"أصابع لوليتا" ترحال بين الحب والألم والمنفى والعشرية الجزائرية الدامية

السبت 2014/07/19
يوقع واسيني الأعرج القارئ في حيرة جراء سرعة الأحداث وتعدد الشخصيات

في أكثر من خمسمئة صفحة يوغل بنا واسيني الأعرج في روايته “أصابع لوليتا”، الصادرة عن دار “الآداب”، في متاهات الحب والألم، في ظلام السجون وعصور الانقلابات، متنقلا بين آلام الجزائر وأحضان المنفى الباريسي، ثوار يقتلون وثورات تغتال، أشراف يسقطون وأوغاد يعتلون العروش، مناضلون وأدباء يُلاحقون، ويُطاردون في المنافي، حتى أريج الحب الذي يعبق فجأة في ليالي يونس مارينا، لا يلبث أن يُدمر على أرصفة الألم.

يونس مارينا كاتب جزائري مشهور، يهرب من وطنه بعد ملاحقة انقلابيين له على إثر مقالات صحفية كان يكتبها عن معاناة الزعيم الذي انقُلب عليه في السجن. يقع في حب عارضة أزياء شابة “لولا” كانت معجبة بكتاباته.

غير أن هذا الحب لا يلبث أن يتحطم حين تنتحر الشابة لما كانت تعانيه من آلام مكبوتة في نفسها، فهي ضحية والدها التاجر الذي اغتصب عذريتها وهي في سن المراهقة .


قبل الانتحار


في مشهد مؤثر طويل نسبيا يصف واسيني لحظات ما قبل الانتحار، حيث كانت الفتاة تخطو على رصيف الـ”شانزيليزي”، وسط عاصفة ثلجية وتلقي نحو مارينا الذي كان يرقبها من شرفة غرفته في فندق، نظرات وداعية وترسل إليه قبلات في الهواء: “شعت ابتسامتها مثل البرق الخاطف. ما كادت ترفع رأسها من جديد نحوه وتعيد الحركة نفسها بقبلة أخرى، حتى لمع برق أعمى بصره، هل كان الألق القادم من كل حواسها الحية، أم مجرّد دوار سحره حتى غير كل شيء في عينيه؟ فتح عينيه عن آخرهما.

كان الانفجار جافا وحادا هز الشرفة وزجاج الكثير من المحلات، فتطاير جسدها الهش في كل اتجاه مشكلا حرائق صغيرة ظلت مشتعلة في مكانها على كتل الثلج مدة طويلة “.

رواية تسكن ظلام السجون وعصور الانقلابات، تنتقل بين آلام الجزائر وأحضان المنفى الباريسي


حيرة القارئ


يأتي انتحار الفتاة مفاجئا وصادما، فلم يكن هناك أي تلميح له في مقدمات الفصول العاصفة بالحب بين الطرفين، وإن كانت الآلام التي مرت بها الفتاة في حياتها حاضرة، عبر لغة واسيني الشاعرية جدا في أغلب فصول الرواية، غير أنها لا تخلو من إسهاب في بعض الفصول، وخاصة تلك التي تتحدث عن الأزياء وعروضها وعارضاتها، وعن شغف مارينا بلوليتا.

يوقع واسيني القارئ في حيرة حين يشير إلى ما نشره الأمن الفرنسي الذي كان مسؤولا عن حماية مارينا من التهديدات بالاغتيال التي كانت تلاحقه، حين ينشر الأمن أخبارا مفادها أن الفتاة كانت مكلفة من قبل جهات إرهابية باغتيال مارينا. وليس في الرواية ما يشير إلى ذلك في حياة لولا التي لم تكن لها أية علاقة بالإرهاب والإرهابيين، إلا عبر تصريحات الأمن التي أشارت أيضا إلى أنها قتلت أخاها، ففي النص الصوتي المسجل على هاتف مارينا من قبل رجل أمن محذرا مارينا من فتح غرفته لأحد حتى للوليتا، فهي “اسمها الحقيقي ملاك، تتحرك بجواز مزور، وهي متابعة من طرف الأنتربول بسبب جريمة ارتكبتها في جاكرتا ضد أخيها الذي كان يتاجر في إندونيسيا. وهي مكلفة بقتلك من طرف تنظيم مرتبط بجهة متطرفة تم تفكيك جزء كبير منها”.

رواية مشوقة ودرامية


دعاية أمنية


ولو كان الأمر كذلك لاستغله واسيني ومهد له بأسلوب مختلف، جعل الرواية أكثر تشويقا ودرامية، فهل هناك ما هو مشوق أكثر من ترقب مقتل شخص أو عدمه من قبل من ستقتله بعد أن وقعت في حبه!؟

تتضح الدعاية الأمنية حين تبث الأخبار بشكل مفتعل وخاصة من التلفزيون، الذي راح يتحدث عن “عمل إرهابي في الـ”شانزيليزي” نفذته إرهابية” (ص 485 - 486).

فلوليتا، كانت مع مارينا في الغرفة قبل أن تنزل، ولو أرادت أن تغتاله لاغتالته بتفجير نفسها معه. وهنا يضعنا واسيني أمام احتمال آخر، وهو أن الفتاة عدلت عن قتل نفسها مع مارينا إذا كانت مكلفة باغتياله أو إذا كانت ترغب في الانتحار معه.

ويظل الالتباس قائما وخاصة بوجود النص الصوتي على الهــاتف الذي يحذر مارينا من فتح باب غرفته لأحد وإن جاء متـــأخرا، أي بعد خروج لوليتا من غرفة مارينا.

حفلت الرواية بالكثير من المشاهد المؤثرة. كمشاهد وصف الذبابة في سجن الريس بابانا الذي كما يبدو يرمز إلى شخصية بن بلة أول رئيس للجزائر بعد الثورة. ولقاء مارينا له في أوروبا. ومشاهد أخرى كثيرة. كما تضمنت الكثير من الوقائع المتعلقة بالجزائر، وعارضات الأزياء وغيرها.

16