أشعار جعفر بن علبة الحارثي للمرة الأولى في ديوان

يعد الشاعر جعفر بن عبلة الحارثي من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ورغم أنه شاعر مقل إلا أنه تمكن من نظم قصائد ظلت شواهد فنية مائزة على مر القرون. لكن لم ينل الشاعر حظه ولم يقع جمع أشعاره وتناولها بالدرس والتحقيق.
الثلاثاء 2016/07/05
شواهد فنية على مر القرون

جمع الباحث عباس هاني الجراخ وحقق ودرس لأول مرة في كتابه “جَعفر بن عُلْبَةَ الحَارِثِي.. سِيرَتُهُ وما تبقى مِن شِعرِهِ” أعمال الشاعر جعفر بن علبة الحارثي الذي ينتسب إِلى قبيلة “بني الحارث بن كعب”، حيث تتبع أخباره وشعره من مصادر متفرقة مطبوعة ومخطوطة، وضمها إلى بعضها ودرسها ليكون هذا الكتاب الذي جاء في مبحثين رئيسيين، أولهما: سيرته، وحديث مهم عن مقتله، وموضوعات شعره، ودراسة فنيَّة عنه، وثانيهما: شعره المجموع على الرواية الثانية، محققا، ومخرجا على جملة وافرة من المصادر، مع شرح للمفردات، وذكر للروايات المختلفة.

في دراسته لشعر الحارثي يؤكد عباس الجراخ في كتابه، الصادر ضمن سلسلة تراثيات دار أروقة بالاشتراك مع نادي نجران الأدبي، أن الشاعر حافظ في ألفاظه ومعانيه على الأنماط القديمة، ولم يخرج في أغراضه الشعرية على ما طرقه معاصروه أو سابقوه، وقد برز هنا غرضان رئيسيان هما: الحماسة والغزل، في طاقة شعرية متدفقة، تحققت فيها عناصر الإبداع الفني، وتعددت أفانين القول، وتوسعت معانيه.

ولأن الحياة في الصحراء – التي عاشَ فيها الشاعر – تقوم على الحركة أساسا، ولما كان الشعر الذي وصل إِلينا – في معظَمه – يدور حول الحماسة والحرب، لذا فلا عجب أن نجد أنماطا من التعبيرات التي شاعت في عَصره وبيئته في نجران.

ويشير الجراخ إلى علاقة الشاعر بالدهر، التي تمثل علاقَة الأقوى بالأضعف، كما يحتل المكان أهمية كبرى عند الشاعر، حتى أنه صار كيانه، ونراه يذكر أمكنة كثيرة في أشعارِهِ مثل: قرى، وسحبل، ومكة، وخدوراء، وغيرها.

ويؤكد الباحث أن صور الشاعر مُستمدَّة من بيئته على أساس من التشبيه والاستعارة والكنايةِ. كما نلاحظ حضور أسلوب التكرار، وخاصة التكرار الإيقاعي، إذْ تتماثل قوالب الأداء في مختلف القصائد. ومن ناحية أخرى تجسد ثيمة الموت محورا لعدد من القصائد نستشف من خلالها رؤية الشاعر إلى الحياة وإلى الوجود، وتأتي صورة الموت عند الشاعر مقترنة بصورة الحرب، ولكن إدراكه لحتمية الموت دفعه إلى الجرأة عليهِ يقول:

فلا تحسبِيْ أنِّي تَخَشَّعتُ بَعدَكُمْ

لِشَيْءٍ، ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أَفرقُ

وهنا يمكننا أن نتبيّن النفس الفخري الذي امتاز به الشاعر.

ومن حيث البحور كان البحر الطويل هو السائد على قصائد الحارثي فيما وصل إلينا من شعره، لأنه يتسم بكثرة المقاطع الطوال، مع قدرته على احتواء طاقة الانفعال العاطفي المندفعة من أعماق الشاعر، وإذا علمنا أن “ما يقرب من ثلث الشعر العربي القديم من هذا الوزن” أدركنا سبب شيوع هذا البحر عنده.

والشاعر علاوة على هذا كتب قصائد متينة من جهة، وجزلة الأسلوب من جهة أخرى، فضلا عمّا في شخصيته من الإباء والشمم وعزة النفس وعنفوانها، وصدق المشاعر وتدفقها.

وحول اللغة الشعرية للحارثي يرى الجراخ أن الشاعر عاش في الصحراء القاسية، يتعسف مجهولها، ويأنس بحيواناتها، ويعرف شعابها ورمالها، فكانتْ لغته – نتيجة لذلك – قريبة من نمط الجاهلية نتاج تلك البيئة، بخلاف مَنْ عاشوا حياة المدن، واتسمت بقوة التعبير وجزالة اللفظ وبراعة الوصف، وكانت أبياته مشحونة بالغريب والوحشي من الألفاظ، لذا فلا نعجب أن يكون ضمن اهتمام اللغويين، ينهلون منها ويعلون.

وإضافة إلى ألفاظ السجن التي ترددت في شعره، تبرز ألفاظ أخرى ذات الإيقاع الحربي مثل: العدو، الموت النازل، القتلى، الصرعى، مراق دم، دماء، الغماء، فضلا عن مرادفات السيف: الحسام، الأبيض، المشرفي. وهو بذلك يحاول تكوين صورة صوتية لتلك البيئة التي عاشها، وتنقل بين فيافيها.

ويؤكد الجراخ اهتمام اللغويين والشراح بشعر جعفر الحارثي، فاستشهدوا به، وشرحوا ما رأوا أنه يناسب مصنفاتهم.

15