أصابع من رماد

الاثنين 2016/03/28

يحتاج الرسام العربي إلى أن يستعير أصابع من جمر وأخرى من رماد لا يزال ملتهبا، ليرسم ربيعا سلم أشجاره لشتاء القصف الليلي من غير أن يبقي على شيء من خضرته ليتسلى بها الخريف.

ما من شيء يذكر بالانطباعية، لا ورقة حمراء، إلاّ إذا كانت قد اصطبغت بالدم.

لا تنفع رؤى مونيه في شيء، الوجوه صفراء لأنها صارت خزائن للجوع والذعر ومرايا للكوابيس، هناك مَن يستعيد صرخة إدفارد مونخ في هذه اللحظة العصيبة.

الأيادي التي لا تقوى على الإمساك بشيء، لا يمكنها أن تصل إلى مصباح غورنيكا في لوحة بيكاسو الشهيرة، ما الذي لم يقع لكي يرسم وليضع الرسام العربي رأس ربيعه على مخدته وينام؟

ما من شيء سوى الموت إلاّ ويجيء ناقصا، الحب ناقص، الدموع ناقصة، التراب ناقص، سيكون القبر ضيقا على من لم يعثر في وطنه على متر واحد للإقامة المطمئنة.

نحن في حاجة إلى جيش من الرسامين لنرسم قوافل النازحين، لا معنى في أن يصف الرسام ما رأته عيناه.

لم يُخلق الرسام لكي يكون شاهدا، لقد تعطل دور الرائي حين حضرت النبوءة فاسدة، لقد استسلم الكثير من الرسامين العرب للتعبيرية ليرسموا بدلا من أن يكتبوا.

هناك مَن كفر بالرسم فصار تجريديا، كما لو أن التجريد نوع من الكفر في زمن تفرض واقعيته الاتجار بالبشر نوعا من الحل لمشكلة إنسانية، لذلك لا أحد يجرؤ على رسم (طوف ميدوزا) ثانية؟ الغارقون في بحر إيجه لا تزال أبخرة أنفاسهم تصعد لتمتزج بزيت الرسامين، من غير أن يتمكن خيال الأيدي من الإمساك بها؛ “لقد فشلنا” لا أحد يعترف.

ما فعله الفنانون العرب يكاد لا يفارق نقطة الصفر، يبدو الأمر أشبه بالخيانة، الفن يخون الحياة، ما لم نجرؤ على تغييره في الفن لن يتغير في الواقع، الفن يسبق الواقع دائما.. نحن في حاجة إلى فن جديد.

كاتب من العراق

16