أشفقوا على الآباء

الخميس 2016/01/07

يسود الاعتقاد داخل عائلات كثيرة أن مهمة الأب الوحيدة والرئيسية والأساسية هي توفير مصاريف الأبناء وتكاليف حياتهم ودراستهم، واحتياجاتهم على اختلاف أنواعها، وأن هذا ما خلق له ولأجله.

تجد الأب يلهث ليلا نهارا بلا توقف، خلف ما يضمن له دخلا يوفي كل هذه المصاريف. تزداد احتياجات الأبناء فيزداد لهاث الأب. وشيئا فشيئا يتحول إلى آلة طاحنة، تدور بلا توقف، وتلتهم نفسها ومن حولها.

الآباء أنفسهم، ومع الأيام يقتنعون هذا هو دورهم في الحياة، فيقيمون رؤيتهم لذواتهم على أساسه. من وفر المال الكافي لأبنائه حظي باحترام الناس واحترام نفسه، ومن لم يفعل فهو فاشل.

لكن، متى كان المال كافيا؟ ومتى كانت احتياجات الأبناء مقتصرة على المال؟

حشر الآباء في هذا الدور الممل، الشاق، الجاف، يقتلهم مع الوقت وينفيهم خارج دائرة الحياة.

الآباء بشر أيضا لهم مواهبهم، واحتياجاتهم النفسية، وأوقات فراغ، ومتع، واهتمامات فكرية، وصداقات. ولهم قبل كل ذلك أرواح لا يجب أن نقتلها، وهم أهش من أن نحولهم إلى آلات، لأننا باختصار سنخسرهم ساعتها، فالأبوة أكثر بكثير من مجرد توفير احتياجات الأبناء المادية.

توفير المال، شيء مهم بالتأكيد، لكن لا يجب أن يكون الشغل الشاغل للأب وحده، فينفى بموجبه إلى غابة موحشة على أطراف الحياة، حيث القسوة والتطاحن والصراع دائمة، لينعم باقي أفراد الأسرة بضفة آمنة. الأجدر أن يتشارك الجميع في هذه المهمة فتخف على الكل، ولا تلتهم وقت وروح وحياة أحد على حساب آخرين.

أعرف آباء كانت لهم مواهب جميلة، كالرسم والشعر، والفن، ومع الوقت وكثرة المشاغل وفي ظل السباق اللاهث نحو توفير احتياجات الأبناء التي لا تنتهي تخلوا عن مواهبهم وانشغالاتهم، ونسوا أنهم بشر. يحدث هذا شيئا فشيئا ومن دون حتى أن ننتبه له. الغريب أن بعض الأسر الحديثة تحافظ على هذه التركيبة التقليدية رغم أن وضعها الاقتصادي مختلف، فتجد الأمهات وإن كن عاملات، يدخرن أموالهن، في حين يتكفل الأب وحده بمهمة الصرف على الأسرة، وتجد المرأة تتباهى بأن زوجها لا يعرف قيمة دخلها، والزوج، يفاخر بأنه لم يلمس في حياته سنتا واحدا مما تجنيه زوجته من شغلها.

شيء ما في ثقافتنا العربية، لعل مصدره الدين الإسلامي، الذي جعل “الرجال قوامون على النساء”، ورعاة وأربابا لأسرهم، يمنع الرجل من “مد يده” لأموال شريكته. لكن الوقت تغير، والوعي أيضا تغير، وجميعنا بات يفهم اليوم أن الأسرة المتوازنة هي التي تتساوى فيها الحظوظ وتتقارب فيها المهام.

نفقد الكثير بتحويل آبائنا إلى آلات إنتاج، ومحاصرتهم وعزلهم في هذا الدور، نفقد الأب الذي يجلس ليستمع إلى مشاغلنا، الذي يشارك في التربية ورعاية الأبناء النفسية، الذي يخرج معنا في نزهة أو يمارس معنا رياضة ما، الأب الفنان، أو الرياضي، أو المثقف أو الشاعر، الذي يجد الوقت لنفسه وهواياته التي تريحه قليلا، وتبعد عنه الضغط والتوتر، ونفقد الأب الذي تشف روحه فيرتبط بأبنائه بعلاقة إنسانية، أكثر منها علاقة استنزاف مستمر. فيقدرون ضعفه، ووهنه، وقسوة العالم الذي يتحرك فيه، فلا يغالون في مطالبهم ولا يسرفون في مص دمه.

كلنا يعرف أن المطالب والاحتياجات المادية لا تنتهي، لكن هناك احتياجات أخرى أهم وأبقى للأسرة كلها، أولها الحاجة إلى تلك الروح الأبوية العالية، التي يجب أن نتعلم منها الكثير لندخل معترك الحياة، فإذا عزلناها أو قتلناها فقدنا معلمنا الأول، وضللنا الطريق.

21