّن مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي، خلفا لعلي الحاج الذي كان ولاؤه تاما للسوريين، فعمل جاهدا خلال توليه هذا المنصب على تزويد “الأمن الداخلي” بالعتاد والعديد لتعزيز دوره الوطني، وإبعاده عن السياسة قدر المستطاع. ونجح في تطوير الجهاز ليساهم في كشف العديد من الجرائم المختلفة، وتفكيك شبكات التجسّس لصالح العدو الإسرائيلي، وبعضها كان داخل تنظيم “حزب الله”، الخصم اللدود لريفي.

كان ريفي صديقا دائما لرئيس “فرع المعلومات” الجديد اللواء وسام الحسن الذي وُضع على قائمة المهددين بالتصفية، بعدما كان قد شهد لبنان اغتيال العشرات من السياسيين والصحافيين والأمنيين المناوئين للنظام السوري وحلفائه في لبنان. وبعد الكشف عن عدد من محاولات الاغتيال الفاشلة التي كانت تستهدف ريفي والحسن، تم اغتيال الأخير في 19 أكتوبر 2012 في منطقة الأشرفية، ما شكل الصدمة الكبيرة الثانية لريفي.

انتهت ولاية ريفي على رأس المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بعد بلوغه السن القانونية للتقاعد، وعندما أدرك رئيس الحكومة حينها نجيب ميقاتي أن التمديد لريفي لن يتم، بسبب الرفض القاطع لوزراء “حزب الله”، قرّر الاستقالة. فتم تكليف الرئيس تمام سلام بتشكيل الحكومة، وحينها طُرح اسم ريفي لتولي وزارة الداخلية، ولكن رفض “حزب الله” مجددا حال دون ذلك، فعُرضت على ريفي وزارة الشؤون الاجتماعية، ولكنه رفضها، لترسو التسوية على توليه وزارة العدل، وعلى أن يكون ريفي من حصة “تيار المستقبل” بزعامة الرئيس سعد الحريري.

ولعب ريفي دورا بارزا في كشف مخطط النظام السوري لتنفيذ عمليات تفجير في مناطق عكار وطرابلس تستهدف سياسيين ورجال دين وتجمعات مدنية، وذلك عبر الوزير السابق ميشال سماحة، في ما بات يُعرف بـ”مخطط سماحة – المملوك”.

بدأت علاقة ريفي بالحريري الابن تتدهور شيئا فشيئا، بعدما اعتبر ريفي أن الحريري يقدم تنازلات أكثر من اللازم لـ”حزب الله” وحلفاء سوريا في لبنان، وأنه يحيد عن مبادئ رفيق الحريري و”ثورة 14 آذار”. وتجلّت الخلافات بين الرجلين عندما انسحب ريفي من إحدى جلسات الحكومة اعتراضا على عدم إحالة قضية سماحة على المجلس العدلي.

وتأزمت العلاقة أكثر بين الرجلين بعد ترشيح الحريري سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية في تسوية اقترحها لإنقاذ البلاد من الفراغ الرئاسي الذي كانت تتخبط به، ما اعتبره ريفي “خيانة لدماء رفيق الحريري وسائر الشهداء” نظرا للعلاقة التي تربط فرنجية بالنظام السوري. وفي 21 فبراير 2016، طفح الكيل، وأعلن ريفي استقالته من الحكومة بسبب ما سماه هيمنة “حزب الله” عليها، وتسببه في أزمة وطنية تطبق على الدولة ومؤسساتها.

صراع الزعامات السنية

علاقة ريفي بالحريري الابن تتدهور شيئا فشيئا، فهو يعتبر أن الحريري يقدم تنازلات أكثر من اللازم لـ"حزب الله" وحلفاء سوريا في لبنان، وأنه يحيد عن مبادئ رفيق الحريري و"ثورة 14 آذار"
علاقة ريفي بالحريري الابن تتدهور شيئا فشيئا، فهو يعتبر أن الحريري يقدم تنازلات أكثر من اللازم لـ"حزب الله" وحلفاء سوريا في لبنان، وأنه يحيد عن مبادئ رفيق الحريري و"ثورة 14 آذار"

بعد استقالة ريفي من الحكومة، تفرّغ لخوض الانتخابات البلدية التي كانت مقررة في ذلك العام وتحدّى الحريري وميقاتي في عقر دارهما في العاصمة الثانية، طرابلس. فخاض الانتخابات بلائحة تبناها، ضمّت أسماء مقربين منه. فكانت النتيجة كاسحة، حيث بعدما كانت المؤشرات ترجّح اختراق ريفي للائحة المدعومة من الحريري وميقاتي على الأكثر بمقعدين، فازت لائحة ريفي بأكملها باستثناء خرق وحيد احتسب لمرشح ميقاتي، وهذه كانت بداية تحوّل ريفي من “معالي اللواء” إلى حضرة “الزعيم”.

وبعد فوز ريفي في “البلديات” تحوّل طموحه نحو الفوز بالانتخابات النيابية، وتحدي تيار المستقبل والحريري في “كل لبنان”، زاعما تمثيله كل “السنة الشرفاء” الذين يرفضون الانحطاط الذي أصاب مقامهم نتيجة التنازلات التي يقدمها الحريري ولا يزال لصالح حزب الله وحليفه المسيحي “التيار الوطني الحر”.

وفي الوقت الذي يكثر فيه الحديث والشائعات عن اضطراب علاقة ريفي بالسعودية، الحاضنة والراعية لسنة لبنان كما يجري وصفها في بيروت وطرابلس، يظهر ريفي ليقول “لم أزر المملكة منذ أكثر من سنة والتواصل المباشر موجود وأفخر به”.

وكانت قد سرّبت بعض التصريحات المنسوبة لريفي تعبر عن غضبه من تجاهل السعودية له ومن استمرارها في الظهور كداعم للحريري كممثل وحيد وحصري للسنة في لبنان. انتقد ريفي الدور السعودي بكلمات جارحة، وقال حسب التسريبات، إنه على استعداد للتحالف مع أي طرف مقابل إسقاط الحريري، لكنه نفى ذلك بشدة لولا تأكيدات النائب خالد ضاهر.

وكان ريفي قد أشار إلى أنّ “علاقته مع السعودية مجمّدة حاليا”، مؤكدا الاحترام بينه وبين المملكة. وأضاف “أحد الخبراء الانتخابيين الذين أثق بهم أخبرني أنّ شعبيتي مُتراجعة. وافقت معه، ولكن قلت له إنّه يوجد سببان لذلك: غياب الإمكانات المادية، والضغوط الأمنية. لقد استبدلوا صوري بصور الحريري”.

أعلن ريفي تشكيل أو دعم لوائح انتخابية في جميع الدوائر الانتخابية تقريبا، لكن استطلاعات الرأي لا تقدّم أرقاما مشجعة له، ولعل النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات قد تعيد ريفي إلى لقب “سعادة النائب” أو ربما “معالي اللواء السابق”.

8