"أشياء تُسمَعُ وتُرى".. زوجان في دائرة مكانية يتحكم فيها الرعب والجريمة والصراع

المسارات السردية في فيلم "أشياء تُسمَعُ وتُرى" تمتزج بشكل متقن بل يمكننا أن نعد الفيلم بمثابة يوميات عذابات ومكابدات.
الأحد 2021/07/11
زوجة تائهة في حقائق مرعبة

في الكثير من التجارب السينمائية يكون المكان عنصرا فاعلا في الدراما الفيلمية ويكون هو والشخصيات في حالة من التكامل بحيث تكون له وظيفته التعبيرية، ويكون في ذات الوقت عاملا فاعلا في ما يقع للشخصيات من تغييرات وتحولات. وينطبق ذلك على فيلم “أشياء تُسمَعُ وتُرى”.

تَوَّج فيلم “أشياء تُسمَعُ وتُرى” للمخرجين شاري بيرمان وروبرت بولتشيني، الذي عرض مؤخرا مسيرة حافلة للمخرجين، أنجزا خلالها العديد من الأفلام ونالا العديد من الجوائز.

كالمعتاد في سينما الرعب مثلا ومن خلال نموذج متكرر، تنتقل العائلة إلى منزل جديد، وهناك تقع لهم المفاجآت وأحيانا الكوارث بسبب أن المكان إما مسكون بأرواح شريرة وإما أن أصحابه الميتين أو المختفين يظهرون فيه.

بطولة المكان

أحداث الفيلم تقع ما بين النزعة الإجرامية والخيانة الزوجية

هنا لسنا أمام فيلم ينتمي إلى هذا النوع من أفلام الرعب بالكامل رغم ما فيه من مقاربات كثيرة مؤدية إلى ذلك، فمع المشاهد الأولى المصنوعة بعناية بلقطات عامة وكبيرة من أعلى بواسطة الدرونز، سوف نكون مع عائلة مكوّنة من ثلاثة أفراد حيث يحصل الزوج جورج (الممثل جيمس نورتون) على عمل في أحد الأرياف الأميركية فيصحب معه زوجته كاثرين (الممثلة أماندا سيفريد) وطفلتهما الصغيرة، والأحداث تقع في ثمانينات القرن الماضي.

ها نحن مع المكان الجديد وهو الحيز الجغرافي الإشكالي الذي تكون الشخصيات في مواجهته بينما تكون إليزابيث وهي الفنانة المرهفة التي تعمل في مجال الفن التشكيلي وترميم الرسوم القديمة في الكاتدرائيات هي الضحية.

في المقابل تتكشف بالتدريج وببراعة ملفتة طبيعة شخصية جورج الذي تكون زوجته قد تخلت عن جميع أحلامها لكي تكون وفية له، فهو في الأخير ليس صادقا مع أحد، بل إنه في النهاية ليس إلا قاتلا بشعا لا يتورع عن قتل المسؤول المباشر عنه في الجامعة وقتل زميلته في العمل بالتسبب في حادث سير لها.

ما بين النزعة الإجرامية والخيانة الزوجية يبقى جورج يصطنع المواقف ويعبر بسطحية عن ذاته الحقيقية، بينما هو يبطن مشاعر عدوانية وأنانية، أما إليزابيث فسوف يكون المكان لوحده كافيا ليزيد من عذاباتها، فالمكان يعود إلى أسرة من القساوسة وتوارث أبناؤهم وأحفادهم المنزل وصولا إلى ما وقع لآخر الساكنين في المنزل من حادث مروع كانت إحدى ضحاياه المرأة التي ما انفكت تظهر في الليل في زوايا المكان.

في المقابل تختلط الحقائق بالكوابيس ثم تختلط أكثر مع انضمام إليزابيث إلى جماعة تؤمن بتحضير الأرواح والتناسخ وما إلى ذلك، وهم يمارسون تلك الطقوس في منزل كاثرين المؤمنة بالروحانيات.

ها هي ترتدي خاتم المرأة القتيلة وتكتشف المخفي عن حادثة مقتلها وهو ما كان يخفيه زوجها عنها، فضلا عن معاشرته فتاة شابة يتعرف عليها بشكل عارض ويفتضح الأمر على يد زميلته التي انتقم منها.

تمتزج المسارات السردية في هذه الدراما بشكل متقن بل يمكننا أن نعدّ الفيلم بمثابة يوميات عذابات ومكابدات كاثرين التي تحيط بها تلك الدوامة من كل جانب فمن جهة هنالك الزوج الإشكالي اللعوب ومن جهة أخرى هنالك إحساسها بالعزلة وعدم الانتماء إلى البيئة الجديدة ووجود العديد من الأسئلة الغامضة التي ترتبط بهذا المكان.

دراما الجريمة والخيانة

حقائق تختلط بالكوابيس
حقائق تختلط بالكوابيس

تتكامل في الفيلم المكونات المكانية وتكون كل جزئية فيه ميدانا مهما لتحول ما سوف يطرأ على الشخصية، وهو حل إخراجي متميز تم فيه الالتفات بعناية إلى الكيفية التي ظهرت بها العديد من الأماكن على محدوديتها إلا أن كلا منها كان ميدانا لتحول ما في الدراما الفيلمية.

وأما إذا انتقلنا إلى شخصية كاثرين فإن نسق المعلومات الغامضة المخفية عنها لعبت دورا في تطوير شخصيتها دراميا في هذا الفيلم، وكانت كل مرحلة من مراحل اكتشاف المعلومات بمثابة تأكيد لما كانت خبرته من قبل من علاقة مرتبطة مع جورج، الذي يكون قد كذب عليها وزوّر أوراقه الجامعية وصولا إلى سرقة أعمال فنية لأحد أقاربه ونسبتها لنفسه.

هذه السلسلة من التحولات تحيلنا إلى نوع من الدراما النفسية الممتزجة بالغموض والرعب وبنسق واقعي كانت فيه الشخصيات تتراوح ما بين إيمانها الغيبي أو انشغالاتها الخاصة كما هي حالة جورج، فيما كانت كاثرين في كل ذلك تبحث لنفسها عن مدار ما يخرجها من الدائرة التي كانت فيها، هي دائرة مركبة ومشتتة ولا تعرف كيف يمكنها الخروج منها.

في الفيلم تتكامل المكونات المكانية وتكون كل جزئية فيه ميدانا مهما لتحول ما سوف يطرأ على الشخصية

وحتى عندما تقرر خيانة زوجها فإنها تدخل في ضياع آخر ومتاهة لا تعرف لها نهاية، فهذا الشاب هو ابن الضحية التي كانت تعيش في المنزل الذي استأجرته كاثرين وزوجها، وهذا الأخير يرى كل الآخرين يخونون ولهذا سوف يسارع إلى التلميح بوجود علاقة بين كاثرين وبين ذلك الشاب.

في المقابل لم يتم الإغراق في مشاهد الرعب ما عدا المشاهد في منتصف الزمن الفيلمي وقد أراد المخرجان من خلالها أن يكشفا عن طبيعة شخصية كاثرين من جهة والكشف عن المكان من جهة أخرى، لكن ما بعد ذلك كان الانتقال إلى دراما الجريمة بشكل متصاعد حيث شهدنا سلسلة الجرائم التي ارتكبها جورج انتهاء بإقدامه على قتل زوجته.

15