أشرف زكي كبير العائلة الذي يواجه الغزو التركي للدراما

نقيب الممثلين المصريين أشرف زكي يقوم بتشخيص أمراض الفن المصري بعيدا عن الداء الحقيقي ويلجأ إلى اتخاذ قرارات في مسارات ترضي الممثلين.
الثلاثاء 2020/02/18
أشرف زكي يجيد لعب الدور الخدمي بشكل متميز

يعاني البعض من الرموز النقابية في مصر من معضلة الارتباط الوثيق بعلاقات مع الحكومة، ما يجعل أيديهم مكبلة أحيانا في الدفاع عن أبناء مهنتهم، فتراهم يلقون بمسؤولية تراجع المستوى على أسباب بعيدة عن الحقيقة، خشية الدخول في صدام مع جهات رسمية، ومع الوقت تتعاظم المشكلات وتدخل المهنة في منعطف خطير.

من هؤلاء أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية الذي لا يملّ من الحديث عن إصابة الدراما والسينما بأمراض مستعصية، لكنه اعتاد الابتعاد عن السبب الجوهري، وهو إصرار الحكومة على احتكار الإنتاج الدرامي والسينمائي، وعُرف بأنه النقيب الذي لم يستطع الابتعاد بعمله عن المواءمة بين الفن والسياسة والمشي على حافة كليهما.

يعد زكي بمثابة الأب الروحي للفنانين المصريين، إلا أنه وفي المقابل يخوض مهمة صعبة تتمثل في التوفيق بين الكثير من المتناقضات، لإصراره على التمسك بالدبلوماسية في مواجهة الإفراط في استخدام الفن كقوة للتخديم على أهداف معينة دون مراعاة الجودة المطلوبة.

نجوم بلا عمل

تحول بعض كبار الممثلين إلى عاطلين عن العمل لتمسك الشركات المستحوذة على جزء كبير من سوق الإنتاج، بإسناد مهمة البطولة في كثير من الأعمال الفنية والسينمائية لفئة بعينها من الفنانين الصاعدين، بذريعة الحاجة إلى صناعة جيل ثانٍ يقدم فنا عصريا.

يبدي زكي امتعاضه أحيانا من هذه الطريقة، لأنه مثقف وفنان ومسؤول في النهاية، غير أن مواقفه لم تسجل رأيا شجاعا حاسما ضد إقصاء كبار رموز المهنة، وعندما يضطر لتوجيه أصابع الاتهام إلى غياب الدولة، ممثلة في قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري، وشركة صوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي، لصالح شركات خاصة، يقوم بعدها بتصحيح المسار. لم يذكر أن الشركات الخاصة التي يتّهمها بالهيمنة على سوق الفن، تابعة للحكومة بشكل غير مباشر، وصاحبة الحق الوحيد في اختيار الأعمال والشخصيات التي تشارك فيها، وكلما سُئل عن ذلك، يرد بأنه لا يريد التعليق على هذا الملف، محافظا على شعرة معاوية.

فكرة النجم الأوحد يعتبرها زكي أحد الأسباب الرئيسية التي غيبت كثيرين من الوجوه الفنية، وصنعت شهرة أسماء بعينها، حتى أنه عندما برّر قراره بتقليص الاعتماد على الفنانين العرب واقتصار ظهورهم على عمل واحد، قال إن ذلك لمصلحة أقرانهم المصريين

اعتاد زكي تشخيص أمراض الفن المصري بعيدا عن الداء الحقيقي، ويلجأ إلى اتخاذ قرارات في مسارات ترضي الممثلين، بينها الوقوف بصرامة ضد محاولات تسلل الدخلاء إلى الأعمال الدرامية والسينمائية، والمطالبة بمحاكمتهم، ووقف تراخيص المخرجين الذين يتعاقدون معهم.

عندما حاول ترضية كبار النجوم، قرر أن يشارك الفنان في أعمال محدودة خلال الموسم، لإفساح المجال أمام غيره، كأحد المساعي للتغلب على أزمة البطالة التي تواجه زعماء المهنة التي تسيّدها جيل جديد، لكنه لم يستطع الوقوف بوجه المسيطرين على سوق الدراما والسينما.

يعرف عن زكي بأنه عدو فكرة النجم الأوحد، ويعتبر هذه الظاهرة أحد الأسباب الرئيسية التي غيبت الكثير من الوجوه الفنية، وصنعت شهرة أسماء بعينها، حتى أنه عندما برّر قراره بتقليص الاعتماد على الفنانين العرب واقتصار ظهورهم على عمل واحد، قال إن ذلك لمصلحة أقرانهم المصريين كي لا يصبحوا أغرابا في وطنهم.

بعدما أخفق في تطبيق قرار تحجيم أدوار الفنانين العرب، أعاد تسويقه مرة أخرى بغطاء وطني، والإيحاء بأنه يهدف لبقاء مصر “هوليوود الشرق”، لكنه لم يدرك أن تصديه لمحاولات تغييب النجوم المصريين أصحاب التاريخ والشهرة يفترض أن تكون معركته الأقوى، وأن التلاحم بين العرب والمصريين في الأعمال الفنية يضيف إلى الرصيد العام ولا يخصم منه.

يظل القرار الأهم الذي اتخذه زكي كنقيب للممثلين، أنه تصدى مبكرا للغزو العثماني للدراما والسينما المصرية، عندما قرر زيادة الرسوم على مشاركة ممثلين أتراك في المسلسلات والأفلام لأكثر من 15 ضعفا، لمنع تسللهم وتضييق الخناق عليهم.

جرى اتخاذ القرار على خلفيّة مشاركة ممثلين أتراك في فيلم “كازابلانكا”، وتمت زيادة الرسوم إلى عشرة آلاف دولار في حال منح الترخيص للفنان بالمشاركة في العمل، وهو ما يعني ضمنيا أن هناك نوايا رفض ظهور فنانين أتراك لحماية حقوق الممثل المصري.

ويصعب فصل قرار زكي بتضييق الخناق على الممثلين الأتراك، عن وجود رغبة لديه في تحقيق مكسب سياسي بحكم الخلاف بين مصر وتركيا. واعتاد توظيف وجوده في نقابة المهن التمثيلية للقيام بأدوار تتناغم إلى حد كبير مع السلطة، وهو يجيد قراءة المشهد السياسي.

معاقبة المعارضين

زكي يُتّهم بأنه النقيب الذي عاقب الفنانين المعارضين للحكومة بإقصائهم من المشهد، بذريعة أنهم خانوا الوطن، وكان آخرهم الممثلان عمرو واكد وخالد أبوالنجا، بعدما سلكا مسارا سياسيا مناهضا للسلطة
زكي يُتّهم بأنه النقيب الذي عاقب الفنانين المعارضين للحكومة بإقصائهم من المشهد، بذريعة أنهم خانوا الوطن، وكان آخرهم الممثلان عمرو واكد وخالد أبوالنجا، بعدما سلكا مسارا سياسيا مناهضا للسلطة

يُتهم زكي بأنه النقيب الذي عاقب الفنانين المعارضين للحكومة بإقصائهم من المشهد، بذريعة أنهم خانوا الوطن، وكان آخرهم الممثلان عمرو واكد وخالد أبوالنجا، بعدما سلكا مسارا سياسيا مناهضا للسلطة، ما عرّضه لهجوم شرس، لأنه لم يحمهما بحكم دوره النقابي، وقرر فصلهما دون إجراء تحقيقات إدارية.

شطب أكثر من 160 ممثلا وممثلة، بين معارض، ومتقاعس عن تسديد اشتراكات النقابة، وبعضهم تبين أنهم يدعمون جماعة الإخوان، ولجأ إلى استصدار قرار يشترط على شركات الإنتاج الاطلاع على بطاقة عضوية النقابة قبل التعاقد مع الفنان، ونفى أن يكون وراء الانتقام من الفنانين أهداف سياسية.

تظل مشكلة زكي مع معارضيه، أن مواقفه تتناقض أحيانا مع تصرفاته، فهو الذي يمتعض من استثمار الفنان لشهرته في التأثير على الناس بآراء بعينها، في حين يصنف على أنه من أكثر الممثلين الذين استغلوا علاقاتهم في الوسط الفني لخدمة أغراض سياسية.

يكاد زكي لا يغيب عن حضور الكثير من الفعاليات السياسية، ما عرضه لانتقادات حادة، واتهمه البعض بالانشغال بالسياسة، وعدم اتخاذ قرارات جريئة من شأنها إعادة مصر إلى ريادتها الفنية.

ما زال زكي يصنف على أنه رجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في قيادة الفن المصري، حيث نظم مسيرة حاشدة إبان ثورة 25 يناير 2011 للدفاع عنه ضد المتظاهرين المطالبين بإسقاط نظامه، وكان ذلك أحد أسباب احتجاج العشرات في جهاز السينما ضده،

حينما كان يرأسه، حتى أجبر على الاستقالة. يُحسب له أنه شخصية لا تتنازل عن مواقفها مهما تعرض للنقد، ويثبت عليها، بغض النظر عن الخسائر، حيث ما زال يرى في مبارك حاكما نزيها لا يستحق الرحيل عن الحكم. صحيح هناك كثيرون مثله في الرأي، لكنهم لا يفصحون عن ذلك علانية.

ارتبط دخوله عالم الفن، بمشاركته في الدراما التاريخية والدينية، وسطع نجمه منذ الظهور الأول عام 1982، بعد مشاركته في مسلسلين وفيلم دفعة واحدة؛ ”الإمام البخاري“، و“محمد رسول الله“، وفيلم ”عريس لفاطمة“، وبعدها كان وجوده في المسلسلات والأفلام لا غنى عنه، وشارك في نحو 150 عملا دراميا وسينمائيا.

زكي لا يملّ من الحديث عن إصابة الدراما والسينما بأمراض مستعصية، مبتعداً عن السبب الجوهري لهذه الظاهرة، وهو إصرار الحكومة على احتكار الإنتاج في القطاعين

لم يكتف بالأدوار الفنية، ودخل عالم التأليف والإخراج بين التليفزيون والسينما والمسرح، وتمسك طوال مسيرته بأن يكون ممثلا، ومديرا للفن في آن واحد، بحكم سعيه لأن يكون ذلك الفنان الشامل الذي يجمع كل الخبرات في مجاله، ولا يترك شيئا يرتبط بالفن إلا ويكون له بصمة فيه، بحيث يحقق معادلة صعبة.

ما يثير التعجّب، أن زكي عندما يشارك في أعمال فنية، يظهر وكأنه ضيف شرف، ويمكن بسهولة استكشاف ذلك في الأدوار التي يقدمها، فتراه في مشاهد قليلة للغاية، ما يُفهم أحيانا أنه محاولة من بعض المنتجين لمجاملته كنقيب للممثلين، وليس بحكم خبراته أو تاريخه المهني وقدرته على الإضافة للعمل.

يتعرض دوما للسؤال حول استغلاله وأعضاء مجلس النقابة لموقعهم من المشاركة في أكثر الأعمال الدرامية والسينمائية، لكنه يرد دائما بأن السوق عرض وطلب وليس معنى أن الأعضاء يؤدون دورا خدميا وإداريا يتم حرمانهم من حقهم الأصيل كممثلين.

ما يعزز فرضية ظهوره كمجاملة في بعض الأعمال الفنية، أن مشاركته في مسلسل “الأخ الكبير” الذي يُذاع على فضائية “سي.بي.سي”، تبدو هامشية، حيث يكاد يكون غائبا في كل الحلقات، وإن ظهر يتحدث بضع كلمات ويختفي. وهو يتعمد في أغلب مشاركاته الفنية اختيار أدوار سهلة وبسيطة. ومشكلة هذه النوعية من الأعمال، أنها لا تترك أثرا عند الجمهور، فهو لا يشتبك مع الأحداث بشكل يجعل المشاهد يترقب ظهوره في كل المشاهد، والحاصل أن كثيرين لا يشعرون بغيابه أو حتى حضوره من شدة قناعتهم بأن الدور هامشي.

بغض النظر عن هامشية أدواره أو ظهوره كبطل في مرات قليلة، لا يحتاج زكي للتفتيش في تاريخه الفني، لاكتشاف أنه شخص يعادي الابتذال والانحلال الأخلاقي والمشاهد المثيرة، لأنه يرفض الفن الذي يتنافى مع طقوس وعادات وتقاليد المجتمع، ويعتبر أن أي عمل درامي أو سينمائي يخالف ذلك يستوجب الوقوف ضده بشتى السبل.

فن الصراعات

مواقفه لا تسجل رأيا شجاعا حاسما ضد إقصاء كبار رموز المهنة، وعندما يضطر لتوجيه أصابع الاتهام إلى غياب الدولة، ممثلة في قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري، وشركة صوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي، لصالح شركات خاصة، يسارع إلى التراجع عن ذلك
مواقفه لا تسجل رأيا شجاعا حاسما ضد إقصاء كبار رموز المهنة، وعندما يضطر لتوجيه أصابع الاتهام إلى غياب الدولة، ممثلة في قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري، وشركة صوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي، لصالح شركات خاصة، يسارع إلى التراجع عن ذلك

يصعب فصل أدوار زكي الفنية عن طبيعته الشخصية التي ترفض الاشتباك والحدة والصرامة، فهو إنسان هادئ الطباع، ولا يجيد فن إدارة الصراعات، وينسحب من الجولة الأولى، فهو الذي استقال من منصبه كنقيب للمهن التمثيلية مرتين، لتعرضه لضغوط الفنانين العاطلين، وشعوره بأن لا أحد يقدر إنجازاته. فهو يبدو كشخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه بطريقة تقنع الوسط الفني بأنه على صواب، وما زالت زوجته الفنانة روجينا نقطة ضعفه التي يستخدمها معارضوه كسلاح ضده، بعدما أخفق في تبرئة نفسه من تهمة فرضها على المنتجين للمشاركة في أعمال فنية كثيرة تبدو غير مناسبة لشخصيتها.

يبرهن معارضوه على توظيفه لمنصبه كنقيب للممثلين في فرض نفسه وزوجته على المنتجين، فقبل أربعة أعوام ظهرت شكاوى كثيرة ضد الفنان الشاب محمد رمضان أثناء تصوير مسلسل الأسطورة لتعاقده مع أكثر من جهة إنتاجية بالمخالفة لقانون النقابة، وتمت تسوية الأمر دون تحقيق، لمشاركة روجينا في أحداث المسلسل كبطلة، كما شاركت أيضا في مسرحية أهلا رمضان مع الفنان نفسه.

 في المقابل، نجح زكي في إدارة علاقة الفنانين مع الجمهور بشكل محترف، ما يعكس أنه يجيد العمل الاجتماعي، فهو لا يترك أزمة إلا وعالجها سريعا قبل تفاقمها، وربما يكون من المسؤولين القلائل الذين يقدّرون خطورة الشائعة.

ربما يكون ذلك نتاج تجارب كثيرة مر بها، وصعد السلم الإداري بخطوات ثابتة، حيث بدأ حياته العملية كأستاذ مساعد بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ثم عميدا للمعهد، ورئيسا للبيت الفني للمسرح، وبعدها ترأس قطاع شؤون الإنتاج الثقافي، وشغل منصب رئيس اتـحـاد الفنانين العـرب، وحصل على عضوية مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، قبل أن يترأس البيت الفني للمســرح، وبعده قيادة قطاع شؤون الإنتاج الثقافي، قبل أن يصبح نقيبا للممثلين للمرة الأولى عام 2003.

ارتبط اسمه بأحزان أهل الفن، أكثر من ارتباطه بانتشال الفن من أزماته، فهو الذي يتصدر المشهد إذا تعرض ممثل، أو ممثلة، لوعكة صحية أو فارق الحياة، حيث يكون أول المشاركين في علاجه، أو تسهيل إجراءات دفنه، ما جعله يوصف بين أهل الوسط والجمهور بأنه “كبير العائلة الفنية”.

استطاع من خلال مواقفه الإنسانية أن يحظى بتقدير ومحبة أغلب الفنانين، لذلك نجح في الانتخابات الأخيرة في مارس الماضي في أن يفوز بمنصب نقيب المهن التمثيلية بالتزكية لأول مرة في تاريخ النقابة. فهو يجيد لعب الدور الخدمي بشكل متميز.

ربما لم يدرك أشرف زكي بعد، أن الأدوار الخدمية والإنسانية وحدها ليست كافية لاستمرار بقائه كنقيب للممثلين المصريين، وأن انتشال الفن من أزماته وإعادته إلى سابق عهده كقوة ثقافية، يحتاج إلى التخلي عن المواءمات القاسية بين الفن والسياسة.

13