أشهر متاحف الغرب تتزين بآثار العرب المسروقة

الجمعة 2014/08/15
في السنوات الأخيرة نهبت نحو 30 % من الآثار المصرية

القاهرة – هل يمكن أن يصحو شعب ما ذات يوم فيجد نفسه مطموس التاريخ أو الحضارة؟ الجواب قد يبدو ظاهريا مستحيلا، لكن علماء آثار متخصصين في حضارات العالم العربي القديمة لا يستبعدونه، بل ويحذرون من أن عواقب سرقة الآثار في فلسطين واليمن والعراق وسوريا ومصر ستكون وخيمة على مستقبل الشعوب التي ستجد نفسها “مطموسة” التاريخ، في حين تزدان أسواق التحف والآثار ومتاحف العالم وقصور أثريائه بكنوز حمير وسبأ وتدمر وبابل وغيرها.

أعلن ممدوح الدماطي، وزير الآثار المصري، أن السفارة المصرية في برلين ستتسلم اليوم الجمعة عينات خرطوش الملك خوفو التي استولى عليها باحثان ألمانيان منذ نحو عام من إحدى الغرف الخمس الموجودة أعلى حجرة دفن الملك صاحب الهرم الأكبر جنوبي القاهرة.

والخرطوش لوحة صخرية تحمل اسم الملك خوفو ثاني ملوك الأسرة الرابعة (نحو 2613-2494 قبل الميلاد) التي تعرف بأسرة بناة الأهرام. واستدل علماء الآثار بالخرطوش -الموجود في غرف الدفن وعلى التوابيت- على أسماء ملوك مصر الفرعونية.

يأتي هذا الخبر ليسلّط الضوء، من جديد، على قضية قديمة متجدّدة، وهي قضية الآثار العربية التي، لا تنفصل عن القضايا المتعدّدة للمنطقة العربية والشرق أوسطية، شأنها شأن الطاقة والنفط والمياه، التي تشكّل مفتاح عدم الاستقرار الدائم في المنطقة.

بل إنها اليوم وفي ظلّ عمليات التهريب والتخريب التي طالت، ولاتزال، الكثير من الآثار العربية، أصبحت قضية أمن قومي، وفق كثير من المختصّين في علم الآثار في مصر وسوريا والعراق.

علماء الآثار يدقون ناقوس الخطر للتحذير من المأساة التي تهدد تاريخ اليمن والعراق وسوريا

وتزداد المخاوف من عمليات النهب المنظم للآثار العربية خاصة بعد أن أصبح الأمر تحت سيطرة “مافيا” منظمة وعصابات قوية، تستثمر رأس مال كبير في هذه التجارة غير المشروعة، في محاولة لاستخراج الكنوز المدفونة في بطن الأرض العربية.

ارتفع نسق عمل شبكات سرقة الآثار وتهريبها في الأعوام الأخيرة، وأضحت الظاهرة متنامية بشكل جعل المهتمين بالتاريخ والآثار يدقون ناقوس الخطر في محاولة للتحذير من المأساة التي تهدد تاريخ اليمن والعراق وسوريا، وغيرها، وتنسف الكنوز التي تركتها الحضارات المتعاقبة على هذه الأرض، مثلما تهدّد أحفادها الذين أصبحوا أقليات مهدّدة في أرضها.


الجهاديون يدخلون على الخط

رغم أن مافيا الآثار تنشط من قديم الزمان، وتشهد على ذلك أشهر متاحف الغرب التي تتزيّن بآثار العرب المسروقة، إلا أنه يمكن اعتبار ما تعرّضت له آثار العراق، إبان الغزو الأميركي في 2003، الحلقة الأخطر ضمن سلسلة تواصلت منذ ذلك التاريخ إلى اليوم مع آثار العراق وسوريا واليمن ومصر وتونس وليبيا وقد جاءت ثورات “الربيع العربي” لتضاعف من حجم عمليات التهريب والتخريب.

قضية الآثار العربية، رغم أهميتها الاقتصادية والثقافية والقومية، لم تنل حظّها من الاهتمام الإعلامي، وبقي صوتها حبيس الدراسات والمجلات المتخصصة، رغم الإحصائيات والأرقام المرعبة لعدد الآثار العربية المسروقة والمدمّرة.

15 ألف قطعة أثرية تعرّضت إلى النهب والسلب خلال الغزو الأميركي للعراق

وتشير إحصائية أعدتها وزارة السياحة والآثار العراقية إلى تعرض أكثر من 15 ألف قطعة متحفية إلى النهب والسلب خلال الأحداث التي رافقت غزو القوات الأميركية في أبريل عام 2003 ومن بين هذه القطع المسروقة تمت استعادة حوالي ستة لآلاف قطعة أثرية فيما مازالت هناك آلاف القطع في عداد المفقودات، وآلاف القطع الأخرى باتت اليوم مهددة بمافيا جديدة هي مافيا التكفير والتدمير. هي مافيا التنظيمات الجهادية، التي تعبث بآثار سوريا والعراق، تسرق وتبيع ما يفيدها وتهدم الباقي بحجّة أنها “أصنام” و”معابد”. وقدرت وزارة السياحة والآثار العراقية أن أكثر من 4370 موقعا أثريا تعرض للتخريب والتهريب.

وفي اليمن، كما في العراق وسوريا، تعيش الآثار بين مطرقة نقص الرعاية الحكومية وسندان عصابات تقوم بسرقتها وتهريبها إلى خارج البلاد لبيعها في الأسواق العالمية. وغياب تشريع نافذ المفعول ومحكم التنفيذ سيحوّل حضارات اليمن السعيد إلى حضارات منسية غابرة لا حجر يدل عليها ولا أثر.

إن معضلة سرقة الآثار لا يعاني منها اليمن والعراق فحسب بل تمتد إلى كثير من الدول العربية. وحمايتها تتنزل في خانة حماية الأمن الوطني، فبفضل هذه الآثار تؤرخ الحضارات لعراقتها وهي الشاهد على تاريخ الشعوب ودليل وجودها. والمال الذي تنفقه دولة فقيرة مثل اليمن على إعادة شراء أثارها المسروقة، جهات وقطاعات أخرى أولى به، ومن بينها قطاع حماية الآثار، وتطوير آليات المراقبة في هذا المجال.

سهير يونس: الـمسلات الفرعونية الموجودة في روما أكثر من تلك الموجودة في مصر

أيضا في ليبيا، الغنية بالآثار، تعرّضت آلافٌ من القطع النقدية والأثرية الثمينة للسرقة من خزانة البنك التجاري ببنغازي خلال ثورة 17 فبراير. ومن بين هذه الآثار ما يعرف بـ”كنز بنغازي” المودع في البنك وهو عبارة عن أكثر من عشرة آلاف قطعة بما في ذلك عملات تعود إلى العصر اليوناني والروماني والبيزنطي و العصور الإسلامية الأولى، إضافة إلى عدد من الكنوز الأخرى مثل التماثيل الصغيرة والمجوهرات.


آثار مصر


في مصر، أكد أثريون أن الفترة ما بين 25 يناير 2011 حتى الآن، تعد من أصعب الفترات في تاريخ وآثار مصر، حيث سرقت ونهبت الآثار بشكل غير مسبوق. وخلال السنوات الثلاث التي أعقب ثورة 25 يناير تعرض متحفان كبيران للسرقة والتدمير لبعض القطع الأثرية، وهما المتحف المصري ومتحف ملوي بالمنيا.

وكان موضوع “الآثار المصرية المسروقة”، محور ندوة نظّمها المكتب الإعلامي بسفارة مصر في لندن برئاسة المستشارة سهير يونس. وفي كلمتها قالت سهير يونس: “عندما تتم سرقة قطعة أثرية، فإنه يتم فصلها عن إطارها التاريخي والأثري الذي يمثل جانبا أساسيا من قيمتها“، مشيرة إلى وجود مسلات في روما أكثر من تلك الموجودة في مصر.

قضية الآثار العربية رغم أهميتها الاقتصادية والثقافية والقومية لم تنل حظها من الاهتمام الإعلامي

من جهته قال منسق الندوة جورج ريتشاردز إن “التحدي الأكبر في هذه المرحلة هو زيادة الوعي بين المواطنين بأهمية الآثار، وخاصة في المناطق النائية حيث يعتقد البعض منهم بأن هذه الآثار من عصر الجاهلية ويجب تحطيمها عند العثور عليها”. وأضاف “أن الآثار شيء مهم جدا للاقتصاد ومن أجل تنشيط السياحة، ولذلك فإنه من المهم جدا على الحكومة أن تتخذ خطوات كبيرة لزيادة الوعي بين المواطنين بأهمية وقيمة الآثار بالنسبة إلى بلادهم".

وذكرت صحيفة “يو إس إيه توداي” الأميركية أن جرائم سرقة الآثار التي شهدتها مصر منذ العام 2011 وحتى الآن كبدت البلاد خسائر تبلغ قيمتها 3 مليار دولار تقريبا، وفقا لـ “الائتلاف الدولي لحماية الآثار المصرية".


الانتهاك الغربي للآثار المصرية


بالعودة إلى عينات خرطوش الملك خوفو الذي قالت مصر إنها “انتزعت بصورة غير مشروعة”، لا تعتبر هذه العملية سابقة فريدة من نوعها حيث يمتد الانتهاك الألماني للآثار المصرية إلى سنة 1912 تاريخ اكتشاف تمثال نفيرتيتي من قبل عالم الآثار الألماني لودويج بوركهارت. وقد تم تهريب التمثال إلى ألمانيا ومنذ ذلك الوقت تسعى مصر إلى استعادة التمثال الشهير للملكة الفرعونية الذي يعود تاريخه إلى 3400 عام،

ويزخر متحف اللوفر بأكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية مصرية، تعرض في 31 قاعة، وبفضلها تم تطوير المتحف بزيادة مساحات جديدة للعرض، بما يسمح بزيادة عدد القطع الأثرية المصرية المعروضة، إضافة إلى مئة ألف قطعة أخرى في مخازن اللوفر، وكثير من هذه المقتنيات ترجع سرقتها إلى عهد نابليون والحملة الفرنسية، إذ كان الملك شارل العاشر مغرما بشراء التحف.

4370 موقعا أثريا في العراق تعرض للتخريب والتهريب على يد داعش

ومن أهم مقتنيات اللوفر تمثال الكاتب المصري الذي يعد من أهم أعمال فن النحت المصري، كذلك مجموعة آثار ترجع إلى عصر أخناتون، وتمثال الملكة حتشبسوت، وتمثال لعمدة طيبة «سن نفر»، ومجموعة توابيت ملونة ترجع للأسرتين 21 و22، ورأس تمثال الملك رع ابن الملك خوفو، وهو أول رأس ملكي يعطي ملامح شخصية الملك في تاريخ الفن.

كما يضم اللوفر تمثالا للملك خفرع، وهو أول تمثال ملكي في الحضارة المصرية، يجسد الملك وهو جالس على مقعد، وزوجته جالسة على يساره تطوق ساقه بذراعيها، وعلى يمين المقعد نقش يمثل اسم الملك داخل خرطوش.

يذكر أن فرنسا أقامت متحفا آخر يضم العديد من روائع الآثار المصرية، وهو متحف بولون، وهي المدينة التي ولد بها عالم الآثار الفرنسي ميريت والذي أسس المتحف المصري في القاهرة، وتم تأسيس متحف بولون العام 2004، وحتى يعيش الزائر الجو المصري، ضمت صالات المعرض بالصوت والصورة لوحات من أرض مصر والنيل، وتم تصميم موقع لأعمال التنقيب عن الآثار بأدوات التنقيب والخيام والعمال "مجسم"، وبه صوت لعمال الحفر المصريين خلال عمليات التنقيب أي أشبه بالصوت والضوء.

وتأمل مصر في استعادة حجر رشيد، الذي أتاح اكتشاف اللغة الهيروغليفية والمعروض في المتحف البريطاني في لندن. وحجر رشيد اكتشفه ضابط فرنسي في 19 يوليو عام 1799 إبان الحملة الفرنسية، وقد نقش عام 196 قبل الميلاد، وهذا الحجر مرسوم ملكي صدر في مدينة منف، وقد أصدره الكهان تخليدا لذكرى بطليموس الخامس، وعليه ثلاث لغات.

وكان وقت اكتشافه لغزا لغويا لا يفسر منذ مئات السنين، لأن اللغات الثلاث كانت وقتها من اللغات الميتة، حتى جاء العالم الفرنسي جيان فرانسوا شامبليون، وفسر هذه اللغات بعد مضاهاتها بالنص اليوناني، ونصوص هيروغليفية أخرى، وهذا يدل على أن هذه اللغات كانت سائدة إبان حكم البطالمة الإغريق لمصر لأكثر من 150 عاما.

كما تريد مصر استرجاع تمثال نصفي لأحد النبلاء وهو أحد مهندسي أهرامات الجيزة موجود الآن في متحف “فاين ارتس″ (الفن الراقي) في بوسطن وتمثال لمهندس هرم خوفو موجود في أحد متاحف ألمانيا.

وتستند المتاحف في رفضها إعادة الآثار المصرية إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تكافح التهريب غير المشروع للآثار، ولكنها تنصّ على أنها لا تطبق بمفعول رجعي قبل هذا التاريخ.

غياب تشريع نافذ المفعول ومحكم التنفيذ سيحول حضارات اليمن السعيد إلى حضارات منسية غابرة

ولا يقتصر أمر الآثار التي تزخر بها أشهر متاحف العالم على الآثار المصرية والفرعونية فحسب، بل تشمل عديد الآثار من مختلف الدول العربية، وأشهرها بوابة عشتار الموجودة في متحف بيرغامون في برلين، وهي تحفة فنية بديعة تعكس عظمة الحضارة الشرقية.

وأيضا، يزخر المتحف الوطني البريطاني بأنفس الآثار العربية وأثمنها من اليمن ومصر والعراق وغيرها، فهو يحتكم على أكثر من 15 ألف مخطوطة عربية، هي أكبر المجاميع الإسلامية وأكبر ما يعرف من نوعها من المجاميع النفيسة في أوروبا وشمال أميركا، كما أنها جزء من بين أكثر من عشرين مليون مادة تحويها المكتبة البريطانية في خزائنها في المبنى الجديد في سانت بانكرس في لندن.

هذه المجموعة من المخطوطات العربية تسميها المكتبة بدار خزانة كنوز التراث العربي والإسلامي، وتشتمل على حوالي 7 آلاف مخطوطة فارسية وألفي مخطوطة أوردية، و400 مخطوطة من ماليزيا الإسلامية و120 مخطوطة تركية إلى جانب مجموعات أصغر من الصين الإسلامية ومن المغرب العربي ومن أسبانيا.

من بين 6 مليون مخطوطة عربية في متاحف ومكتبات في الغرب، تأتي المخطوطات اليمنية في الصدارة لتحتل أرفف مكتبة الأسكوريال بأسبانيا ومكتبة لايدن بهولندا ومكتبة المتحف البريطاني ومكتبة سانت بترسبورغ في روسيا ومكتبة الكونغرس في واشنطن ومكتبة الفاتيكان والمكتبة الوطنية في باريس ومكتبة البودليان بالولايات المتحدة الأميركية.

ويقدر عدد المخطوطات العربية والإسلامية الأصيلة المنتشرة في مكتبات العالم بأربعة ملايين مخطوط. وهذا العدد الهائل من المخطوطات الذي يمثل إذا كان مجتمعا ربع عدد الكتب الموجودة في المكتبة البريطانية مثلا، مما حدا بأحد العلماء المسلمين إلى القول بأنه لو جمعت الكتب التي صنفها العرب والمسلمون لاستطعنا تغطية الكرة الأرضية بأوراقها.

6 ملايين مخطوطة عربية تقريبا معروضة في متاحف ومكتبات في الغرب

يعد التراث العربي المخطوط في الوقت الحالي أهم تراث مكتوب، بل لعله التراث الإنساني الوحيد الذي قاوم عوامل الزمن، وبقى محفوظا بصورة كبيرة قياسا بالتراث في الحضارات الإنسانية الأخرى غير الإسلامية التي اندثرت وزالت معالمها.

ويأمل الخبراء أن تكون استعادة مصر لبعض آثارها الموجودة في الخارج، خطوة ناجحة نحو استرجاع تاريخ العرب المسروق. فحقوق الإنسان والملكية الفكرية، وغير ذلك من الشعارات، التي ترفعها الدول الغربية، “المتحضّرة”، تختفي في هذه القضية.

من هنا يدعو علماء الآثار والتاريخ الحكومات العربية إلى أن تتبع نفس النهج وتكون حريصة على مصالحها، وهنا تتأكد الحاجة لاستعادة ممتلكاتها الأثرية وحقوقها التاريخية ويواجهوا سرقة تاريخهم على الملأ ودونما رادع يجبر هذه المتاحف على إعادة صفحات التاريخ إلى كتابها الأصلي.

6