أشرف منصور: احتكار رجال الدين للنص القرآني يفاقم التطرف

الباحث المصري أشرف منصور يدعو إلى إصلاح أحوال المسلمين بتحريرهم من رجال الدين أولا.
الجمعة 2018/07/06
الاحتكام إلى العقل ضرورة للانتصار على الإرهاب

القاهرة  – مع تمدد الفكر السلفي وغلبة التوجهات الدينية على بعض المجتمعات العربية، الظاهرة التي غزت العالم العربي الإسلامي منذ اندلاع ثورات ما يسمى بالربيع العربي، تراجعت قيم إنسانية كالتسامح وتقبل الآخر وحل العنف محل الحوار، إذ لم تنجح محاولات النخب المثقفة العربية في التوعية بضرورة الاحتكام إلى العقل قبل الانصياع وراء موجة التطرف للحفاظ على إنسان مبدع منفتح مواكب للتطور، حيث لم يسلم هؤلاء من كيد المتعصبين، خاصة الفلاسفة منهم، الذين تلاحقهم تهم التكفير كلما سعوا إلى إنارة الرأي بسوء توظيف المتطرفين للمقدس وتشويههم لقيم الإسلام المعتدلة.

وأشرف منصور، باحث مصري، من بين المفكرين الذين تعرضوا إلى هجوم من قبل التيارات السلفية في الآونة الأخيرة، عندما أكد أن الخلافة لا وجود لها في الإسلام، والقرآن كتاب ديني لا علاقة له بالسياسة، وأن المؤسسة الدينية اخترعت وهم الخلافة وفق إطار تاريخي بعينه، لا يجوز تعميمه أو اعتباره أصلا من أصول الدين الإسلامي.

واعتبر منصور أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية في حواره مع “العرب”، أن “المشهد الفكري والاجتماعي والسياسي متؤثر بتغلغل التيارات السلفية في بُنى المجتمعات، إذ نجحت ولو بصفة جزئية في إلغاء الاحتكام إلى لغة المنطق والحوار”.

ويرجع منصور سيادة التطرف واتساعه إلى تشوه التكوين التاريخي لبنية المجتمعات العربية، نتيجة خضوع المنطقة طويلا للاحتلال العثماني ثم الاحتلال الغربي، والهيمنة الأميركية بصورها المختلفة على المنطقة.

 

لم يقبل التيار الديني على مدى التاريخ العربي صوت الفلاسفة وحكمتهم. وتكشف مواصلة التهجم على رجال الفلسفة، في الواقع الراهن اليوم، توجس المؤسسات الدينية ورجال دين من صوت الحكمة والحجج العقلية لمواجهة زيف ما يدعون إليه وزيف ادعاءات التنظيمات المتطرفة كمفهوم دولة الخلافة، كما يكشف تواصل انتقاد الفلاسفة عمق التراجع الثقافي للمجتمع العربي الذي مازال لا يقبل الرأي الآخر. ويعتقد أشرف منصور أستاذ الفلسفة المصري والخبير في شؤون الإسلام السياسي، في حوار مع “العرب” أن الحل للنهوض بالعالم العربي ومواكبة تطور الحضارات يكمن في الركون إلى الفكر الفلسفي التنويري لبناء مجتمع تعددي يقبل الاختلاف من جهة، ولتقويض الفكر السلفي المتشدد والتخلص من ثقافة التكفير من جهة أخرى

وبيّن أن بقاء البنية التقليدية للمجتمع العربي على ما هي عليه، من طائفية وذكورية، وعدم إجراء إصلاح ديني أو حركة تنوير أو حركة علمنة، يؤدي إلى تحالف كل الرجعيات مع بعضها، بدءا من الرجعية الاجتماعية والرجعية الدينية وحتى الرجعية السياسية، ليؤول المشهد الراهن إلى حالة جمود فكري وتعصب ديني.

وأشرف منصور من أبرز أساتذة الفلسفة في العالم العربي. درس الفلسفة في كلية الآداب بالإسكندرية ثُم عمل في التدريس بالجامعة المصرية، وقدم بحوثا معرفية وفلسفية مثيرة للجدل. وتخصص في النظرية النقدية والمثالية الألمانية والفينومينولوجيا، وله كتابات عديدة في الإسلام السياسي والنظرية السياسية والاقتصاد السياسي وسوسيولوجيا الأديان. من أبرز مؤلفاته، كتاب “العقل والوحي: منهج التأويل بين ابن رشد وموسى بن ميمون وسبينوزا”، وكتاب “سبينوزا ونقد العقل الخالص” فضلا عن كتابه الموسوعي عن “الليبرالية الجديدة”.

ويعتقد أشرف منصور أنه “لا بديل عن إحياء الفلسفة الإسلامية والفكر المتحضر لمواجهة تصاعد التشدد وزيادة مؤيدي الجماعات المتطرفة الذين يبثون أفكارا زائفة وينسبونها للدين مثل فكرة الخلافة الإسلامية، حيث كانت من الأسباب الرئيسية لتفشي التطرف”. ويضيف “كل مؤسسة دينية تعمل على تشويه صورة الدين، لا في الإسلام فقط بل في اليهودية والمسيحية كذلك، لكن الدين في حد ذاته لا يعترف بالمؤسسة الدينية، فهو علاقة شخصية جدا بين الإنسان والله، علاقة داخلية محلها الضمير والوعي الذاتي”.

ويشرح وجهة نظره قائلا “يخاطب كل دين الفرد والوعي والضمير الفردي، ثم يتحول بفعل الدعم المجتمعي ويتوسع ليأخذ شكل مؤسسة دينية، تسيطر على الناس باسم الله.. ثم تتحول هذه المؤسسة إلى حارس للدين وقيِّم عليه ورقيب على الناس، وتكتسب زخما وسلطة مع تحالفها مع السلطة السياسية، ثم تتطور إلى شرطة دينية هدفها مراقبة النوايا والضمائر من أجل المحاكمة والاضطهاد والتنكيل لخصومهم”.

هيمنة المؤسسة الدينية

يهاجم التيار السلفي كل من يروج لفكرة أن الإسلام لا يقر بفكرة المؤسسة الدينية، وأن القرآن ليس حكرا على مؤسسات دينية بعينها كالأزهر أو حكرا على رجال الدين كي يفسروه، أو أن يكونوا حراسا عليه. بينما يشير دعاة التنوير إلى أن الوحي لم ينزل على الفقهاء الأربعة كي يصنعوا من الدين قيودا وحدودا وسجنا للإنسان، بل نزل منجما كي يكون منتشرا بين الناس وملكا لهم جميعا.

 ويدعو منصور إلى ضرورة الإصلاح الديني الذي يعتمد على تحرير الدين من سلطة المؤسسة الدينية، ويقول “كي يتم إصلاح أحوال المسلمين حاليا يجب تحريرهم من رجال الدين أولا”.

وسبق أن خاض مفكرون وفلاسفة عرب صراعات عنيفة مع التيارات الدينية بسبب رفض تلك التيارات التفاعل معهم ورفع سلاح التخوين والتكفير تجاههم. وكان أحد أبرز هؤلاء المفكر المصري فرج فودة الذي دخل في مناظرات فكرية مع قادة الفكر الديني، حتى وصل بهم الأمر إلى تكفيره، واستغل بعض المتطرفين ذلك وأطلقوا عليه الرصاص في يونيو سنة 1992 ليردوه شهيدا للحوار والتفكير.

أشرف منصور: الساحة الثقافية العربية مليئة بالمشاريع الفكرية الأصيلة والرائدة، لكنها سجينة المعاقل الأكاديمية والفكرية، وهي بحاجة لمن يُبسطها للناس وينقلها إلى القاعدة العريضة من المجتمع.
أشرف منصور: الساحة الثقافية العربية مليئة بالمشاريع الفكرية الأصيلة والرائدة، لكنها سجينة المعاقل الأكاديمية والفكرية، وهي بحاجة لمن يُبسطها للناس وينقلها إلى القاعدة العريضة من المجتمع.

ويعد التكفير آفة الخطاب الديني فهو سلاحهم ضد كل من يحاججهم بالعقل، ويكشف مدى توجس القوى الرجعية من قوى التنوير والعلمانية. وحسب منصور فإن أول خطوة ضرورية لإصلاح الدين هي تجريم التكفير، حتى لا يتواصل التنكيل بالمفكرين والمبدعين وألا يكون مقدمة لاغتيالات أو تعرضهم للسجن.

وأوضح أن التكفير يتضمن حكما بالقتل ويقول “يكفي أن يصدر أحدهم فتوى بتكفير شخص ما حتى يتطوع أحدهم لتنفيذ العقوبة ويمتثل إلى القرار بحجة التقوى والدفاع عن الدين”.  وتهمة التكفير، تهمة لاحقت الفلاسفة طوال فترات الحضارة الإسلامية، ومن بين أشهر تلك المعارك الفلسفية التي انتهت بحملات قتل وسجن وتعذيب بعد تكفير المختلفين في الرأي، كانت محنة خلق القرآن في عهد الخليفة المأمون عام 830 م.

كما دارت معارك فكرية كبرى حول آلية تكفير البشر طبقا للبعد الاجتماعي، وأبرزها الجدال الشهير بين الإمام أبوحامد الغزالي بكتابه الشهير “تهافت الفلاسفة” والفيلسوف الأندلسي ابن رشد الذي رد عليه بكتابه “تهافت التهافت”.

وفي الكتابين دارت الكثير من الأحكام حول ضرورة تهذيب من يطلق أحكاما بالكفر عند الخلاف في قضية دينية اجتماعية تحتمل التأويل. ورغم مرور عقود طويلة على تلك الصراعات الفكرية الثرية، لم ينجح المسلمون والعرب في تجاوز الخلافات الفكرية بانتهاج ثقافة احترام الآخر وتقبل الفكر المخالف، بل عادوا واستخدموا السلاح ذاته، وكل من يخالفهم في الرأي هو “كافر”.

ويبيّن منصور أنه “عند غياب ثقافة الاختلاف والحوار تسود، تبعا لذلك، الفوضى ومنح رخصة القتل كفعل إيماني إخلاصا للدين في أذهان المتعصبين”. لذلك يعتقد أن تجريم التكفير غير كاف، بل يجب التغلب على العقلية السلفية الحالية، ويشبه منصور العقل السلفي بأنه صندوق مغلق على نفسه، مليء بنصوص تراثية يقدسها، وأن “مواجهته تتطلب تفكيك هذه النصوص للتحرر منها”.

التنوير هو الحل

“الصمت موت، إن التزمت الصمت ستموت، وإن تكلمت ستموت، إذن تكلم ومت”، هكذا هتف الروائي والشاعر الجزائري الطاهر جاووت قبل أشهر من اغتياله، أثناء سيره في أحد شوارع حي باينام بالعاصمة الجزائرية واقترب منه بائع متجول يعرفه تماما وأخرج مسدسه وأطلق الرصاص على رأسه. وكان جاووت يؤمن بسحر الكلمة وقدرتها على اختراق حاجز الجهل والضلال، ودفع عن طيب خاطر ثمن بوحه.

ويستحضر منصور ذات المعنى لكن بأسلوب مغاير، إذ يرى أن الكلمة ضرورة حياتية لمواجهة التعصب الأعمى والإرهاب الدموي. ويشدد على أن الفكر والتنوير هما الحل، لا بالمطاردات الأمنية والحصار الاقتصادي، وأردف قائلا “إننا نحتاج إلى العلمانية الثقافية لمواجهة مد السلفية”.

ويقول أستاذ الفلسفة “أعي جيدا أن العلمانية يجب أن تكون مستندة على حركة علمنة اجتماعية وسياسية، كما حدث في أوروبا، بحيث تكون العلمانية الفكرية تتويجا لها، لكن بما أن التحديث فشل، ونظرا لضياع الفرصة التاريخية التي كانت متاحة أمام العرب للخروج من ميراث التخلف، ونظرا لغياب الأساس المادي، الاجتماعي والاقتصادي للعلمانية، فلا يبقى أمامنا سوى العلمنة الفكرية الثقافية”.

ويضيف “صحيح أن التغيير في الأساس المادي للواقع بداية لكل تغيير آخر، إلا أن الضرورة تحتم علينا اللجوء إلى العلمنة الفكرية، فالفكر يتصف بشيء من الاستقلال النسبي عن القاعدة المادية”، مشيرا إلى “أهمية ثقافة التعايش مع الآخر والانفتاح”، لافتا إلى أن نظرية صدام الحضارات في اعتقاده محض وهم زائف. ويشرح ذلك بقوله “الحضارات حاليا لا تتصادم بل تتنافس، وكل حضارة تحاول تقديم حلول مبتكرة للأزمات الاجتماعية والإنسانية الحالية التي تواجه البشرية. المشكلة أن حضارتنا لم يعد لديها ما تقدمه للبشرية، صارت مغلقة على ذاتها.. الحل هو محاولة الإسهام في الحضارة العالمية حاليا، بلغة ومفردات هذه الحضارة”.

وحول دور الحكومات العربية في مواجهة التعصب والتطرف، يرى منصور أن “بنية المجتمع العربي تفرز الدكتاتورية، وأن التسلط السياسي تتويج لهذه البنية، والثقافة الدينية السلفية المتشددة جزء منها. والتحالف بين الطرفين قائم لذا لا يمكن لهذه الأنظمة أن تدعم التنوير أو تؤيده، لأنها تجامل التيارات الدينية وتتحالف معها سرا”.

العقل السلفي صندوق مغلق على نفسه، مليء بنصوص تراثية يقدسها، ومواجهته تتطلب تفكيك هذه النصوص والتحرر منها

هذا الوضع القاتم للعالم العربي لا يجب أن يبعث فينا التشاؤم والاستسلام حسب منصور، بل يتطلب ممارسة الضغط على الأنظمة، ودفعها دفعا نحو التنوير، بالإصرار على تجديد التراث الذي يوظفه السلفيون لشرعنة أفكارهم.

وتمددت خارطة السلفية بمباغضها في المجتمع العربي، وصار العقل العربي موصولا بالماضي أكثر من الحاضر من خلال الارتكان إلى كتب التراث القديم التي لا تتماشى والعصر الحالي.

ويفسر منصور رأيه في تجديد التراث وتنقيته، قائلا “التراث يحتوي على الكثير مما نستطيع إحياءه بهدف التنوير ونشر التسامح والتعددية، والمثال على ذلك مدارس فكر المعتزلة والفلاسفة العظماء، إضافة إلى التراث الصوفي”. ويضيف “في استعانتنا التراث، يجب أن نكون انتقائيين من أجل تحقيق أهدافنا”، وأردف “أعتقد أن الذي نحتاجه اليوم.. هو بناء إنسان جديد، وعقل جديد متحرر وأخلاق جديدة مؤسسة على الحس الإنساني، لا أخلاق الأوامر والنواهي، فكل ما يفيد استقلال الذات فكرا وأخلاقا من تراثنا يستوجب الالتجاء إليه”.

 وقدم منصور أمثلة يراها جديرة بالاقتباس وهي “الأخلاقيات العقلية لدى مسكويه، والتوحيدي والفارابي، وأخلاقيات الجدل والحوار العقلي لدى المعتزلة، وأخلاقيات بناء الذات المستقلة عند ابن باجة وابن طفيل”.

مخاطبة العامة

تعتقد الأوساط الثقافية أن أكبر أزمات التنوير هي كيفية وصول أفكارها إلى العامة ومدى القدرة على تبسيط المدارس العقلانية بشكل يجعلها أكثر سهولة للمتلقي العربي. ويشير منصور إلى أن العامة “يصعب عليهم استيعاب الفكر الفلسفي التنويري، لأنه بات تحت سيطرة كاملة من التيارات الدينية”.

ويرى أن الطريقة الوحيدة المناسبة لتوعية العامة هي نشر مبادئ ثقافية عقلانية بسيطة، تكون بمثابة مقدمة لمن أراد منهم التعمق في قراءة أعمال أكثر تخصصا، ويقول “لدينا حاليا قمم فكرية تعيش بيننا، لا تقل عن الفارابي وابن رشد وابن خلدون من فلاسفة الإسلام العظام، والساحة الثقافية العربية مليئة بالمشاريع الفكرية الأصيلة والرائدة، لكنها سجينة المعاقل الأكاديمية والفكرية، وهي بحاجة لمن يُبسطها للناس وينقلها إلى القاعدة العريضة من المجتمع”.

وتطرق أشرف منصور في ختام حواره مع “العرب” إلى مستقبل التيارات الدينية في الدول العربية، ولا يتوقع منصور تراجعها بل يتنبأ بتعاظم نفوذها، ومرد ذلك حسب أستاذ الفلسفة أن الأنظمة الحاكمة لا تبدي جدية في مواجهة التطرف، أمام تكرارها لأخطاء تسهم في هذه الظاهرة وهو تقليص مساحة الحريات والديمقراطية، وسوء إدارتها للأزمة الاقتصادية التي قادت إلى تآكل الطبقة الوسطى، وتعمقت بذلك الفروق بين المواطنين.

ويضيف “هذا الواقع كفيل بعودة التيارات المتطرفة، ولا سبيل  لتحررنا من الإرهاب سوى بالتنوير والعلمنة”.

12