"أشنار" رواية البحث عن الحقيقة بين بيبلوس وبابل

الخميس 2014/06/26
مغامرة للبحث عن الحقيقة بمعناها المجرد

دمشق - “الفارس المنتظر ما كان ليكون شجاعا وطاهرا بل ليكون وديعا” هكذا تنتهي رحلة الأمير الفينيقي “أشنار”، الذي خرج من مملكة بيبلوس باحثا عن “الحقيقة المطلقة”؛ في عمله الروائي الأول بعنوان “أشنار”، الصادر عن “هاشيت أنطواننوفل” (2014)، يقدم الروائي اللبناني هنري صفير مغامرة للبحث عن الحقيقة بمعناها المجرد تتخللها العقبات والصعوبات في سبيل إطفاء جذوة القلق المشتعلة في رأس الأمير الشاب.

يتسلل “أشنار”، في بداية الرحلة، ليلا خارج مدينة بيبلوس مع صديقه “كالوبي” وشيخ جليل، ليبدأ رحلته تجاه الألعاب الأولمبية في اليونان حيث تنسج الأساطير وتُنهل الحكم، حالما بالمشاركة فيها وتحقيق النصر، تاركا وراءه أباه الملك وأمه الملكة.


أوجه الحقيقة


يصل أشنار إلى الأولمبياد ويشارك فيها مستمعا إلى قصص الأبطال ومغامراتهم، إلا أن صديقه “كالوبي” يمنع من المشاركة، يضحي “أشنار” بعد الأولمبياد بالانتساب إلى مصاف الأبطال، بعدها يلتقي بأفلاطون ويذهب إلى “الأكاديمية” لينال العلوم الفكرية وفنون الفلسفة والمنطق. ثم يعود إلى بيبلوس عند والديه ليذهب إلى معبد أدونيس نزولا عند رغبتهما، هناك في المعبد حيث الجميلات؛ يقع في حب “ميسا”، أجمل العذراوات وأكثرهن قدرة على ممارسة فنون الغواية وإشباع التوق والشبق، رغم كل الملذات التي نالها يعود قلقه تجاه الحقيقة ليتجه إلى “هيكل الحقيقة المطلقة” مرورا بمدينة بابل لينتهي به الأمر عند الهيكل وسادنه الملك وزوجته.

تحاول الرواية أن تقدم صورا متعددة للحقيقة كل منها يكشف جانبا جديدا، ففي البداية يرى “أشنار” أن الحقيقة تكمن في الألعاب الأولمبية والانتساب إلى مصاف الأبطال، بعدها وإثر إقامته في الأكاديمية يرى أن سلطة العقل وغلبته ومعرفة قوانين الحكمة والمنطق هي السبيل إلى الحقيقة التي يتوق إليها، إذ كان لمعلمه أفلاطون الأثر الكبير في مسيرته، مع ذلك نراه لا يكتفي بما تعلم من مقولات الفلاسفة اليونان وعلمهم، أما في معبد أدونيس حيث الشبق والجسد يصل إلى لذاته القصوى، نرى “أشنار” يقع في الحب، يغشى عقله وينغمس في الملذات مع حبيبته “ميسا” التي وعدها بالزواج، هنا الحقيقة تبدو في التمتع بالجسد وقدراته على جلب المتعة والاستجابة لملذاته بعكس ما تعلّم في الأكاديمية.

إثر إقامته بالأكاديمية يرى أشنار أن سلطة العقل ومعرفة قوانين الحكمة والمنطق هما السبيل إلى الحقيقة التي يتوق إليها


غوايات المدينة


يقرر مغادرة معبد أدونيس والتوجه إلى هيكل الحقيقة، قبل ذلك يمر ببابل وينجو من غوايات المدينة، ويلتقي في الصحراء شيخا عجوزا يخبره أن الحقيقة في التقشف والزهد وترك الحياة وملذاتها وعلومها إلا أن “أشنار” يرفض كلامه ويتابع مسيرته تجاه الحقيقة ليصل إلى هيكلها وتكون المفاجأة هناك.

عند وصوله إلى هيكل الحقيقة يتغير كل شيء لدى “أشنار”، فنراه ينجذب للملكة الجميلة ويفاجأ بزوجها الهرم الذي يكتشف لاحقا أن الحقيقة أضنته وأكلت جسده، فاكتشاف الحقيقة يودي بحلول الويل على مكتشفها، فيهرم سريعا.

على باب الهيكل، وإثر استماعه لاعترافات سادن هيكل الحقيقة/ الملك، وما عانى منه إثر اكتشافه حقيقة نفسه والآخرين، والكراهية التي أشعلت قلبه وقلوبهم، نراه يقفل عائدا، مستمعا إلى نصيحة السادن بالاستمتاع بالأكاذيب والأقنعة التي يستخدمها البشر، فالحقيقة مرّة، ولا يقوى على استيعابها الكثيرون، ويتمنى السادن أن ترحمه الآلهة ويموت مرة واحدة، عوضا عن أن يموت مرارا في كل يوم بسبب ما يعرفه.

صور متعددة للحقيقة


بنية المصادفات


لا تحمل “أشنار” مقومات الرواية الفلسفية العميقة، إذ تقوم على المقولات العامة والتي قد تصل إلى حدّ البديهيات، كما أن الحبكة فيها قائمة على المصادفات، واللغة قائمة على الوصف الدائم وعلى الحكم المتنوعة التي تلقيها جميع الشخصيات فتبدو أصواتهم متشابهة، حيث تردد المواعظ المتعلقة بالإنسان والكون والطبيعة، كما أنه لا يمكن إنكار السذاجة التي يتصف بها “أشنار”، فهو يطارد أيّة كلمة أو هاجس، ويسرع بطيش -رغم تعلمه في الأكاديمية- وراء تصوراته للحقيقة وتهيُّئها له. حيث تنتهي رحلته بخيبة الأمل، وعودته دون اكتشاف شيء، برغم كل ما حازه من علم ومعرفة إذ لم يصغ إلى صوت العقل، والشعار المرفوع في الأكاديمية “اعرف نفسك بنفسك”، فالأمر لا يتجاوز بالنسبة إليه سوى مغامرة.

كما نرى أن “أشنار” قد استفاد من نسبه النبيل وليس من قدراته الذاتية، فمشاركته في الأولمبياد كان بسبب مكانته كأمير بيبلوس، وسلم بالسحر الذي فتح له باب المملكة السحرية وغابتها بالرغم من اقتناعه بقوانين المنطق والعقل، فالحبكة قائمة على سلسلة من الصدف التي تمرّ به في ترحاله لا على بنية روائية متماسكة، فهو الأمير الذي لا بدّ له من العودة إلى الملكة، حتى أن الشيخ المعتزل في الغابة يرى فيه شابا أرعن يسعى وراء أهوائه.

بالرغم من الدلالات السياسية التي تحملها الرواية وخضوع بيبلوس للاحتلال الفرعوني، وقيام الملك بتقديم الطاعة للفراعنة، إلا أن “أشنار” ينزعج من هذ الأمر فقط ويبدي أحيانا غضبه، وخلال ترحاله لم ير أهمية تخليص بلاده من المحتل، حتى أنه لم يستمع لكلمات من نصحوه بالعمل في السياسة والعودة إلى مملكته وتحريرها وقيادة شعبه بل تابع سيره وراء المجهول ووراء تخيلاته، لينتهي به الأمر أخيرا عائدا إلى معبد أدونيس، إلى حضن حبيبته.

14