أصحاب الأجساد الممتلئة مادة للسخرية والإضحاك

الاستهزاء من الأجساد الممتلئة ممارسة قادمة من عهود الانحطاط وشكل من أشكال التنمر والعنصرية المقنّعة.
الخميس 2021/09/16
الفنان الكويتي داود حسين يقدّم كوميديا راقية دون ابتذال

لا تزال الكوميديا العربية، رغم تنامي الوعي الحقوقي، تستخدم بعض ذوي الأجسام الممتلئة والمختلفة مادة للإضحاك الرخيص، لكن فئة كبيرة من هؤلاء أفلتت من الأقفاص والقوالب التي وضعها فيها تجار الفن بفضل مواهبها. وتبقى الطريق طويلة عربيا، وحتى دوليا، لتصحيح المسار ومحاربة هذه “العنصرية المقنّعة”.

يبدو وكأنّ الأجساد والقامات في هيئاتها السمينة أو النحيفة، القصيرة أو الطويلة، هي التي تكتب الأدوار لأصحابها في الدراما العربية، بعيدا عن المقاييس الفنية المتمثلة في القدرات والمواهب.. ولا شيء غير القدرات والمواهب.

هنا يصبح الجسد البشري “سجنا حقيقيا” بمفهومه الواقعي والمهني، وليس الصوفي والرمزي، خصوصا إذا كان صاحبه يحترف فن التمثيل على وجه الدقة والتحديد.

ظاهرة عالمية

الأمر لا يقتصر على العالم العربي الذي ورث بدوره هذه “العنصرية المقنّعة” والتوزيع غير العادل للأدوار من الخلفية الهوليوودية لفنون التمثيل والاستعراض، لا بل سبقتها إلى ذلك أشكال فرجوية كثيرة في الساحات العامة وخيام السيرك طالت ذوي الاحتياجات الخصوصية وأصحاب التشوهات الخلقية في الأزمنة القديمة والحديثة.

وإذا كان مبدأ الفرجة عموما، والكوميديا بالخصوص، مبنيا على عنصري الغرابة والمفارقة فإن المنشغلين بهذا الحقل قد ابتعدوا عن تعليمات سوفوكليس وأرسطوفانس، وجعلوا الصراعات والمفارقات تدور بين بدين ونحيف، طويل وقصير، وسيم وذميم، وغيرها من الثنائيات التي تحيد عن الكرامة الإنسانية، وتسخر من الكائن البشري في الهيئة التي وجد عليها.

وصل هذا السلوك المشين إلى الحد الذي يجرّم فيه صاحبه وفق القوانين الحديثة، وأقلها الاتهام بالتنمر الذي استمر في المسرح والسينما العربيّيْن إلى الآن، خصوصا الأعمال التجارية في القطاع الخاص.

ولست أدري لماذا أفلت عدد كبير من “نجوم الكوميديا” من العقاب والملاحقات القانونية، خصوصا في مصر، حيث تعجّ خشبات المسارح وقاعات السينما التجارية في الأعياد بعروض تستجدي الضحك على حساب أشخاص من ذوي الأحجام والهيئات المختلفة الذين راقت لبعضهم هذه “النجومية” وكسبوا منها بعض المال في غياب الوعي لدى الجمهور وطاقم العمل على حد سواء.

ولكي لا نذهب بعيدا في “النوايا غير الحسنة” عند قراءتنا لهذه الظاهرة فإن هناك من يقول بحق هؤلاء في ممارسة فنون التمثيل والاستعراض، وبصرف النظر عن هيئاتهم التي يمكن أن تكون موضوعا لمضمون أعمالهم دون تأويل أو حساسية مفرطة.

ويبرّر المدافعون عن حق ذوي الصفات الجسمانية المتميزة في التمثيل بقولهم إن السمات الفيزيولوجية للممثل عادة ما تكون عاملا داعما لموهبته وانتشاره، فالممثل الذي يتمتّع بالقوة يشتهر في أدوار “الأكشن” والحركة، بينما جرت العادة أن يظهر الممثل البدين في أدوار كوميدية تبرز خفة ظله وتظهره كشخص خال من العقد والمركبات والتحسّس من الأحكام المسبقة.

وفي هذا الصدد ترى الممثلة الأسترالية الكوميدية ريبيل ويلسون أن الشخص البدين سهل جدا أن يُضحك المُشاهد، وهذه النظرية تسري على السيدات بصفة خاصة.

ونقلت صحيفة “تيليغراف” البريطانية عن الفنانة، التي تتمتّع بشهرة عالية رغم بدانتها، قولها “من الصعب الضحك على شخص جذاب.. إلاّ أنه ليس من العدل أن نقول إن كل البدناء ظرفاء، وكل النحفاء مملون.. لكن الأكثرية منهم كذلك”.

وتضيف ويلسون “بشكل عام، يرى العلماء أن البدناء أظرف من غيرهم، لأنهم يحاولون صرف الأنظار عن بدانتهم بخفة ظلهم”.

نجاحات عربية

في العالم العربي يقول أحد نقاد الفن المصري إنه إزاء تكرار هذه الفكرة النمطية التي لاكتها ألسن كثيرة فطن الكثير من الممثلين من أصحاب الوزن الزائد إلى ضرورة خروجهم من إطار شخصية البدين المضحك، والاعتماد على “كوميديا المواقف الدرامية” دون أن يكون الجسد عاملا فيها.

وبالفعل، فإن الكثير من الفنانين قد تصالحوا مع أجسادهم وقدّموا كوميديا راقية تضحك جمهورها دون ابتذال، وتدخل البهجة إلى قلب المتلقي فيقدّرها حقّ قدرها دون سخرية أو استهزاء.

ومن الفنانين الذين استحوذوا على قلوب الجمهور العربي قديما وحديثا نذكر الفنانة ماري منيب التي كانت نجمة شباك حقيقية وصاحبة موهبة أخّاذة.

وكذلك مها أحمد، التي رفضت اتباع أي برنامج غذائي لإنقاص وزنها، لأنها تعتبر أنها دخلت قلب وعقل الجمهور بسبب شكلها غير المألوف على الساحة الفنية، لكنها تعتقد أن خفة الظل تقترن بالوزن الثقيل، إذ تخرج منها “نكات” تجعل التواصل مع جمهورها الذي قبلها وهي سمينة أكثر سلاسة، وعن ذلك تقول “هذا الأمر لا يسبّب لي أي مشكلة سواء في حياتي العملية أو الأسرية”.

أما الفنان الكويتي داود حسين فقد استطاع أن يجمع بين نجومية الإيرادات والجماهير وآراء النقاد من خلال تقديمه كوميديا هادفة تطرح عددا من القضايا الاجتماعية في إطار فكاهي. وقال عنه أحد النقاد بأنه “يمتلك قدرة هائلة على الإضحاك والتقليد جعلت أعماله الفنية بمثابة بوفيه فني”.

الأمثلة كثيرة ومتنوّعة بالنسبة إلى البدناء في الكوميديا على وجه الخصوص، والذين صارت تكتب لهم الأدوار خصيصا، مثل جورج سيدهم، والراحل يونس شلبي القادر على انتزاع الضحكة من الجمهور ورسم البهجة والبسمة على وجه كل من يشاهده ببساطته وتلقائيته. وكذلك الراحل علاء ولي الدين، النجم سينمائي الذي رسم لنفسه خطا يسير عليه بوجهه الطفولي.

مبدأ الفرجة في الكوميديا مبني على عنصري الغرابة والمفارقة، إلاّ أن السخرية من جسد الممثل تحطّ من كرامته

هناك ما يشبه الاستثناء في هذا المجال وهو أن يتحوّل البدين إلى رجل وسيم، سرعان ما ننسى ضخامة جسمه أمام نبل أدائه وأناقة طريقته في تناول الشخصية مثل يحيى الفخراني الفنان المدهش بثقافته وقدرته على شدّ الانتباه والاستحواذ على القلوب.

كما لا يمكن لنا في هذه المقاربة الاستثنائية أن ننسى أداء “الفتى الوسيم” محمود عبدالعزيز، الذي كسر القاعدة في الكوميديا، وذهب بفن التمثيل نحو الإضافة الإبداعية والثقافية، وكسر تلك القاعدة النمطية المقيتة التي توزّع الأدوار حسب الأحجام والهيئات والوجوه.

الملاحظ أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نلمس تراجعا ملحوظا في هذا “المشهد الكوميدي التنميري”، وذلك لعدة أسباب تتعلق بتنامي الوعي لدى الجمهور والمنتجين بعدم صوابية هذا الاتجاه الذي يصنّف كشكل من أشكال العنصرية والازدراء.

صفوة القول إن التمثيل مثل الرياضة، نشاط بشري يمكن أن يمارسه الجميع دون تمييز، وإن استخدام المختلفين لأجل الإضحاك هو ممارسة منحطة وينبغي التشديد على منعها، لأنها مازالت موجودة في العالم العربي، وللأسف الشديد.

يحي الفخراني تحوّل بفضل قوّة أدائه من رجل بدين إلى وسيم

 

15